سطور من الذاكرة\العدد مائة وستة وعشرون - ذي الحجة - 1434 هـ
ولادة الجواد ووفاته تفجّران الخلافات بين الشيعة
الأثنين 7 أكتوبر 2013

 هيثم الكسواني

 

خاص بالراصد

كانت وفاة كل إمامٍ من أئمة الشيعة كفيلة بأن تفَجّر الخلافات بين أتباعهم، وتعصف بهم وبنظريتهم في الإمامة، ذلك أن الشيعة قالوا بأن الإمام ينصّ على الإمام الذي بعده، و(إن الإمام لا يغسّله إلا الإمام)، وإنه هو الذي يُصلي عليه، وهو ما لم يكن يحدث في أكثر الأحيان.

وتعتبر ولادة الجواد (وكذلك إمامته ووفاته) من أكثر المحطات التي اختلف فيها الشيعة حول أئمتهم رغم زعمهم أن الإمام منصوص عليه من الله، وأن منصب الإمامة كالنبوة، بل هو أكبر وأعظم.

من هو الجواد؟

هو محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، (195 - 220هـ) قال فيه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه (منهاج السنة): "إن محمد بن علي الجواد كان من أعيان بني هاشم، وهو معروف بالسخاء والسؤدد، ولهذا سمي الجواد، ومات وهو شاب ابن خمس وعشرين سنة... وكان المأمون زوّجه بابنته، وكان يرسل إليه في السنة ألف ألف درهم، واستقدمه المعتصم إلى بغداد، ومات بها".

والجواد عند الشيعة الإثنى عشرية هو تاسع أئمتهم المعصومين، وكنيته أبو جعفر الثاني، تمييزا عن إمامهم الخامس، أبي جعفر الباقر.

الخلاف منذ الولادة

وبدأت خلافات الشيعة حول الجواد منذ لحظة ولادته، ويبين الباحث الشيعي أحمد الكاتب في كتابه (تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه) أن أهل بيت علي الرضا (والد الجواد والإمام الثامن) شكّوا بصحة نسبة ابنه الجواد إليه لسواد بشرته، ولتأخر والده في الإنجاب، ما جعلهم يلجؤون إلى القافة([1]) لحسم الموضوع.

ثم الإمامة

وعندما بلغ الجواد السابعة من عمره، كان الشيعة على موعد جديد من الخلاف والصراع، فقد توفي علي الرضا في خراسان (إيران حاليا)، بينما ابنه الطفل الصغير في المدينة المنورة، ولم يحدث شيء ممّا ادّعاه الإمامية الإثنا عشرية مِن أن الإمام يغسله الإمام الذي بعده، ويصلي عليه، إضافة إلى أن الجواد آنذاك طفل صغير، لم يكن بمقدوره التصرف بماله، وليس له من الأمر شيء، فكيف يتولى منصبا يعتبره الشيعة أكبر من النبوة؟!

يقول الكاتب: "وبينما كان (الإمامية) يحاولون إثبات إمامة الرضا بالنصوص والمعاجز، توفي الإمام الرضا في خراسان سنة 203هـ وكان ابنه (محمد الجواد) يبلغ من العمر سبع سنين، مما سبب في حدوث أزمة جديدة في صفوف الإمامية، وشكل تحديا كبيرا للنظرية الوليدة، حيث لم يكن يعقل أن ينصب الله تعالى لقيادة المسلمين طفلا صغيرا محجورا عليه لا يحق له التصرف بأمواله الخاصة، غير مكلّف شرعا، ولم تتح له الفرصة للتعلم من أبيه الذي تركه في المدينة وله من العمر أربع سنوات".

ويبين الكاتب أن الشيعة الإمامية افترقت حينها إلى عدة فرق:

1- فرقة عادت إلى الوقف على موسى الكاظم (الإمام السابع) وتراجعت عن إيمانها بإمامة الرضا، ورفضت الاعتراف بإمامة الجواد، قائلة إنّ مَن كان محجورا عليه لصغر سنه وعاجزا عن التحكم بدرهم واحد من ماله الخاص، بطل أن يكون إماماً، لأن الإمام هو الوالي على الخلق في جميع أمور الدين والدنيا، والمأمون على أموال الله تعالى كلها، وعلى الشريعة والأحكام...

2- وفرقة اعتبرت أن الإمام بعد الرضا: أحمد بن موسى (شقيق الإمام الرضا)، قائلين إن الرضا أوصى إليه ونصّ بالإمامة عليه.

3- والتفّ بعض الشيعة حول محمد بن القاسم بن عمر بن علي بن الحسين بن أبي طالب، الذي ثار على الخليفة العباسي، المعتصم بالله، في الطالقان سنة 218هـ.

4- وفرقة قالت بإمامة الجواد، لكنها اضطربت في الإجابة على مشكلتي العمر والعلم، فذهبت تبحث عن أشياء تثبت صحة إمامته، مِنها قولهم: إذا كان الله قد أعطى النبوة ليحيى عليه السلام وهو صبي كما في قوله تعالى (وآتيناه الحكم صبيّا)، فلِم لا يعطي الإمامة للجواد وهو صغير كذلك؟! وهذه الفرقة هي التي عُرفت فيما بعد باسم الإثني عشرية.

والوفاة كذلك

ومثلما فجرت إمامة الجواد الخلافات بين الشيعة، كانت وفاته كذلك، يقول الكاتب: "وقد تكررت مشكلة صغر عمر الإمام الجواد مرّة أخرى مع ابنه علي الهادي، حيث توفي الجواد في مقتبل عمره ولمّا يكمل الخامسة والعشرين، وكان ولداه الوحيدان علي وموسى صغيرين لم يتجاوز أكبرهما السابعة".

واختلف الشيعة واحتاروا في هوية الإمام الجديد، فساق بعضهم الإمامة إلى ابنه علي (الهادي)، في حين اعتبر آخرون أن الإمام هو ابنه الآخر موسى (المبرقع)، يقول الكاتب: "يقصّ علينا الكليني والمفيد ذلك الغموض وتلك الحيرة التي أصابت الشيعة في أمر الإمام بعد الجواد، وعدم معرفة كبار الشيعة بهوية الإمام الجديد، واجتماعهم عند محمد بن الفرج للتفاوض في أمرها، ثم مجيء شخص وإخبارهم بوصية الإمام الجواد له – سرّا- بإمامة ابنه علي الهادي".

وعلى الرغم من هذا الخلاف، ساق تيار من الشيعة (الإثنا عشرية) الإمامةَ إلى علي الهادي([2])، وأصبح عندهم عاشر الأئمة المعصومين، ما عرّض نظرية الإمامة إلى مزيد من التهاوي والسقوط: إذ كيف ينصّب الله طفلا لقيادة المسلمين، في الوقت الذي يُمنع هذا الطفل من التصرف بدرهم من ماله إلى أن يبلغ؟

يقول الكاتب: "ولأن الهادي كان صغيراً عند وفاة الجواد فقد أوصى أبوه بالأموال والضياع والنفقات والرقيق إلى (عبدالله بن المساور) وأمره بتحويلها إلى الهادي عند البلوغ ... وهذا ما دفع الشيعة إلى التساؤل: إذا كان الهادي بنظر أبيه غيرَ قادر على إدارة الأموال والضياع والنفقات لصغره فمَن هو الإمام في تلك الفترة؟ وكيف يقوم بالإمامة طفل صغير؟ وهو سؤال كان قد طرحه البعض عند وفاة الإمام الرضا مِن قبل، وذلك عندما كان الجواد طفلا صغيرا".

 

للاستزادة:

1-  أحمد الكاتب، تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه، عمّان، 1997م.

 



[1]- جمع (قائف)، وهو "من يُحسن معرفةَ الأثر وتتبُّعَه" .وجاء في تعريفه أيضا: "من يعرف نسب الإنسان بفراسته ونظره إلى الأعضاء والذي يعرف الآثار".

[2] - ذكره الإمام ابن كثير في كتابه (البداية والنهاية) في وفيات سنة 254ه، وقال فيه: "وقد كان عابدا زاهدا، نقله المتوكل إلى سامرا، فأقام بها أزيد من عشرين سنة بأشهر، ومات بها في هذه السنة".

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: