سطور من الذاكرة\العدد مائة وخمسة وعشرون - ذو القعدة - 1434 هـ
بين غلام الخلال والخلاني
السبت 7 سبتمبر 2013

 هيثم الكسوانيكاتب أردني

 

خاص بالراصد

على الرغم من التشابه الكبير الذي يبدو في كتابة كل من اسمي "الخلال" و"الخلاني"، إلاّ أن ما يفرقهما أكثر بكثير مما يجمعهما، بل إن بين الشخصين بُعد الثرى عن الثريا، فالأول هو الفقيه السني الحنبلي المعروف أبو بكر عبد العزيز بن جعفر بن أحمد، الذي كان غلاما للخلال، أبرز تلاميذ الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله، وقد ذكره الإمام ابن كثير في كتابه (البداية والنهاية) في وفيات سنة 363هـ، فقال: (الفقيه الحنبلي، المعروف بغلام الخلال، أحد مشاهير الحنابلة الأعيان، وممّن صنف وجمع وناظر، وسمع الحديث عن أبي القاسم البغوي وطبقته، وكان عمره يوم توفي فوق الثمانين. قال ابن الجوزي: وله "المقنع" في مائة جزء، و"الشافي" في ثمانين جزءا، و"زاد المسافر"، و"الخلاف مع الشافعي"، وكتاب "القولين"، و"مختصر السنة"، وغير ذلك في التفسير والأصول).

أما "الخلاني" فهو اللقب الذي اشتهر به ثاني سفراء المهدي المنتظر عند الشيعة الإثنى عشرية، واسمه: محمد بن عثمان بن سعيد العمري (توفي: 305هـ)، وهو أحد أربعة أشخاص من الشيعة ادّعوا أنهم ينوبون عن المهدي خلال غيبته الصغرى التي امتدت حوالي 70 سنة (260 - 329هـ)، وكانوا يدّعون مشاهدته واللقاء به، وإيصال الأموال إليه، ونقل الرسائل و(التواقيع) منه إلى المؤمنين به.

ويقول الشيعة إن تسميته بالخلاني نسبةً إلى بيعه الخَلّ؛ أو لأنه كان لا يحقد على الناس فهو خلٌّ وفيّ. ويقولون أيضا إنه صار سفيرا أو نائبا للمهدي بإيعاز منه بعد وفاة والده (السفير الأول). وللخلاني (وكذلك بقية السفراء) مكانة عظيمة عند الشيعة، الذين يزورون قبورهم بكثير من التعظيم والإجلال، وقد جعلوا لها طقوسا معينة، وأذكارا يقرؤونها، فصّلها بعض علمائهم كالطوسي في كتابه (تهذيب الأحكام) وابن طاووس في (مصباح الزائر).

ويعتبر قبر الخلاني من أهم مزارات الشيعة في العاصمة بغداد، وقد اعتنوا به عناية فائقة، لكن ما نريد أن نسلط عليه الضوء في هذه السطور هو أن هذا المقام الذي يجلّه الشيعة إجلالا عظيما هو في الحقيقة قبر غلام الخلال، وقد استولى عليه الشيعة وعلى الجامع في الخمسينيات من القرن الماضي إبّان الحكم الملكي للعراق !!

وقبر الخلال، الواقع في مقبرة الفيل، هو نقطة في بحر المساجد والأوقاف والمعالم السنية التي استولى عليها الشيعة في العراق، خاصة بعد سيطرتهم على حكم العراق في أعقاب الاحتلال الأمريكي لهذا البلد سنة 2003م. وهو يعكس جزءا من نفسيتهم الإقصائية، ورغبتهم الجامحة بتشييع العراق (وبغداد خاصة) وإزالة أي أثر لأهل السنة فيهما.

ويقع القبر المنسوب للخلاني في شارع الجمهورية قرب الباب الشرقي من بغداد، مِن جانب الرصافة، وقد كان المؤرخون والباحثون (وبعضهم شيعة) يشيرون إليه باسم قبر الخلال، ومنهم المؤرخ الشيعي المعروف الدكتور مصطفى جواد، الذي يبين أن الخليفة العباسي، الطائع لله (363هـ-381هـ) استحدث بابا جديدا لدار الخلافة في بغداد هو (باب الخاصة) وكان الباب يطل على دار الفيل وباب مكواذي واتخذ عليه منظرة واتفق أن كان الطائع يوما في هذه المنظرة فجوزت عليه جنازة أبي بكر غلام الخلال، فرأى الطائع فيها ما أعجبه فتقدم بدفنه في ذلك البراح الذي تجاه المنظرة وجعل دار الفيل وقفا عليه([1]).

ومما يؤيد ذلك أن مقبرة الفيل التي يقع فيها القبر هي مقبرة سنية للحنابلة، لا يُعقل أن يُدفن الخلاني بينهم، وتقع المقبرة في محلة باب الشيخ عبدالقادر الجيلي (الكيلاني)، الذي يقع قبره بالقرب من قبر الخلال، والرصافة كما هو معروف منطقة سنية في حين أن شيخ الشيعة عبّاس القمّي في كتابه (الكنى والألقاب) يقول: "قال بعض فضلاء الكرخ والزوراء إنه لقب بالخلاني نسبة إلى بيعه الخل...". والشاهد في كلام القمي أن الخلاني كان في الكرخ (المنطقة الشيعية) وليس في الرصافة.

  وممن أشار إلى اسم الخلال لا الخلاني: ابن الدبيثي في ترجمة عبد الله بن صالح الأنباري المتوفى سنة 591هـ، حيث ذكر بأنه دُفن بباب الأزج بمقبرة الخلال، وتعرف بمقبرة "الفيل" وذلك في كتابه (المختصر المحتاج اليه، تحقيق مصطفى جواد، بغداد 1963م).

ومنهم: المؤرخ المعروف أحمد سوسة، في خارطة رسمها لمدينة بغداد، وبيّن معالمها التاريخية المعاصرة، وقد أشار بوضوح إلى الموقع، وسماه (جماع الخلال)([2]).

إضافة إلى بعض الكتاب المعاصرين ممن لهم عناية بالتاريخ ومنهم: الباحث المؤرخ سامي ندا جاسم الدوري، في مقاله "نظرات الاعتدال في الصحابة والآل"، وهو منشور في شبكة الإنترنت.

وقد حاول بعض علماء أهل السنة إعادة المسجد المغتصَب إلى حاضنته السُّنّية، ومِن هؤلاء: الشيخ صبحي السامرائي رحمه الله، لكن الموقف الحكومي آنذاك لم يكن مؤيداً لهذا التوجّه([3]).

 



[1] - بغداد بين الأمس واليوم، جمال بابان، موقع صوت العراق، 16/11/2009، على الرابط:

 http://www.sotaliraq.com/articlesiraq.php?id=52299#ixzz2bFSV8Ldd

[2] - الدليل الجغرافي في العراق، الدكتور أحمد سوسة، طباعة دائرة المساحة، سنة 1960م.

[3] - مقال: جهود الشيخ المحدّث صبحي السامرائي رحمه الله في مقاومة التشيع في العراق، عبد العزيز بن صالح المحمود وعبد الله بن عبد اللطيف الكرخي، على الرابط:

   http://www.alrased.net/main/articles.aspx?selected_article_no=6297

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: