من تاريخ التسنن في العراق
الأثنين 7 أكتوبر 2013

 عبد العزيز بن صالح المحمود – كاتب عراقي (1/2)

 

خاص بالراصد

تمهيد:

مرَّ قرنان من الزمان على العراق والتشيع يسري فيه وفق مخطط مدروس، حيث أن الشيعي حيث وُجد فله قيادات تُخطط له، وقديما كانت تخطط له رجالات الحوزة، ومع مرور الزمن يتمدد التشيع ديمغرافيا أرضا وسكانا على أرض الرافدين، ولم نسمع نذر ذلك من أهل السُنة لا في الدولة العثمانية ولا بعد تشكيل الدولة العراقية (1921م) إلا من مجموعة قليلة من العلماء والدعاة في الأمة الإسلامية([1])، والغريب أن يكون هؤلاء قلّة في العراق (وهو مطبخ التشيع)، ولم نسمع عن عملية عكسية (تحول التشيّع إلى تسنن) إلا في سبعينيات القرن العشرين، فقد بدت كظاهرة واضحة والتي هي موضع مقالنا هذا.

 فقد حدث -ولأول مرة- منذ أربعة قرون وبجهود فردية عكس عجلة التشيع المطردة في تحويل المجتمع العراقي من التسنن إلى التشيع، ودارت عقارب الساعة عكس ما كانت تمشي  لتعود إلى الاتجاه الصحيح، مع طواف الطائفين حول الكعبة، ومع ذرات دورة الإلكترون حول النواة، وهذه هي الدورة الصحيحة  للكون كله.

 

قلة الوعي سبب انتشار التشيع:

كم عانت الدول وتعاني من ضعف ثقافة رجل السياسة لعلم الاجتماع والتاريخ الديني، مما كان له انعكاسات سلبية كثيرة على الأصعدة الدينية والاجتماعية والسياسية، وبسبب جهله ورغبته في الحفاظ على الكرسي لنفسه أو لعائلته أصبح يفكر بشكل غير سليم، فيجر الكوارث على المجتمع وعلى البلاد!

انتشر التشيع في جنوب العراق تحت سمع الدولة العثمانية وبصرها، وبموافقة رجال الحكم والولاة في معظم الأحيان([2])، حتى كاد يصل لدرجة انفصال  الجنوب الشيعي في العراق فأخذ يدير شئونه بقدر كبير من الاستقلال عن الدولة، وبسبب خوف الدولة العثمانية من تأثر مواطنيها بظهور الدعوة السلفية بزعامة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في منطقة نجد، اتبعت الدولة العثمانية سياسة إنشاء حاجز بينها وبين نجد، عبر السماح بتشيع قبائل جنوب العراق حتى غدت منطقة جنوب العراق أكثرية شيعية لتكون مانعا فكريا ضد تأثير دعوة محمد بن عبد الوهاب وأتباعه بسبب الاتصال العشائري بين جنوب العراق ومنطقة نجد([3] هذا لا يعني أن الأمر مخطط له وبوعي من قبل العثمانيين، بل كان نتيجة لرغبة الساسة بالتخلص من أمر دون النظر إلى عواقبه المستقبلية، كما يفعل الساسة العرب اليوم في مقاومة أطماع إيران.

ولكن في أواخر الدولة العثمانية أحسوا بالخطر الشيعي، فقد تلقى السلطان عبد الحميد تقارير  في سنة 1890م تحذر من كثرة تواجد الشيعة في الجيش العثماني في العراق؛ لذلك أوفد لجنة عسكرية للتفتيش في هذا الأمر، مما تسبب في إقالة والي بغداد سنة 1891م بسبب تغلغل الإيرانيين داخل بغداد، إضافة إلى كثرة تواجد الشيعة في الجيش العثماني في العراق([4])، وطلب السلطان عبد الحميد يومها من مستشاريه حل ظاهرة انتشار التشيع في العراق فأشير عليه - وكان بعض مستشاريه شيعة- بخطة غبية؛ هي تبني دعوة التقارب بين السنة والشيعة، وبُررت بكونها خطوة مهمة لسياسة السلطان في مقاومة الأطماع الأوروبية.

ولم يقتصر قلة الوعي بالتشيع وأخطاره على رجال الدولة العثمانية، بل استمر قلة الوعي في زمن الدولة القومية والوطنية؛ فعبد الكريم قاسم أول رئيس للعراق الجمهوري([5])، أسكن أبناء العمارة والناصرية من الشيعة في بغداد في مدينة الثورة والشعلة، ليخلخل التوازن الديمغرافي لمدينة بغداد، وليت صدام حسين اتعظ بذلك فهو الآخر جلب آلاف العوائل من أبناء الجنوب (نواب ضباط والرتب الصغيرة) ومنحهم قطعا سكنية مجاناً في مناطق شاسعة من بغداد، فازداد الخلل الاجتماعي في بغداد أكثر وأكثر، وهو ما ظهرت ثمرته المرة بعد الاحتلال عبر ميليشيات الإجرام والتشيع والعمالة لإيران.

 ولقلة وعي السياسي القومي ومعرفته بشؤون التاريخ؛ استضاف حزب البعث الخميني المنفي؛ لأنه معارض لشاه إيران محمد رضا بهلوي وأسكنه في العراق، وكان الخميني يخطط لثورته من داخل العراق، تلك الثورة التي اكتوى بنار حربها  أهل العراق 8 سنوات، فصدق من قال: يا لغباء القوميين!

وليت الغباء اقتصر على القوميين، بل امتد حتى للإسلاميين، فلا زال الإخوان المسلمون في كل الوطن العربي والعراق يلهثون وراء إيران كبديل إسلامي، بزعم أنها تسعى لتحرير القدس ودعم قضايا الأمة، رغم جرائم إيران والأحزاب الشيعية في العراق وأرض الشام من قتل وإبادة وتهجير، فلا يزال لليوم من هو مفتون بإيران([6])، فمتى نتعظ! واللهُ يعيب ذلك على الكفار والمنافقين بقوله: (أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكّرون) (التوبة/ 126)، فهل أضحى حالنا ما وصف الله سبحانه جلّ وعلا!!

 

واقع العراق الديني في بداية القرن العشرين:

العراق بلد ضعيف دينيا منذ أمد بعيد (أكثر من أربعة قرون) لأسباب عديدة([7])، وازداد الضعف  منذ أواخر الدولة العثمانية؛ فالمدارس الدينية في العراق أصبحت قليلة وشحيحة بخلاف مصر والشام، وحركة التأليف به ضعيفة، إضافة إلى الانقسام المجتمعي بين السنة والشيعة، كل هذه الأمور جعلت الواقع الديني ضعيفا، وزاد الأمر سوءا مع نهايات الدولة العثمانية وظهور القوميين والشيوعيين والعلمانيين وغيرهم ممن كان همّه اللحاق بالنمط الغربي، وكان الدين عند هؤلاء يمثل حالة من التخلف والرجعية لما يرى من انتشار الدجل والشعوذة والخرافة والوثنية التي يأباها العقل السليم بين العامة ورجالات الطرق الصوفية.

وبمرور الزمن انحسر التمسك بالدين أكثر وأكثر وأصبح أتباعه قلة (على الطرفين السني والشيعي) بتأثير موجة الانحلال التي غذاها الاستعمار من جهة وانتشار الفكر الشيوعي الإلحادي، وظهرت حركات قومية مثل حزب البعث والقوميين والناصريين، والأحزاب اليسارية كالحزب الشيوعي، وانتشرت هذه الأحزاب وأثرت على  شريحة الشباب، وأثرت شبهات الإلحاد في الفرد العراقي.

ثم ظهرت حركات إصلاحية إسلامية حاولت إرجاع الناس إلى دينهم، وظهرت على شكل جمعيات وأحزاب؛ كحركة الإخوان المسلمين في الأربعينيات وبعدها حزب التحرير في الخمسينيات، وظهر عند الشيعة حزب الدعوة نهاية الخمسينيات؛ وكان همّ الأحزاب والجمعيات والأفراد الديني مواجهة الخطر الأول وهو خطر الإلحاد وانتشار الشيوعية، وربما رأيت الدعاة السنة والشيعة يطالعون كتبا واحدة غايتها ردّ فكرة الإلحاد، في هذه المرحلة دينيا نسى السنة خطر التشيع، وتوجهت المكونات الدينية الشيعية والحوزة إلى إنقاذ الشيعة من خطر سيطرة الشيوعية على فكر شبابها لاسيما وأن قبول الفكر الشيوعي في المناطق الشيعية كان أكثر من غيرها، وهذا ليس في العراق وحسب بل وفي إيران أيضا (حزب تودة) ولبنان([8]).  

في هذه المرحلة كان هناك صراع عالمي مع الشيوعية على الصعيد الديني والسياسي، ومن هنا كانت مشاركة العراق إبان العهد الملكي في حلف بغداد، لمقاومة الشيوعية.

وشارك العديد من الرؤساء والدول في هذا الصراع؛ فشاه إيران سعى لإبعاد شيعة العالم لاسيما شيعة لبنان عن الشيوعية، فأرسل موسى الصدر إلى لبنان كي يوقف المد الشيوعي داخل الشيعة في جنوب لبنان ولذلك أسس حركة المحرومين ومن ثم حركة أمل، وفي العراق دفع المرجع الشيعي محسن الحكيم الطباطبائي([9]) محمد باقر الصدر كي يؤسس حزب الدعوة، وساعد الحزب الإسلامي (الإخوان المسلمين) على الحصول على الترخيص بعد أن رفضت الحكومة العراقية أن تسمح له بالعمل.

وكان هناك تعاون بين التيارين الشيعي والسني، وبين التيار الديني بعامة والقومي في مواجهة  الشيوعية.

في ذات الوقت كانت التيارات القومية (حزب البعث – الناصرية- التيار القومي) تواجه التيار الديني على أنه تيار متخلف لا يصلح لقيادة نهضة الأمة من جديد، ويرسمون للدين صورة العلمانيين، تجعل منه تراثا قديما للأمة لا علاقة له بالحاضر، وتحصره في مظاهر التعبد وليس كفكر وحياة، صحيح أنهم ضد الإلحاد لكنهم ضد أن يتجاوز الدين أكثر من حيز المسجد والأحوال الشخصية في القانون.

لذا كانت وظيفة الدعاة وأهل العلم ليست بالسهلة في مواجهة التيار الشيوعي والتيار العلماني القومي، وكان الدعاة يسعون لبيان حقيقة الدين الإسلامي الأصيل بعيداً عن الواقع المؤسف والمتمثل في (التصوف والتشيع)، واللذين يمثلان حالة دينية متخلفة من الخرافة والشعوذة والهرطقة، ويقدمان نموذجا للدين يقوم على الانزواء والانطواء عن الحياة، وضرب النفس وتعذيبها، والبكاء على الأموات ولبس السواد والعيش بالماضي دون الحاضر، والتعلق بالقبور، والدجل لأخذ أموال الناس بالباطل، عبر السحر والشعوذة.

وكان الإنتاج الفكري المصري من بحوث ودراسات يمثل زاداً لدعاة العراق جميعا، حتى الشيعة، في مواجهة الإلحاد الشيوعي، حتى اتهم محمد باقر الصدر([10]) من قبل علماء النجف بأنه وهابي؛ لأن أدبيات المفكرين السنة أمثال سيد قطب وأبي الأعلى المودودي وكتابات حزب التحرير هي ما كان يطالعه مؤسسو حزب الدعوة؛ لذا كان الجو وقتها مهيأ لكثير من الشيعة للسماع للسُنة لحاجتهم لذلك لفقر الفكر الشيعي الخرافي من الفكر أصلاً.

بداية تسنن الشيعة:

معلوم لدى جميع الدارسين للشأن العراقي أنّ الدعوة السلفية أصبح لها تجمع ظاهر في العراق في ستينيات القرن الماضي، وقبل هذا التاريخ كانت سمة لأفراد ونخب محدودة، حيث حملها في أواسط الستينيات مجموعة من الشباب المثقف، حيث توزع هؤلاء الشباب بين مجموعة منظمة بشكل سري سُميت فيما بعد من قبل السلطات (جماعة الموحدين)، وجماعات غير منتظمة من أشهرها مجموعة عبد الحميد نادر والشيخ صبحي السامرائي رحمه الله، والتي تبنت الدعوة السلفية في العراق كدعوة إصلاحية تدور فكرتها وخلاصتها على:

(أنّ ثمة انحرافا كبيرا جرى في الأمة الإسلامية، تغيرت فيها كل المفاهيم وعلى رأسها العقيدة، وتعرض التوحيد في الأمة بفعل الخرافة والتصوف وخلال مسيرة قرون طويلة إلى انحراف، والعراق بشقيه الشيعي والسني انحرف بتوحيده بعيدا عن الإسلام، حتى عبد الأولياء وقُدست القبور وطاف الناس بها ونذر لأصحابها، واستغيث بغير الله علنا من غير حياء، وبمباركة علماء من الطرفين (السنة والشيعة)، وكان لا بد أن تعود الأمة إلى نصابها الأصيل بدعوة إلى المنبع الأساس القرآن والسنة) هذه هي خلاصة الدعوة السلفية.

هذه الدعوة التي مارسها هذا النفر القليل، ممن لم يحمل شهادات شرعية أو مشيخية بل كان كلهم تقريبا من حملة شهادات في الطب والهندسة والعلوم، وندر فيهم ذوو الاختصاصات الإنسانية، أصبح هؤلاء يجوبون الآفاق في العراق عامة، وبغداد خاصة ومحافظة الموصل، يدعون في الجامعات والمؤسسات العلمية كل العراقيين (سُنة وشيعة): أن ثمة انحرافا حدث في الأمة لا تقبله النصوص الشرعية ولا العقل، ولم يكن هذا مخططا له من قبل، ولم يتلق أي دعم من الداخل والخارج، وعند هؤلاء، لا فرق في انحراف صدر من سني أو شيعي، فكلهم قد انحرف عن كتاب الله ومضمون وحقيقة التوحيد الذي جاء به الإسلام.

ولم يكن يتوفر لهؤلاء الدعاة الكثير من المصادر والمراجع، وإنما بين أيديهم كتاب الله عز وجل، وبعض التفاسير من أمثال تفسير ابن كثير أو القرطبي، وبعض كتب ابن تيمية وابن القيم والصنعاني والشوكاني، وشروحات الحديث كفتح الباري وشرح النووي على مسلم، وبعض الكتب التي كان يندر وجودها مثل كتاب التوحيد لمحمد بن عبد الوهاب وشرحه (فتح المجيد).

وكان زادُ الداعية العراقي هو كثرة اطلاعاته ودقتها بالنسبة لعامة الناس، وكان الاستشهاد بالقرآن هو الزاد الأساس للدعوة، ومن ثم الحديث الصحيح الثابت، وأصل الدعوة وجوهرها أن الذي عليه الدين اليوم إنما هو دين منحرف عن الطريق السوية التي جاء بها الإسلام.

بدأ الناس شيعةً وسنةً يَقبلون الدعوة للتوحيد، ولكن هذا القبول – والكلام في نهاية عصر الستينيات والسبعينيات- كان نخبوياً ومحدوداً، فلا تزال المساجد خالية خاوية إلا من نفر قليل من كبار السن وثلة من الشباب، فالذي يتحرك في المساجد هم أفراد تنظيم الإخوان المنحل وقلة من السلفيين، ولابد من الإشارة إلى أن دعوة الشيعة كانت تتم في مدينة بغداد وفي محافظتي ديالى والبصرة، وإخوان مدينة بغداد في الغالب عقيدتهم سلفية، خلافا لإخوان الأنبار أو الموصل.

هذه كانت المرحلة الأولى (نهاية الستينيات مع السبعينيات) والتي تنتهي بنهاية جماعة الموحدين وذلك سنة 1979م، عندما اكتشف تنظيمهم وأودعوا في السجون، وحكم عليهم بمدد تتراوح بين سنة وخمس سنين. ومما لايفوتنا ذكره أن حزب الدعوة نشط وتحرك في أواسط السبعينيات.  

مرحلة الثمانينيات:

نشبت الحرب العراقية الإيرانية (1980 – 1988م) وخفت ضغوط حزب البعث على التيار الديني السني، بسبب ظهور حركة مسلحة شيعية عبر أحزاب شيعية تابعة لإيران، والتي هي في حالة حرب مع العراق، وكان الخميني وقتها يهدد ويتوعد العراق، بينما قيادات الشيعة في العراق تبارك ثورته علنا وتبشر بوقاحةٍ بقدومها للعراق، وكان حزب الدعوة يخوض معركة طاحنة مع الحكومة وصلت لإعدام المفكر الشيعي محمد باقر الصدر منظر الحزب، وهروب آلاف الشيعة من حزب الدعوة ومنظمة العمل الإسلامي وغيرهما من الأحزاب الشيعية إلى خارج البلاد.

في هذه الظروف برزت نخب سلفية جديدة من الشباب الجامعي قادت العمل السلفي بشكل هادئ في المساجد، وقادت نشاطا بدأ من الصفر غير مستند على عمل سابق إلا القليل منهم، وتوجه نشاطهم إلى العمل في المدارس الإعدادية والجامعات والأقسام الداخلية لطلاب المحافظات، وحتى داخل صفوف البعثيين أنفسهم؛ لأن الحزب كان يجبر من يريد أن يكون مدرسا أن ينتمي للحزب، ويدخل إلى كليات التربية المغلقة على المنتمين للحزب، وكان أبناء المحافظات (خارج بغداد) لا يبالون بالانتماء للحزب حتى ولو كانوا ملتزمين دينياً بخلاف أهل بغداد.

وكان في العراق تواجد كبير للجالية المصرية، ومن ضمنهم بعض السلفيين الذين ساعدوا بجلب بعض الكتب السلفية من الخارج للعراقيين والتعريف بأحوال الدعوة السلفية المصرية.

خلال الأربع سنوات الأولى من الثمانينيات تولد نشاط سلفي عفوى متميز انتشر في بغداد وضواحيها، وكان يدعو السنة والشيعة للالتزام دون أن يتدخل في الخصوصية الشيعية كصلاة الجماعة مع السنة في مساجدهم أو التكتف (وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة)، أو الصلاة في الحسينيات من عدمها.

كانت دعوة لتصحيح العقائد ينتقد فيها ما يفعل عند الشيخ عبد القادر الكيلاني رحمه الله وما يفعل عند قبر الحسين رضي الله عنه، كان للاحتجاج بالقرآن سحره الذي يجذب الجميع، لنصاعة ووضوح الأدلة، دعوة متوازنة مع الفطرة والعقل يقودها لفيف من المثقفين، دعوة تنادي بالناس: علينا جميعا أن نرتبط بالله دون وساطة من نبي ولا ولي، وأخذت الدعوة تنتشر حتى بين ضباط الجيش، نخص بالذكر الطيارين في القوة الجوية بفعل وجود بعض الدعاة فيها، وتواجد كذلك بين قوات الجيش ضباط وأفراد في جبهات القتال في الحرب العراقية الإيرانية؛ لأن الحرب ساقت طبقة الشباب كلهم إلى الجيش كمجندين.

كان الذي يجذب الناس للدعوة الحقة توافقها مع الفطرة السليمة، هذا ما يحدث اليوم في الأحواز، فمن لم تغيره الأفكار الصوفية والشيعية لتبرير البدع والشركيات أو يخضع لتأثير جو طائفي يصده عن سماع الحجة، فإنه سيقبل الدعوة السليمة؛ ولذا عندما يُترك الفرد الشيعي ليختار فإنه سيختار الأقرب إلى عقله وفطرته.

وهكذا بدأ التحول التدريجي لمذهب أهل السنة دون توجيه أي نقد للمذهب الشيعي من الداخل، والتحول توسع ليشمل عوائل كاملة، وذلك بسبب عرض العقيدة الإسلامية بشكلها البسيط من كتاب الله، وصدق الله سبحانه حين يقول: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر)، فالقرآن هو السحر الذي أثر على كثير من الشيعة أفرادا ونساء ورجالا.

لم يساهم السلفيون وحدهم بهذا الجهد بل كان للإخوان المسلمين مساهمة في هذا المجال لكن بشكل أقل من الجهد السلفي، ويعترف الإخوان أنفسهم أن كتب العقيدة والتوحيد كان لها أثر باهر في التأثير على الشيعة، لبساطتها وسهولتها ولملامستها العقول بشكل يتجانس مع فطرة الإنسان.

حصل التغيير في بغداد وبالدرجة الأولى العاصمة، وجنوب بغداد وشمال الحلة، والبصرة، وديالى.

والحق الذي أريد قوله أن الدعوة السنية بشقيها الإخوان والسلفية لم تكن في البداية موجهة للشيعة لغرض هدايتهم، وإنما وجهت للشيعة كعراقيين مواطنين كان يستهدفهم الداعية في مناطقه أو في جامعته، ثم لابد من ذكر حالة مهمة وهي أن  التغير لم يكن فرديا بل أصبح جماعياً، عائلات تتغير بأكملها نتيجة تأثر أحد أفرادها، وأصبح هناك تغير جذري للفرد الشيعي فأصبح يرتاد المساجد ويصلي الجمعة والجماعات.

 



[1] - من أمثال محمود شكري الألوسي ومحمد سعيد النقشبندي وغيرهما.

[2] - إسحاق النقاش، شيعة العراق، ص 454.

[3] - بشير موسى نافع، العراق سياقات الوحدة والانقسام.

[4] - لى مقال في مجلة الراصد، العدد 120، بعنوان "السلطان عبد الحميد الثاني وموقفه من الشيعة وإيران".

[5] - كان هو الحاكم الفعلي للعراق رغم أن رئيس الدولة الرسمي كان محمد نجيب الربيعي.

[6] - مؤخراً وفي مؤتمر (العالم في ظل الانقلاب عن إرادة الشعوب) الذي انعقد في تركيا، تكلم نائب المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن زكي بنى ارشيد، عن إدارة الخلاف بين المسلمين وختم كلمته ناصحا المسلمين بـ: "تجنب التعصب للرأي أو المذهب أو التنظيم وإدراك أن الاختلاف طبيعة بشرية لم تسلم منه أمة أو مجموعة من الناس، وتجنب فكرة إثارة الصراع الطائفي الذي يقوم على أساس أن إيران هي العدو الأول في المنطقة"، سبحان الله نحن نعاني من فرط غباء الساسة العرب مقابل التخطيط الديني، والآن نواجه غباء الإسلاميين!! وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وصف أهل الحق: (لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم).

[7] - بعد سقوط بغداد على يد التتار (656هـ) بدأ ضعف العراق بعد أن كان عاصمة المسلمين في العلم والدنيا، وانسحب العلم تدريجيا إلى بلاد الشام.

[8] - أشار لذلك محبّ الدين الخطيب في كتابه (الخطوط العريضة).

[9] - كان المرجع محسن الحكيم (رئيس الحوزة، الإيراني الأصل في النجف) دائم التصريح: "إن نظام الشاه هو المدافع الوحيد عن شيعة العالم، وهو حصنهم الحصين والوحيد".

[10] - لا يزال إلى يومنا هذا يتهم ياسر الحبيب محمد باقر الصدر بأنه مات وهابيا. 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: