لماذا يخشى العراق الضربة العسكرية لسوريا؟
السبت 7 سبتمبر 2013

 

 صباح العجاج – كاتب عراقي

خاص بالراصد

تُحتبس الأنفاس مترقبة تنتظر الضربة العسكرية الغربية ضد نظام بشار الأسد، ويسود القلق والخوف أروقة الأحزاب الشيعية العراقية الحاكمة وغير الحاكمة من تداعيات الهجوم المحتمل على نظام الأسد الحليف الاستراتيجي لإيران؛ فهناك تسابق في إعلان النخب الشيعية العراقية رفضها الهجوم على نظام الأسد، ويحث رئيسُ الحكومة نوري المالكي وزيرَ خارجيته هوشيار زيباري على تعطيل أي موقف عربي لإدانة جريمة النظام السوري باستخدام الأسلحة الكيماوية، وإعطاء غطاء سياسي للضربة الغربية، رغم أنّ الأحزاب الشيعية وصلت إلى السلطة بعد غزو العراق وضربه من قبل أمريكا وإطاحتها بصدام حسين.

وتخشى عدّة أطراف سياسية شيعية من تداعيات الضربة العسكرية على السلطة القائمة في بغداد، فلماذا هذه الخشية؟؟

مصادر الخشية العراقية:

معلوم لدى الجميع أنّ العراق يُحكم من قبل الأحزاب الشيعية، وبالتحديد من مكون معين من الأحزاب الدينية الشيعية (حزب الدعوة/ نوري المالكي) والذي استأثر وسيطر بالحكم دون بقية الأحزاب الشيعية.

في الوقت ذاته أصبحت الهيمنة الإيرانية داخل العراق قوية بحيث لا تستطيع أي حكومة شيعية عراقية - أيّا كان انتماؤها - من التحرر والتخلص أو التملص من هذه الهيمنة، رغم أنّ الحكومة الشيعية كانت تريد وترغب في أن تبني علاقة صداقة ومعاونة مع إيران لا علاقة تبعية؛ لأنّ الشيعة العراقيين يشعرون أنهم يمتلكون بلدا غنياً، ولا حاجة لهم بإيران، وأن العديد من الاتجاهات الشيعية كانت لها رغبة بعلاقة شيعية أمريكية، وليست شيعية إيرانية إلا أنّ إيران ترفض ذلك وتصر على تبعية شيعية خالصة لها بحكم نظرية (ولاية الفقيه).

أما الخشية من الضربة السورية فهي مصلحة مشتركة بين الطرف الشيعي العراقي الحاكم وغير الحاكم، والطرف الإيراني.

الجانب العراقي؛ شيعة السلطة وغيرهم: هذا الفريق يخشى من تَبدّل الموازين في المنطقة، وأن يخسر حليفا قويا (سوريا) طالما آواه ودعمه خلال فترة المعارضة في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، فقد تواجدت الأحزاب الشيعة بوفرة في سوريا وتحت رعاية أجهزة مخابراتها.  

كما تمثل سوريا فضاء تتحرك فيه الشخصيات والأحزاب الشيعية العراقية بكل أريحية وحرية، فخسارة سوريا خسارة حليف مهم للشيعة.

في ذات الوقت يمتلك هذا الحليف (سوريا) علاقات جيدة بالأحزاب الشيعية اللبنانية (حزب الله وأمل) وهناك علاقة استشارة وملجأ وعلاقات فساد اقتصادي كبيرة بين كل الأحزاب الشيعية العراقية واللبنانية، فلبنان مأوى لكل السياسيين الشيعة، ومن خلاله يتم تهريب أموال الفساد العراقي إلى داخل لبنان ومنه يتم غسيل الأموال أو نقلها إلى بنوك أخرى، وسوريا ممر آمن ووسيط جيد بين لبنان والعراق.

كل هذه الأمور ستُفقَد في حالة زوال النظام السوري العلوي، وستنقلب الآية، وستكون الشام مأوى للسُنة العراقيين وملجأ وعمقا لهم. وسيكون هناك أرضية لتواجد المعارضة السنية وغيرها ضد النظام العراقي الشيعي، وكل هذا يشكل خطراً على الحكومة الشيعية.

وكذلك تمثل سوريا عمقا لكل المحافظات السُنيّة في العراق، فحدود المحافظات السُنية (نينوى والأنبار) هي حدود العراق مع سوريا، وبقية المحافظات العراقية (صلاح الدين وديالى وكركوك وبغداد) ملتصقة بهذه المحافظات السنية فهي تشكل ديمغرافية سُنية خطرة، تقف بموازاة الامتداد الشيعي للجنوب مع إيران.

من ناحية أخرى ستجد المقاومة العراقية - وهي مقاومة سُنية بامتياز([1]) - ملجأ جديداً داخل سوريا بوضع جديد مختلف عما سبق إذْ أن أي خطر سيواجه سنة العراق فإن المقاومة ستجد أرضاً وفضاء تتحرك بها وتخطط منها، وحاضنة ترحب بها؛ لأنّ منْ مصلحة سوريا الجديدة وجود سُني قوي، وإضعاف الوجود الشيعي في العراق.

كما سيكون لسيناريو الإقليم السُني (المحافظات السُنية) أرضية للعمل بصورة جيدة وبدعم من قبل سوريا أو مباركة غير مُعلنة، ليكون حاجزاً بينها وبين الحكومة العراقية الشيعية وإيران. كما أنّ هناك مصالح اقتصادية بين العراق وسوريا وستكون بشكل أكثر وأكبر بينها وبين المحافظات السُنية.

وأهم من ذلك كله أن هناك وفرة تسلّح كبيرة داخل سوريا ستتيح للمقاومة العراقية الشريفة سهولة العمل داخل العراق؛ لأنها مصلحة مشتركة (عراقية سورية).

حركة استباقية للحكومة العراقية:

منذ أشهر وقلق المسؤولين العراقيين من الوضع في سوريا يتزايد، ومع سيطرة الثوار السوريين على منطقة اللاذقية مُقتربة من قرى مدينة القرداحة (بلدة بشار الأسد) حتى دقَّ ناقوس الخطر في سوريا وإيران والعراق، ومع أخبار تدفق أسلحة نوعية للثوار ازداد الأمر وتفاقم برأي هؤلاء الذين أحسوا بتغير الأوضاع وضعف النظام برغم حجم الدعم الكبير من حزب الله وميليشيات عراقية (ميليشيا أبي الفضل العباس) وغيرها، مع الحدث الأهم وهو محاولة اغتيال بشار يوم عيد الفطر.

عندها جرت حركة استباقية قوية في العراق؛ محطة ومسرح التحركات الإيرانية؛ فازدادت ضربات وانفجارات السيارات المفخخة في العراق بشكل غير طبيعي، تضرب مناطق سُنية تارة وأخرى شيعية بشكل عشوائي بلا هدف سوى إثارة الفوضى والقتل والدم، وجرت حادثة سجن أبو غريب وفرار قيادات القاعدة منه.

زامن ذلك تدهور الأوضاع في مدينة الموصل بشكل واضح، وشَلّت القاعدة حركة المدينة وسيطرت على جوانب مهمة منها مع وجود قوات كبيرة من الجيش الشيعي فيها، هذا العمل المفبرك والمرسوم بدقّة من قبل إيران بالتعاون مع بعض القوى الأمنية العراقية أدى إلى إطلاق عملية من قبل الحكومة العراقية للسيطرة على حزام مدينة بغداد السُني، مدعية أنه مصدر هجمات القاعدة على مدينة بغداد وغيرها، أسمتها (ثأر الشهداء) اعتقلت به مئات من السُنة بدعوى الإرهاب!

تزامن هذا مع عملية هروب سفّاك دماء السنة، قائد الفرقة 17 في الجيش العراقي، ناصر غنام  هو وعدد من الضباط والجنود (وصل العدد إلى 500 عسكري) بأمر منه بحجّة فشل عملية حماية سجن أبي غريب إلى خارج العراق مهربا كما كبيرا من الأموال معه، وذاهبا إلى الأردن - مصر ومنها إلى سويسرا. وهروبه مُفبرك كي لا يتعرض للمساءلة من قبل أحد من النواب أو المسؤولين ويكشف الأمر، ولتضيع حقيقة وفضيحة  تهريب السجناء.

أما عملية ثأر الشهداء فهي حركة استباقية لاعتقال أكبر عدد من السنة النشطين؛ ممن له علاقة بالمجاهدين والمقاومين العراقيين أو من الذين يممكن أن يتحركوا مستقبلا، تحسباً لأي انعكاسات جديدة بعد سقوط بشار.  

الجانب الإيراني:

أمّا بالنسبة لإيران فسوريا لها شأن مختلف؛ ففقدان سوريا هو كسر لهلالها الذي عملت سنين طويلة لصناعته، وصرفت أموالا طائلة على ذلك، منذ زمن حافظ الأب إلى الابن بشار الذي أصبح رهينة بيد إيران كما يقال، وكان مخطط إيران كبيرا؛ فقد كانت تخطط على أن تنشئ الهلال الشيعي الذي يمتد من إيران - العراق - سوريا – لبنان؛ ليكون هو البداية للدولة الإسلامية الشيعية العظمى التي ستتحقق عام 1450هـ كما وعد بذلك آية الله مطهراني عام 1400هـ؛ لذلك سترمي إيران بقضّها وقضيضها لتنقذ سوريا إلى آخر رمق للنظام([2]). وستدفع حكومة العراق وحزب الله بكل جهدهما العسكري والمادي لإنقاذ بشار ونظامه.

لقد كانت سوريا بشّار، جزءا من المخطط الذي تمارسه المخابرات الإيرانية لشراء أصوات السُنة وشيوخ العشائر السنية العراقية وذممهم برواتب وهبات ونساء، بديلا عن سفرهم المباشر إلى إيران وافتضاحهم، كما كان لتواجد المقاومة العراقية في سوريا – مضطرة- معرفة بتفاصيل التحركات المقاومة السُنية لإيران، وبدلا من الامتداد الشيعي الإيراني العراقي السوري اللبناني، سيُكسر الهلال ويتولد امتداد وتعاون جديد: سوري – تركي- سنة العراق ( محور سني قوي)، سيكون شوكة لإضعاف العلاقة الشيعية (اللبنانية والعراقية) ويؤدي إلى تقلّص الوجود الشيعي. وهذه حسابات يفهمها من يعمل في الإستراتيجية والأمن القومي للبلاد الذي لم يعد في حدود الدول كما كان التفكير سابقاً.

وستفضح الوثائق التي سيُعثر على بقاياها بعد ذهاب النظام السوري عن علاقات مخيفة بين إيران وسوريا من جهة، وسوريا والعراق الشيعي الجديد، وسوريا وحزب الله. عندها سيكتشف الجميع كم كان أثر الثورة السورية عظيماً في العالم الإسلامي مهما كان نوع النظام الجديد في سوريا، وسيغبط كل من دعم هذه الثورة بمال أو سلاح أو كلام، بعظيم الأثر على الأمة قاطبة، ويتحسّر من خذل هذه الثورة أو صرف الناس لغيرها من الثورات لغايات ورؤى حزبية ضيقة، أو لم يحسب لها حسابها، وقد تُبلى المليحة بالطلاق!

وستعود سوريا داعماً للسُنّة العراقيين ولكل الوطنيين الشرفاء في العراق؛ لأنه من مصلحتها وأمنها القومي، بعد أن كانت داعمة للأحزاب الشيعية، كما أنّ من مصلحة الطرفين (العراقي والسوري) توجّه المال العراقي وأثرياء العراق للاستثمار داخل سوريا؛ فسوريا بعد التحرر من نظام سوريا العلوي الشيعي سترحب بأي استثمار سُني عربي، وستكون سوريا بحاجة إلى إعمار البلد بعد أنْ دمّرته حروب السنين الثلاث، وستكون سوريا الجديدة باقتصاد حر مفتوح منافساً للبنان؛ لذلك فإن توفير بيئة آمنة جيدة مطلوب من حكومة سوريا الجديدة؛ لأن رأس المال جبان؛ وستسعى إسرائيل وإيران والحكومة العراقية (الشيعية) وربّما غيرها منْ دول الغرب ومن يعينهم إلى جعل سوريا أرضا قلقة غير مستقرة مُنشغلة بذاتها غير قادرة على دعم غيرها.

التطرف دائما حاضر لحل مشاكل الخصوم:

 منذ معركة القُصير ونحن نسمع من حسن نصر الله نغمة جديدة وهي أنّه يقاتل التكفيريين والقاعدة، ثم ارتفعت هذه النغمة في العراق كذلك، وأصبح سيناريو هروب المساجين من القاعدة من السجون في عدة دول، وانشغل العالم بأفريقيا والقرن الأفريقي واليمن، وسيناء والشام والعراق بتحرك كبير للقاعدة، وتكونت دولة الإسلام في العراق والشام، وكما ذكرنا انتشرت القاعدة في الموصل، بشكل غير مسبوق وتواردت الأخبار عن مقر في العراق للمتطرفين ينفذ عمليات داخل سوريا ويهرب للعراق فأين الجيش العراقي؟ ولماذا أقام الجيش العراقي الدنيا عندما اقترب الجيش السوري الحر وبعض الفصائل السورية من الحدود العراقية السورية، ولماذا الحدود مستباحة لهؤلاء فقط؟ حتى غدت لهم مقرات كبيرة في العراق. إن الجماعات التكفيرية كانت عن قريب (قبل الحراك السوري) مسرحها داخل سوريا ومنها تنطلق للعراق وصِلتها بالأجهزة الأمنية السورية معروفة.

اليوم بسهولة ويسر تحولوا إلى مقاومة، ولو لم يوجد هؤلاء المتطرفون في سوريا لأوجدها الأسد واخترعها فهي واجهة مهمة في تشويه الثورة المدنية والنبيلة لأطفال درعا، ويصدّق ذلك ما فعلته هذه الجماعات في العراق من تنشيط لهم وإحداث تفجيرات تخلخل الأمن، حتى أعلنت السفارة الأمريكية مغادرتها للمنطقة الخضراء، كل ذلك برر للحكومة انتشار أمنيا غير مسبوق لتبرير كثير من التحركات الأمنية، وكان من أشهرها تحرك قوات إيرانية (عشرة آلاف إيراني) بملابس جنود عراقيين، من منطقة جنوب الثرثار متوجهة إلى الحدود السورية العراقية جنوب محافظة نينوى ثم تبعها بعد 20 يوما قوات من منطقة النخيب، والتي تم السيطرة عليها من قبل جنود عراقيين وإيرانيين، للتوجه إلى الحدود الأردنية العراقية.

بعد الضربة الكيماوية المفجعة التي أودت بحياة 1500 بريء ومدني سوري في الغوطة. هذه قراءة للأحداث وتحركات الحكومة العراقية قبيل الضربة الأمريكية المنتظرة لسوريا.



[1] - صدر بيان من المقاومة الإسلامية (حزب الله) في العراق وفيه تهديد بضرب المصالح الأمريكية بالمنطقة في حال توجية ضربة عسكرية لسوريا، ومعلوم للجميع أن الشيعة لم يكن لهم أي مقاومة للمحتل الأمريكي طوال فترة احتلاله للعراق.

[2] - هذا ليس أمرا مكتشفا بل هو مكتوب منذ سنين، ومتوفر للجميع فعجبا للرئيس المصري السابق مرسي- فكّ الله أسره - عندما صرح في زيارته لطهران بتاريخ 30/8/2012م، أن إيران ليست جزءا من المشكلة بل هي جزء من الحل، ودعا إلى أن تكون إيران في اللجنة الرباعية لحل الأزمة السورية.  

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: