فرق ومذاهب\العدد مائة وخمسة وعشرون - ذو القعدة - 1434 هـ
سلسلة رموز الإصلاح 17– الإمام المجاهد محمد رشيد رضا (1282/ 1354هـ - 1865/ 1935م)
السبت 7 سبتمبر 2013

 

 أسامة شحادة – كاتب أردني

 

 

 

خاص بالراصد

تمهيد:

يكاد العلامة رشيد رضا يكون نقطة انطلاق الصحوة السلفية والإسلامية العامة التي نعيشها في عالمنا المعاصر، فعلى امتداد 40 سنة كان مصدر الإشعاع والتوجيه لمختلف أقطار الأمة الإسلامية من خلال منبر مجلته المنار.

وقد كان محمد عبده يرى فيه الأمل لقيادة الإصلاح بين المسلمين فقال فيه:

فيا رب إن قدرت رجعي قريبة                       إلى عالم الأرواح وانفض خاتم

فبارك على الإسلام وارزقه مرشداً           (رشيدا) يضيء النهج والليل قائم

أما العلامة المحدث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني فيقول عن الدور المركزي لرشيد رضا: (السيد محمد رشيد رضا - رحمه الله- له فضل كبير على العالم الإسلامي، بصورة عامة، وعلى السلفيين منهم بصورة خاصة، ويعود ذلك إلى كونه من الدعاة النادرين الذين نشروا المنهج السلفي في سائر أنحاء العالم بوساطة مجلته المنار،..). ويقول أيضاً: (فإذا كان من الحق أن يعترف أهل الفضل بالفضل لذوي الفضل، فأجد نفسي بهذه المناسبة الطيبة مسجلاً هذه الكلمة، ليطلع عليها من بَلغته، فإنني بفضل الله عز وجل، بما أنا فيه من الاتجاه إلى السلفية أولاً وإلى تمييز الأحاديث الضعيفة والصحيحة ثانياً يعود الفضل الأول في ذلك إلى السيد رضا رحمه الله عن طريق أعداد مجلته المنار التي وقفت عليها في أول اشتغالي بطلب العلم). [حياة الألباني وآثاره وثناء العلماء عليه: 1/ 400].

أما العلامة ابن عثيمين فيقول عن موسوعية رشيد رضا: (ولا ريب أن العلماء، علماء الشريعة، عندهم علم في الاقتصاد وفي السياسة، وفي كل ما يحتاجون إليه في العلوم الشرعية، وإذا شئت أن تعرف ما قلته فانظر إلى محمد رشيد رضا رحمه الله صاحب مجلة المنار في تفسيره وفي غيرها من كتبه) [ موقع الشيخ، كتاب العلم، سؤال رقم 75].

 

مولده ونشأته:

ولد إمامنا في قرية القلمون، على شاطئ البحر الأبيض المتوسط من جبل لبنان، والتي تبعد عن مدينة طرابلس الشام بنحو ثلاثة أميال، وذلك في27  جمادى الأولى1282 هـ، 23 سبتمبر  1865م، والقلمون جميع أهلها في الأصل من السادة الأشراف، وكانت عائلته عائلة متدينة عرفت بالعلم والرياسة والإرشاد، فجده الثالث بنى مسجد القرية وتولى أعمال الإمامة والخطابة والتدريس، ووالده "علي رضا" كان شيخًا للقلمون وإمامًا لمسجدها.

وقد كان منزلهم مقصد الحكام والعلماء والوجهاء والأعيان حتى من غير المسلمين، وقد أثر هذا في رشيد رضا بحسن تعامله مع طبقة الأعيان ومخاطبة غير المسلمين والتعامل معهم بما يحقق الوفاق.

تعلم في كُتاب القلمون قراءة القرآن والخط وقواعد والحساب، ثم انتقل إلى المدرسة الرشيدية الابتدائية بطرابلس، فتعلم الصرف والنحو والحساب ومبادئ الجغرافيا وعلم العقيدة والفقه، لكنه لم يستمر فيها إلا سنة واحدة لأنها كانت تعلم بالتركية، ثم التحق سنة 1299هـ/ 1882م بالمدرسة الوطنية الإسلامية بطرابلس التي أسسها وأدارها الشيخ حسين الجسر، الذي يعد أستاذه الأول، وكانت المدرسة تهتم بتدريس اللغة العربية والعلوم العربية والشرعية والمنطق والرياضيات والفلسفة الطبيعية، ولأن الحكومة العثمانية لم تعترف بها مدرسة دينية يعفى طلبتها من التجنيد، فقد أغلقت أبوابها وتفرق طلبتها بسبب جهل الحكومة وقصر نظرها!

بدايته في طلب العلم:

وحين أُغلقت المدرسة، توثقت صلة رشيد رضا بشيخه الجسر، واتصل بحلقاته ودروسه، حيث أحاط الشيخ الجسر "رشيد رضا" برعايته، وكان رشيد لا يهتم بالحفظ للجزئيات، ويركز على فهم الأمور والتعبير عنها بطريقته فنبغ ولم يكن يكرر المحفوظات كالببغاء ما يلقن دون فهم كغالب الطلاب، ثم أجازه شيخه الجسر سنة1897 م لتدريس العلوم الشرعية والعقلية والعربية، وفي الوقت نفسه درس "رشيد رضا" علم الحديث على يد الشيخ "محمود نشابة" وأجازه أيضًا لرواية الحديث، كما واظب على حضور دروس نفر من علماء طرابلس مثل: الشيخ عبد الغني الرافعي، ومحمد القاوقجي، ومحمد الحسيني، وغيرهم.

وقد كان لهؤلاء المدرسين بالغ الأثر على نشأة رشيد رضا العلمية والإصلاحية، فهم علماء أجلاء درس معظمهم في الأزهر سنوات طويلة، ولم يكونوا كعامة الأزهريين بل تبنوا توسيع دائرة العلم فلم يرفضوا العلوم الحديثة بل نشروها بين الطلبة، ولم يشجعوا البدع والخرافات، ولهم ملاحظات ومؤاخذات على مزالق التصوف، وكان لهم عناية بعلم الحديث النبوي، ومن هنا جاءت عناية رشيد رضا بالسنة والبحث في أسانيد الأحاديث ورفض الضعيف والموضوعات منها.

قال رشيد في رثاء شيخه محمود نشابة (ت 1308هـ/1890م):

من كان عن خشية لله منكسراً        ولا عن رفعة للناس جانبه

من أحيت السنة الغرا مآثره            وأفنت البدعة السودا قواضبه

والقواضب هي الأسنان!

وقال في رثاء شيخه عبد الغني الرافعي (ت 1308هـ/ 1890م):

لهفي ولهف جميع المسلمين على     محيي الشريعة رب الفضل والفضلا

من أيد السنة الغرا بحكمته الـ         مثلى وللبدعة العمياء قد خذلا

وتسخير الله عز وجل هؤلاء العلماء الأجلاء هو من العناية الربانية برشيد رضا، ومن نتائج هذه الرعاية الربانية تخلصه من التقليد والتعصب المذهبي إذ أنه درس في هذه المرحلة المبكرة من عمره جزءاً من نيل الأوطار للشوكاني على شيخه عبدالغني الرافعي، ودرس الحديث والمصطلح على المحدث محمد القاوقجي ثم اقتنى مبكراً كتاب شرح إحياء علوم الدين بسبب تخريجه أحاديث الإحياء! فأصبح رشيد لا يحتج بحديث إلا كتب معه تخريجه، ثم ترقى فلم يعد يقبل أي تصحيح للحديث يشك فيه إلا أن ينظر في سنده، ولذلك كان الفتى رشيد رضا أول من استحضر كتاب ميزان الاعتدال من الهند لطرابلس!

وقد نفع هذا كله رشيد رضا، فرغم تعلقه بالتصوف مطلع حياته على الطريقة الشاذلية ثم دخوله في الطريقة النقشبندية إلا أن توفيق الله له بالعلم والعقل الذي تميز به جعلاه ينتفع من التصوف بكثرة الذكر والطاعة ولا يقبل الخرافات والكرامات المزعومة والبدع الدخيلة، ولذلك ذهب مرة لرؤية حضرة الطريقة المولوية، فلما بدأ الغلمان المردان يرقصون على نغمات الناي رقصة المروحة ويمرون من أمام شيخهم فيركعون له، تعجب رشيد رضا وسأل عن حقيقة ما يجري، فقيل له: هذا ذكر طريقة مولانا جلال الدين الرومي.

فلم يملك نفسه فوقف وصاح بأعلى صوته بما معناه: أيها المسلمون إن هذا منكر لا يجوز النظر إليه ولا السكوت عليه، لأنه إقرار له وإنه يصدق على مقترفيه قوله تعالى "اتخذوا دينهم هزواً ولعباً"، وإننى قد أديت الواجب علي فاخرجوا يرحمكم الله. ومن هنا تكونت شخصية رشيد رضا الصلبة في قول الحق والصدع به والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.  

بدايته في التعليم والدعوة

ومع اجتهاده في التعلم والمطالعة كان رشيد رضا يباشر التعليم والوعظ في قريته القلمون، فقد كان يدرّس في المسجد، ويدرّس في المقهي، بطريقة سهلة بعيدة عن السجع المعتاد، وإنما كانت دروسه آيات من القرآن الكريم يشرحها ويبسطها للناس، وهذا أكسبه خبرة عملية ونظرية بخصوص التربية والتعليم انعكست إيجابياً على مسيرته الإصلاحية، وكانت له دروس للنساء في بيوتهن يعلمهن فيها الفقه والعقيدة.

وبسبب مطالعته لكتاب (الزواجر عن اقتراف الكبائر) لابن حجر الهيتمي أبطل كثيراً من العادات السيئة والتصرفات غير الشرعية كوضع الشموع على قبر بعض العلماء مع ربط ذلك بخرق فيها حاجات وطلبات، وكانت هناك شجرة يتبرك بها الجهلة فأمر رجلا بقلعها ليلاً!! ويقول عن نفسه: "كل هذا قد كان مني وأنا طالب للعلم، ولم أكن رأيت شيئاً من كتب الإمام المجدد شيخ الإسلام ابن تيمية ولا كتب تلميذه المحقق ابن القيم، بل كنت رأيت طعن ابن حجر هذا عليه في كتابه الفتاوى الحديثية وكنت أصدق ما فيها، ثم رأيت في طرابلس كتاب (جلاء العينين في محاكمة الأحمدين) ... فعلمت منه أن طبقة ابن تيمية أعلى من طبقة ابن حجر الهيتمي، ... أما الوهابية فلم أكن أعرف عنهم شيئاً، إنما كنت أسمع من الناس أنهم مبتدعة ... وأول كلمة حق وقفت عليها في شأنهم لعلماء سورية كلمة مفتي بيروت العلامة الشيخ عبد الباسط الفاخوري في كتابه (تحفة الأنام مختصر تاريخ الإسلام) وإنما عرفت تاريخهم بالتفصيل في مصر". 

ولم يكتف الشيخ رضا بمن يحضر دروسه في المسجد، بل كان يذهب هو إلى الناس في تجمعاتهم في المقاهي التي اعتادوا على الجلوس فيها لشرب القهوة والنارجيلة ولم يخجل من جلوسه معهم ووعظهم وحثهم على الصلاة، وقد أثمرت هذه السياسة المبتكرة بإقبال كثير منهم على أداء الفروض والالتزام بالشرع والتوبة والإقبال على الله، كما بعث إلى نساء القرية من يدعوهن إلى درس خاص بهن، وجعل مقر التدريس في دار الأسرة، وألقى عليهن دروسًا في الطهارة والعبادات والأخلاق، وشيئًا من العقائد بأسلوب سهل يسير.

وفي هذه المرحلة أيضاً اتصل رشيد رضا ببعض رجال الحكم من خلال والده ومن خلال شيوخه، فقد كان من المعتاد حضور رجال الحكومة لبيتهم لما لوالده من مكانة، ولكن رشيد لم يكن يعجبه تصرفاتهم من لبس ساعات الذهب وما شابه ذلك فكان ينصحهم، ومن هنا تفتح وعي رشيد رضا على أن الإصلاح والدعوة لا يقتصران على العامة بل يشملان الحكام أيضاً.

تعرفه على مجلة العروة الوثقي

حين بلغ رشيد رضا العشرين عمره، سنة 1302هـ، تعرف على جريدة العروة الوثقى التي كان يصدرها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده من باريس، وذلك من خلال بعض المصريين المنفيين على يد الإنجليز عقب ثورة عرابي باشا في مصر، يقول رشيد: "إننى لا أزال أتذكر أنه كان بدارنا في القلمون بجوار طرابلس الشام (في سنة 1302هـ) ضيوف من المصريين المنفيين بسبب الحوادث العرابية، فجاءت جريدة العروة الوثقى مساء، فأخذها الأستاذ الشيخ محمد عبد الجواد القاياتي ... وأنشأ يقرؤها بصوت جهوري كأنه خطيب ... ولم أكن في ذلك الوقت أعنى بشيء من مثل هذا، بل كانت تلك السنة هي السنة الثانية لاشتغالي بطلب العلم".

ثم بعد مدة وقع رشيد رضا على أعداد منها بين أوراق أبيه "فطفقت أقرأها المرة بعد المرة، وهي تفعل في نفسي فعلها، تهدم وتبني وتعد وتمني، وما كان وعدها إلا حقا ولا تمنيتها إلا رجاء وأملا، أحدثت اصلاحا وعملا، فكانت هي أستاذي الثاني الذي أثر في نفسي، وأقيم عليه بناء عملي وأملي، وأما الأستاذ الأول فهو كتاب إحياء العلوم"، ثم أخذ رشيد يبحث عن بقية أعدادها حتى وجدها كاملة عند شيخه الجسر فنسخها كاملة "فكان كل عدد منها كسلك من الكهرباء اتصل بي فأحدث في نفسي من الهزة والانفعال والحرارة والاشتعال، ما قذف بي من طور إلى طور".     

فكان للعروة الوثقى تأثير كبير على رشيد رضا في مجالات متعددة، من أولها تغير أسلوبه في الحديث والكتابة والخروج عن طريقة مقامات الحريري السائدة في عصره، ثم وجهته للإصلاح العام وعدم التقوقع على حارة ومسجد أو حتى قرية ومدينة! وعرف منها أسباب فساد حال الأمة من خلال العقائد الفاسدة كالجبر والتواكل والبدع الشائعة والجهل المنتشر، ودلته على طريق الإصلاح بالعلم واطراح البدع والتمسك بالأصول في الكتاب والسنة. وعرف منها ضرورة وحدة المسلمين وتقوية دولة الخلافة وإصلاحها لتصمد في وجه المطامع الأوروبية الاستعمارية.

ويلخص رشيد رضا أثر العروة الوثقى عليه فيقول: "وأحدث لي هذا الفهم الجديد في الإسلام رأيًا فوق الذي كنت أراه في إرشاد المسلمين، فقد كان همي قبل ذلك محصورًا في تصحيح عقائد المسلمين، ونهيهم عن المحرمات، وحثهم على الطاعات، وتزهيدهم في الدنيا، فتعلقت نفسي بعد ذلك بوجوب إرشاد المسلمين عامة إلى المدنية، والمحافظة على ملكهم، ومباراة الأمم العزيزة في العلوم والفنون والصناعات، فطفقت استعد لذلك استعدادًا...".

وأصبح رشيد رضا في شوق عظيم للتواصل مع الأفغاني وعبده مباشرة وليس عبر صفحات العروة الوثقى، وفعلا تهيأت الفرصة باستقرار محمد عبده في بيروت عقب إغلاق العروة الوثقي خمس سنوات، وأصبح رشيد يتابع أخبار محمد عبده وإصلاحه من خلال التدريس بالمدرسة السلطانية هناك، ولما جاء عبده لزيارة طرابلس التقى به رشيد رضا وبعض الطلبة، وظل رضا يستفيد من عبده من خلال متابعة كتبه وخاصة ترجمته لكتاب الأفغاني (الرد على الدهريين).

ومن تأثير العروة الوثقى على رضا أنه بدأ يكتب في الصحافة خاصة بعد أن أسسس شيخه حسين الجسر جريدة طرابلس، وأصبح مقال رشيد رضا من أهم المقالات فيها، لما فيه من قوة وجدة وتأثر بأفكار الأفغاني وعبده.

ومن تأثير الأفغاني وعبده على رشيد رضا أنه قام بتأليف كتاب سماه "الحكمة الشرعية في محاكمة القادرية والرفاعية" ردا على كتب أبي الهدى الصيادي الصوفي، مستشار السلطان عبدالحميد، التي نشرها الصيادي في كل البلاد ليمجد فيها نفسه وأهله وطريقته وملأها بكراماته وفضله على أقطاب الصوفية، ولم ينشر رضا هذا الكتاب الذي بلغ مجلدا كبيرا ويعد باكورة أعماله، وان كان نشر بعض أجزائه في السنة الأولى من المنار، وبقي هذا الكتاب كأصل لمنهج الإصلاح الذي سار عليه رضا.    

وبعد سنوات التقى رشيد رضا بمحمد عبده في طرابلس سنة 1312هـ/ 1894م حين جاء إلى سورية سائحاً وزار طرابلس فذهب رشيد وقابله، ولازمه مدة بقائه فيها.

وبقي التواصل قائما بينهما بعد عودة عبده لمصر، وهنا أصبح رشيد يأمل أن يتصل بالأفغاني أيضاً فأرسل رسالة له في الآستانة (اسطنبول) مع أعز أصدقائه، وقد أعجب الأفغاني بها وشكره عليها لكنه كان موضوعا تحت الإقامة الجبرية نوعا ما فلم يستطع تلبية دعوته لزيارته، ولما ضيقت السلطات العثمانية على الأفغاني جاهر رشيد رضا بحبه واعتزازه بالأفغاني.  

ولقد كان رشيد رضا يدرك أن الأفغاني وعبده قد اختلفت بهما السبل بعد إغلاق العروة الوثقى، فآثر الأفغاني الطريق السياسي الأسرع والأسهل، واختار عبده الطريق التعليمي التربوي الأثبت والأدوم.

ولما بلغه رضا خبر وفاة الأفغاني وتضييق الخناق على إصلاحه في سوريا جراء تعنت السلطات، كان لابد من الخروج إلى مصر لجوار أستاذه محمد عبده ليواصل مسيرة الإصلاح التي آمن بها، فخرج هارباً متخفياً حتى لا تمنعه السلطات العثمانية.  

رشيد رضا في مصر وإنشاء مجلة المنار

دخل رشيد رضا مصر سنة 1315هـ/ 1898م، وكان عمره 33 سنة وقد اكتملت رجولته وظهرت شخصيته العلمية والفكرية المستقلة، ويمكن أن نقول إن رشيد جاء إلى مصر سلفياً، وإن كانت سلفيته تعمقت بمصر بسبب توفر الكتب السلفية والسلفيين أكثر من طرابلس، يقول رشيد: "فعُلم مما تقدم أنني جئت مصر مستعداً لهذا الإصلاح كأنني خلقت وتعلمت وربيت لأجله". 

وكان رشيد قد عزم على إنشاء مجلة فكرية إصلاحية تواصل مسيرة العروة الوثقى، وبعد عدة أشهر من وصوله ولقائه بعبده فاتحه في الأمر، وكان عبده غير متحمس للفكرة ويرى أنها لن تنجح، لكن إصرار رضا وإعلانه عن استعداده لتحمل نفقات سنة أو سنتين دون ربح شجع عبده على الموافقة، وقد اشترط رضا على عبده شرطاً للعلاقة بينهما، هو: "أن أسأل عن حكمة ما لا أعقله، ولا أقبل إلا ما أفهمه، ولا أفعل إلا ما اعتقد فائدته"، وهذا يؤكد استقلالية رضا وتميزه برغم حبه لعبده واحترامه البالغ له.

وبالمقابل وجه عبده لرضا ثلاثة توجيهات في إدارة المنار هي: ألا تتحزب لحزب، ألا ترد على انتقادات الصحف الأخرى لها، ألا تخدم أفكار أحد من الكبراء. وهذا يدل على الوعي المبكر بحاجة الإصلاح للاستقلال وعدم التبعية للساسة والتجار!! لأن الوضع الصحيح تبعية هؤلاء والعامة للمصلحين.

وفعلا صدر العدد الأول من المنار في 20 شوال 1315هـ - 17/3/1898م، لتبدأ مشوار نشر الوعي والمعرفة ومحاربة الجهل والخرافة والبدع، وإرشاد المسلمين لطرق التربية والإصلاح.

وبعد عدة أعداد نصح عبده رضا بعدم الصراحة التامة حتى لا يكثر خصومه، والبعد عن غريب اللغة والحرص على سهولة العبارة لتتسع مساحة المستفيدين من المنار ولا يقتصر على الخواص، والبعد عن الخوض في نقد سياسة الدولة العثمانية.

ورغم أن عبده هو أستاذ رضا الذي نهل من مقالاته وأحاديثه، إلا أن المنار كانت مقالات رضا وفكره، ولما ظن بعض الناس أن عبده هو الكاتب الحقيقي للمنار، أعلن رضا عن خطأ ذلك بوضوح وقال: "كل ما ينشر في المنار غير معزو إلى أحد فهو لصاحب المنار فكراً وعبارة"، وحتى التفسير الذي نشر في المنار، كان رشيد يحضر الدرس ويكتب فيه بعض المذكرات بأهم ما قاله عبده، ثم يبيضها ويضيف إليها ما يراه مناسباً، ويطلع عبده عليها فربما نقح بإضافة أو حذف لكلمة، قال رضا: "ولا أذكر أنه انتقد شيئاً، بل كان راضياً بالمكتوب بل معجباً به. على أنه لم يكن كله نقلاً عنه ومعزواً إليه، بل كان تفسيراً للكاتب من إنشائه، اقتبس فيه من تلك الدروس العالية جل ما استفاده منها. وبعد أن توفاه الله تعالى، صرت أرى من الأمانة أن لا أعزو إليه إلا ما كتبته عنه أو حفظته حفظاً"، ويؤكد هذا استمرار رضا بالتفسير بعد عبده 30 سنة.

وما أن ظهرت المنار ووصلت أخبارها للدولة العثمانية، وخاصة الشيخ أبو الهدي الصيادي، حتى أوعز بمنعها ومصادرتها من البريد، وفعلا جمع العدد الثانى وأحرق، ومن ثم قام بالتضييق على عائلة رضا واضطهادهم لإرغامه على إيقاف المنار، وكلفوا والده بالسفر إليه في مصر لإقناعه بإيقاف المجلة!

وكما حصل مع العلامة الألوسي في العراق، حاول الصيادي إغراء رضا بالمناصب والتكريم إذا قدم عليه بالأستانة، ولكن رشيد رضا رفض هذه الإغراءات، فكانت النتيجة أن هاجم أعوان الصيادي أسرته بالقلمون، فضربوا أخوه ليلا، وانتزعوا المسجد منهم، وحرّضوا علماء طرابلس على مهاجمة المنار في الصحف، وأرسلوا لمصر من سرق كل ما في مكتب المنار!

وبقي هذا العداء من السلطات العثمانية للمنار مستمراً، وفي السنة الثامنة للمجلة روجوا إشاعة أن والد رشيد يتآمر مع عبده لإنشاء دولة عربية مستقلة، وتم لذلك تفتيش البيوت، وأخذ الناس يحرقون كتبهم وأوراقهم التي قد تضرهم عند السلطات، فأحرقت عشرات الألوف من المجلدات، هكذا كانت أحوال خاتمة الدولة العثمانية!

وتم محاصرة منزل والد رشيد وسجن أولاده، ورفضت السلطات أن تحضر أولاده لرؤية والدهم ووداعه وهو يحتضر، وعلق على ذلك رضا بقوله: "تدل ببأسها وشدتها، وتمثل قوة الخلافة الحميدية وعظمتها، ليعرف الشيخ المحتضر عجزه عن تأسيس خلافة عربية في قرية القلمون".

ثم حين تضايق حكام مصر من رشيد رضا والمنار بسبب إصراره على الإصلاح ووفائه لأستاذه محمد عبده حتى بعد وفاته، لجأوا إلى الإيعاز لوزارة الداخلية أن رشيد رضا مطلوب للتجنيد العسكري في الدولة العثمانية بحسب مخاطبات رسمية وصلتهم منها، فأظهر لهم رضا أنه حائز على الإعفاء من التجنيد أصلاً، وثانيا أنه قد تجاوز سن التجنيد! وهذا جزء من معاناة رضا في سبيل نشر الإصلاح، رحمه الله.

ولكن هذا لم يفت في عضد رضا بل زاده إصرارا على الإصلاح، ولم يثنه عن عزمه أيضا زهد البعض بالمنار في البداية بل كان متأكدا أنهم سيعودون إلى المنار طال الزمن أو قصر، وفعلاً، بعد عدة سنوات أصبح الكثيرون يبحثون عن الأعداد الأولى للمنار والتي احتفظ بها رضا لسنوات، ولما نفدت أعاد طبع بعض الأعداد لتلبية الطلب عليها، وقد وصلت المنار أصقاع الدنيا كلها، حيث وصلت روسيا وسنغافورة وأندونيسيا شرقا، والأرجنتين غرباً! وحين زار عبده تونس والجزائر دهش من قوة تأثير المنار هناك حتى أصبح فيهما جماعة وحزب وأصدقاء لعبده ورشيد يحملون همّ الإصلاح والإرشاد.

بقيت المنار تصدر لمدة 37 عاماً، في 35 مجلدا، وقد صدر العدد الأخير في 29 ربيع الآخر 1354هـ - 30/7/1935م، أي في العام الذي توفي فيه رضا، وقد صدرت في المجلد الأول بشكل أسبوعي بواقع 8 صفحات، ومن المجلد الثاني حتى التاسع أصبحت نصف شهرية كل عدد يحتوي على 40 صفحة، ومنذ عام 1906م حتى توقفها أصبحت شهرية بواقع 80 صفحة، لكن من عام 1915م أصبحت سنة المنار 10 أعداد فقط بسبب ظروف الحرب العالمية الأولى، ثم استمرت على ذلك، وتعرضت لبعض الانقطاعات بسبب سفر رشيد، أو خلل في المواعيد بسبب العجز المالي وأزمات شح الورق.

لقد كانت المنار حلم وأمنية ورسالة رشيد في الحياة، قال عنها: "إننى لم أنشئ المنار ابتغاء ثروة أنالها ولا رتبة من أمير أو سلطان أتجمل بها، ولا جاه عند العامة أو الخاصة أباهي به الأقران، وأبارى به أعلياء الشأن، بل لأنه فرض من الفروض يرجى النفع من إقامته وتأثم الأمة كلها بتركه".

قال أحد المستشرقين عن أثر المنار: "لم يشرق منار القاهرة على المصريين وحدهم، ولكنه أشرق على العرب في بلادهم وفي خارجها، وعلى مسلمي أرخبيل الملايو..."، وقال شكيب أرسلان عن عظم جهد رضا: "انصرف رشيد رضا بكليته إلى أعمال القلم، وصار يكتب في الساعات ما لا يقدر أن يسدده غيره في الأسابيع ... كان إذا أمسك بالقلم تدفق نحواً وصرفاً وبياناً وبديعاً وفقهاً وحديثاً وتفسيراً وتوحيداً وفروعاً وأصولاً وكل ذلك في نسق واحد".

ومن الطرائف التي تكشف عن دور رشيد رضا والمنار في ذلك الزمان، ما روي عن والدته أنها رأته يوما حزيناً، فسألته: هل مات أحد من المسلمين في الصين؟ وذلك تعبيراً عن مساحة همّه واهتمامه بشؤون الإسلام والمسلمين.

ولذلك أصبح رضا مقصد الباحثين والمستشرقين والجمعيات العلمية تمنحه عضويتها وتتشرف بمراسلته ودعوته.

جوانب الإصلاح في مسيرة رشيد رضا

من الصعب جداً في صفحات قليلة أن نوجز الجهود العظيمة التي استغرق رشيد رضا في إنجازها 35 سنة من عمره، ولتشعب وتعدد هذه المجالات سنقتصر على أبرزها.

1- الإصلاح الديني: وهو يشمل نقد الأوضاع القائمة في سلوكيات العوام والعلماء وتقديم البدائل الصحيحة، وقد كانت غالب مقالات ودروس رشيد رضا تصب في هذا الاتجاه، وكذلك كتبه واقتراحاته لإصلاح الأزهر، كانت تهدف لتغيير نمط التدريس ورفع سوية المقررات، وتنظيم شؤون الأزهر المالية وتجديد العلوم التي تدرس به وضخ دماء جديدة بين المعلمين، وتفعيل دور الطلبة بالوعظ في الإجازات الصيفية في القرى والنجوع، وفصل هذا في كتابه (المنار والأزهر).

وكان للطرق الصوفية النصيب الأكبر من نقده وخاصة الشعائر الجماعية التي ترسخ الجهل والتواكل وتنتشر فيها الفواحش والمنكرات كالموالد والحضرات.

ودعا رضا للاجتهاد ونبذ التقليد الذي كان يعتبره سبب لجوء بعض الحكام لتحكيم غير الشريعة بسبب جمود بعض الفقهاء ورفضهم للاجتهاد في مستجدات العصر، فلجأ الحكام لاستيراد القوانين الوضعية، وكان باب الفتاوى في المنار نموذجاً للتحرر الفقهي والتطبيق العملي للفقه المقارن وفقه الدليل وفتح باب الاجتهاد المعاصر.

ونصر رشيد رضا منهج السلف بكل وضوح ومن ذلك قوله: "وكنا نظن في أوائل الطلب أن مذهب السلف ضعيف، وأنهم لم يؤولوا كما أول الخلف، لأنهم لم يبلغوا مبلغهم من العلم والفهم، لا سيما الحنابلة أو بعضهم، ولما تغلغلنا في علم الكلام وظفرنا بعد النظر في الكتب التي هي منتهى فلسفة الأشاعرة بالكتب التي تبين مذهب السلف حق البيان لا سيما كتب ابن تيمية علمنا علم اليقين أن مذهب السلف هو الحق الذي ليس وراءه غاية ولا مطلب، وأن كل ما خالفه فهو ظنون وأوهام لا تغني من الحق شيئاً".

وقد لقيت دعوته هذه قبولا، فيقول: "ونحمد الله تعالى أن رأينا تأثيرا كبيراً لدعوتنا المسلمين لهداية الكتاب والسنة فصار يوجد في مصر وغيرها ألوف من الناس على هذه الهداية، ومنهم الدعاة إليها وأولو الجمعيات التي أسست للتعاون على نشرها، على تفاوت بينهم في العلم بها، وجهل بعضهم أصل هذه الدعوة ومن جدد نشرها".

ونشر رشيد رضا علم السنة بأبحاثه في مجلة المنار ولو كانت فائدة هذه الأبحاث فقط استفادة الشيخ الألبانى منها وتوجهه لطلب علم الحديث حتى صار من أعلامه الكبار في تاريخ الأمة لكفى رشيد رضا فضلاً.

2- الإصلاح التعليمي: استفاد رشيد رضا من تجربة الأفغاني وعبده بأهمية دور التعليم في نشر الإصلاح وترسيخه في الأمة، ولذلك كان دائم التفكير - بعد إصدار المنار- في إنشاء مدرسة أهلية مستقلة تستقطب نجباء الطلبة من بلاد المسلمين وتعلمهم وتربيهم ليكونوا رسل الإصلاح ودعاة الإرشاد، وكانت الفكرة عند رشيد منذ فتوته: "كنت في أيام طلبي للعلم في طرابلس الشام أتردد بعد الخروج من المدرسة إلى مكتبة المبشرين الأميركانيين، أقرأ جريدتهم الدينية وبعض كتبهم ورسائلهم، وأجادل قسوسهم ومعلميهم، وأتمنى لو كان للمسلمين جمعية كجمعيتهم، ومدارس كمدارسهم، ولما هاجرت إلى مصر وأنشأت المنار قويت عندي هذه الفكرة".

وكان رشيد يعتبر هذا المشروع أكبر أهدافه في الحياة لأنه يجمع شمل المسلمين على اختلاف عرقياتهم، ويعمل على تكوين قادة ودعاة تنير عقولهم العلوم النافعة والتربية الصالحة، وقد بدأ تنفيذ الحلم سنة 1323هـ بمقال في المنار بالدعوة إلى تأسيس جمعية الدعوة التي ستؤسس مدرسة لتخريج الدعاة، وفعلا استجاب عدد من الفضلاء للفكرة وعقدت عدة اجتماعات.

ثم طرح مصطفى كامل فكرة إنشاء الجامعة المصرية وحصلت العسرة المالية في مصر فتوقفت الفكرة، لكن رشيد لم ييأس. وفي سنة 1327هـ/ 1909م سافر رضا للآستانة بعد الانقلاب على السلطان عبد الحميد، وعرض فكرة إنشاء جمعية ومدرسة الدعوة والإرشاد على رئيس الوزراء حسين حلمي، الذي وعده بتقديم المساعدة، لكن سرعان ما تغيرت الوزارة وجاء إبراهيم حقي.

ولكن قام في وجه رشيد رضا ملاحدة من جماعة حزب الاتحاد والترقي فعطلوا الفكرة، ثم حاولوا الالتفاف على الفكرة فعرضوا على رشيد أن يؤسس المدرسة باسمه ولاحقا يمنح رخصة الجمعية، فرفض رشيد حتى لا تكون المدرسة لورثته وهو يريدها للأمة، وفي هذا دلالة على وعي رشيد بأهمية الدور المؤسس للأعمال الإصلاحية وأن لا تبقى محصورة في أشخاص.

ثم تقرر إنشاء جمعية العلم والإرشاد، وحذفت الدعوة والتبشير من أهدافها، وتم اقتصار غايتها على دعوة المسلمين فقط، برغم أن من دواعي تأسيس المدرسة تهيئة دعاة مؤهلين لدعوة غير المسلمين، ووافق رشيد على ذلك، واختير عدد من الفضلاء لتأسيس الجمعية، ثم حين طالب رشيد بصرف الدعم المالي الذي وعدوا به، جاء الرد باشتراط وضع المدرسة تحت إدارة ومسؤولية شيخ الإسلام، فلم يقبل أعضاء الجمعية بذلك، وكان رشيد يدرك أن هذه المدرسة لا يصلح أن تدار بروح الإدارة الحكومية التي تنتج موظفين، لا دعاة ومرشدين مخلصين، فعاد لمصر بعد سنة كاملة حاول فيها دون جدوى.

وعاد رشيد لمصر ليواصل الحلم، وفعلا في سنة 1328هـ/ 1910م تأسست جمعية الدعوة والإرشاد، وباشرت التأسيس لإنشاء مدرستها والتي افتتحت في سنة 1330هـ/ 1912م، ووضع رشيد رضا نظامها الإداري ومنهجها التعليمي، ونصت في نظامها على الغايات التالية:

* مقصد هذه الجماعة إنشاء مدرسة كلية باسم (دار الدعوة والإرشاد) في مصر القاهرة؛ لتخريج علماء مرشدين قادرين على الدعوة إلى الإسلام والدفاع عنه، والإرشاد الصحيح، وإرسالهم إلى البلاد الشديدة الحاجة إليهم على قاعدة تقديم الأهم على المهم.

* يرسل الدعاة إلى البلاد الوثنية والكتابية التي فيها حرية دينية، ولا يرسلون إلى بلاد الإسلام إلا حيث يُدعى المسلمون جهرًا إلى ترك دينهم والدخول في غيره، مع عدم وجود علماء مرشدين يدفعون الشبهات عن الإسلام ويبينون حقيقته لأهله.

* لا تشتغل هذه الجماعة بالسياسة مطلقًا، لا بالسياسة المصرية، ولا بسياسة الدولة العثمانية، ولا بسياسة غيرها من الدول.

وواضح من غايات الجمعية/ المدرسة الوعي المبكر بضرورة فصل العمل الدعوي والتعليمي عن العمل السياسي، خاصة وأن المسلمين واقعون تحت الاحتلال، ولذلك فمن المصلحة والحكمة رعاية وحماية الدعوة والتعليم من الإيقاف والتعطيل.

وقد قام بالتدريس فيها نخبة من المدرسين الذين غدوا من العلماء والمصلحين، ومنهم: الشيخ حامد الفقي، والشيخ محمد عبدالرزاق حمزة، والعلامة محب الدين الخطيب، وممن تعلم في هذه المدرسة: الحاج أمين الحسينى مفتي فلسطين، وكان فيها طلبة متنوعون أتراك وشركس وهنود وجاويون وغيرهم، ومع وقوع الحرب العالمية الأولى اضطربت الأحوال وتوقفت الهبات والإعانات، وللأسف توقفت المدرسة في عام 1333هـ /1914م، واستمر رشيد رضا في طريق الإصلاح بالمنار والمحاضرات ومتابعة الشؤون العامة، ولكن بقيت للجمعية أثار كبيرة من خلال المدرسين الذين تفرقوا في البلاد وحاولوا اعادة التجربة بشكل أو أخر أو من خلال الطلبة الذين أصبحوا قادة في بلادهم ومجتمعاتهم مثل الحاج أمين الحسيني الذي قاد ثورة الشعب الفلسطيني ضد بريطانيا واليهود.

ومن الإصلاح التعليمي لرشيد رضا أنه ساهم في وضع مناهج مدرسية لعدد من المدارس في الكويت والبحرين والهند، وذلك من خلال رحلاته وزياراته.

3- الإصلاح المؤسساتى: كان رشيد رضا يدرك أهمية إنشاء الجمعيات وأنها تجمع الطاقات وتعظمها وتكسبها الاستمرارية، وأنها سبيل نهضة الأمة، فيقول عن دور الجمعيات في تربية الأمة ونهضتها: "وإنما يقوم بذلك على الوجه النافع خيار الأمة ديناً وعقلاً وأدباً بتأليف الجمعيات الخيرية والعلمية، فإن لم يوجد من هؤلاء من يقوم بهذا العمل على وجهه بالتعاون، فإن الأمة تظل مذبذبة لا يستقيم لها أمر ولا يتم فيها إصلاح".

وكان يسعى لتكوين الجمعيات المتخصصة، فجمعيات تعليمية وجمعيات سياسية وجمعيات اقتصادية، وهكذا، فيقول: "وزماننا هذا زمان الجماعات العلمية والأدبية والسياسية، والشركات الزراعية والصناعية والتجارية".

وكان رضا يعرف أن المنار مبادرة فردية تنتهي بحياته، وأن المهم هو وجود مؤسسات لا ترتبط بحياة أصحابها وتستمر في حمل الدعوة والإصلاح، ولذلك حين صدرت مجلة نور الإسلام التابعة للأزهر بشكل رسمي، قرضها في المنار وتمنى "أن تكون خيراً من المنار في خدمة الإسلام لما يرجى من دوامها بكونها لمصلحة إسلامية غنية لا شخص قد تموت بموته". وفعلا كان لرشيد دور مركزي في إنشاء الجمعيات في مختلف البلدان الإسلامية وفي مختلف المجالات.

4- الإصلاح السياسي: مارس رشيد الرضا السياسة بكافة أشكالها ومواقعها، المعارضة والحزب والنيابة والمسؤولية السياسية والعلاقة مع الحكام والتفاوض مع الأشقاء والتحالف مع المختلفين ومخاطبة قادة الاحتلال ولقاء الساسة في أوروبا.

وهذا باب واسع يحتاج إلى كتاب مستقل لمعرفة تفاصيله ولعله أكثر ما كتب عنه وركز على هذا المجال، ولم يقتصر إصلاحه السياسى على الممارسة بل شمل التنظير لرؤية شرعية سياسية معاصرة فصلها في كتابه (الخلافة) والعديد من المقالات في المنار، وأيضاً كانت له مواقف وتحليلات سياسية مبكرة في غاية الدقة والخطورة، فهو أول من حذر من المشروع الصهيوني الزاحف لاحتلال فلسطين عقب مؤتمر بال الصهيونى سنة 1897م، ففي مقال له سنة 1910م يقول عن اليهود: "هدفهم أن يملكوا بيت المقدس وما حوله ليقيموا فيه ملك إسرائيل".

ومن قبل كان أول من تصدى لطلائع العلمانية وفصل الدين عن الدولة ورد على مقالاتهم ودعاياتهم من سنة 1899م، ومما يؤكد هذا العمق السياسي عنده شهادة ابن عمه عبدالرحمن عاصم - الذي لازمه سنوات طويلة جداً كمساعد وسكرتير-: "كان السيد يدرك من أسرار السياسة وغوامضها ما يقصر عنه كثيرون من المشتغلين بها".

وفاته:

عاش رشيد رضا 70 عاما قضى أكثر من 50 سنة منها في الدعوة للإصلاح العام والاهتمام بشؤون المسلمين، ومات وهو يؤدى مهمته في الدعوة والإرشاد والنصح للمسلمين، فقد توفي في حادث سيارة وهو عائد من وداع ولي العهد السعودي في مدينة السويس بعد أن اجتمع به وتباحثا في شؤون المسلمين، وذلك سنة 1354ه/1935م.

ولعل من أفضل ما قيل في حق رشيد رضا على الأمة ما قاله محب الدين الخطيب: "إن السيد رشيد رضا رغم ذيوع اسمه، وطول اتصاله بالجماعات والحوادث والصحافة، كان في علمه وفضله أعمق غوراً من أن يعرفه أكثر الناس كما هو في الحقيقة، وإن الذين عرفوا جوانبه العامرة بالفضل والسبق والتفوق قليلون جداً، ولو أن هذا الرجل الراحل كفي إدارة أعماله كلها وانقطع للتأليف والتدوين وكان في أمة تعرف كيف تستفيد من رجالها في حياتهم لكان أعظم إنتاجاً من أكبر الرجال الذين يشار إليهم بالبنان في الأمم الأخرى".

 

مراجع للتوسع:

- سيرته الذاتية في كتابه (المنار والأزهر).

- رشيد رضا الإمام المجاهد، د. إبراهيم أحمد العدوي، المؤسسة المصرية العامة، 1964م.

- من أعلام الإحياء الإسلامي، د. محمد عمارة، مكتبة الشروق الدولية، ط 1، 2006م.

- السيد محمد رشيد رضا إصلاحاته الاجتماعية والدينية، د. محمد درنيقة، مؤسسة الرسالة، ط1، 1986م.

- الإمام محمد رشيد رضا في ميادين المواجهة، فيصل بن عبد العزيز السدحان، مكتبة أهل الأثر، ط1، 2011م.  

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: