"حزب الله" في سوريا.. الخسارة والدوافع والمستقبل
الخميس 11 يوليو 2013

 

 

 أسامة الهتيمي – كاتب مصري

 

 

خاص بالراصد

قبل أن يكمل عامه الثلاثين، كتب حزب الله اللبناني الذي تأسس عام 1985م شهادة وفاته بيديه بعد أن انتحر علانية بإطلاق رصاصة على هالته وأكذوبته التي طالما خدع بها الملايين من البشر إذ وعندما اعترف حزب الله الذي يسيطر على حكومة تسيير الأعمال الضعيفة في لبنان علنا بأنه أرسل مقاتلين من عناصره إلى سوريا لمساندة القوات النظامية التابعة للرئيس السوري بشار الأسد في حربه الضروس ضد مقاتلي المعارضة السورية ثم تعهد بعدها بدعم نظام الأسد بكل ما لديه من قوة فإن ذلك في الحقيقة مثّل نقطة فارقة في تاريخ وعمر هذا الحزب الذي حاول ولنحو عامين تقريبا أن يتظاهر بكونه محايدا غير منحاز فيما يخص الثورة السورية وهو الادعاء الذي ربما كان يحفظ للحزب وحتى وقت قريب بعضا من ماء وجهه وشعبيته التي استمدها باعتباره رمزا لمقاومة الكيان الصهيوني في مرحلة زمنية تخلّت فيها أغلب الأطراف المعنية عن المقاومة والصمود.

لكن يبدو أن حزب الله وقادته لم يستطيعوا – بكل أسف -  الصبر كثيرا على التجمل والادعاء فلم تكن لتمر سبعة أعوام على ذكرى ذلك الانتصار المزعوم الذي ادّعى أنه حققه في معركته مع القوات الصهيونية فيما عُرف بحرب "تموز 2006م" والذي كان دافعا ومحفزا في ذات الوقت لأن تخرج الملايين من الجماهير في أغلب البلدان العربية والإسلامية السنية في الساحات والميادين تعلن وتؤكد دعمها وتأييدها للحزب ولأمينه العام السيد حسن نصر الله غاضة الطرف عن الدعاية المضادة له حتى أبت الأقدار وأبى الحزب ذاته إلا أن يكشف عن نفسه على حقيقتها ويحسم بسلوكه الأخير والمشين ذلك الجدل الدائر حوله وحول طبيعته ومدى نبل وصدق أهدافه لصالح ذلك الفريق الذي كان وما زال يرى أن "حزب الله" حزب طائفي يتشدق بالمقاومة ضد الكيان الصهيوني وأن دعمه لبعض فصائل المقاومة الفلسطينية ليس إلا من باب الخداع واستقطاب الجماهير العربية والإسلامية التي افترضت بدءا حسن النية، فيما هو يتستر خلف ذلك بالعمل على تحقيق مآرب وأهداف أخرى لا تخرج جميعها عن الطائفية والتمكين للمشروع الإيراني الشيعي في المنطقة.

سبع سنوات فقط أصبحت هي التي تفصل بين قمة صعود حزب الله وبين قمة انحداره إلى القاع بل والموت سريريا .. سبع سنوات فقط هي التي فصلت بين النظرة الشعبية – التي استظلت بالسذاجة والطيبة - له باعتباره نموذجا مشرفا للمقاومة والدفاع عن شرف الأمة وكرامتها وتحرير أرضها من المغتصب وما بين تنامي رغبة الكثيرين في الانتقام من رجاله والثأر من عناصره لدماء الأبرياء من السوريين الذين لقوا حتفهم جراء رصاص قواته بعدما حول الحزب بين ليلة وضحاها اتجاه سلاحه من صدور العدو الصهيوني إلى صدور أبناء الأمة من السوريين الذين هبوا في ثورتهم الشعبية المجيدة ضد نظام بشار الأسد المستبد ليكونوا مثلهم مثل كثير من الشعوب العربية المنتفضة لنيل الحرية.

 

بين المكسب والخسارة 

لقد كانت كل الدلائل والأحداث تؤكد أن حزب الله – ربما - لم يخسر بالفعل على مستوى القوة والنفوذ السياسي، فعلى مستوى القوة تمكّن الحزب خلال السنوات التالية على الحرب من أن يعوّض وعبر داعميه الأساسيين (الدولة الإيرانية ونظام بشار الأسد) الكثير من الأسلحة والعتاد التي فقدها في معركة تموز 2006م وهو ما جعله أكثر قوة مما كان عليه قبل الحرب مع ارتفاع شديد للحالة المعنوية لقادته وجنوده في ظل اعتقاد بأن الحزب خرج من هذه الحرب منتصرا.

وعلى المستوى السياسي تمكن الحزب أيضا من أن يصبح القائم على حكومة تسيير الأعمال في لبنان على الرغم من تلك المعارك السياسية الشرسة التي قادتها الأحزاب المنضوية تحت تيار 14 آذار في مواجهته وهو بذلك حقق لنفسه وجودا سياسيا تمكن من خلاله أن يخفف من ضغوطات الدولة اللبنانية على الحزب باعتباره دولة داخل الدولة فضلا عن امتصاص حالة الاستياء العارمة تجاهه بعدما وجهت له العديد من الأطراف في داخل لبنان وخارجه الاتهام بالمسئولية عن اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري.

لكن لا شك أن الحزب وبعد انجراره للحرب في سوريا قد خسر خسارة فادحة على المستوى الشعبي والجماهيري، فالجميع لا يمكنه أن ينسى تلك الجموع الجامعة التي خرجت في أغلب البلدان العربية تهتف باسم حزب الله وتدعو الحكام والأنظمة إلى مساندته في حربه ضد الصهاينة، ولا يمكن للذاكرة أن تنسى أيضا صور حسن نصر الله التي ملأت الشوارع وشرفات المنازل ومؤخرات السيارات احتفاءً به وتقديرا له باعتباره رجل العرب الأول الذي قال للكيان الصهيوني "لا".

 بل ولا يمكن أن ينسى العرب والمسلمون تلك المعارك الجدلية والنقاشات الحامية التي دارت بين معسكرين من العلماء والمشايخ والدعاة أحدهما كان يرى في حزب الله الأمل والقدوة فيما كان يرى الآخر فيه الخداع والمكيدة ليصبح أهل المعسكر الأول في نظر الناس هم المجاهدون المقاومون فيما كانت علامات الاستفهام ونظرات الريبة والشك تحيط بأهل المعسكر الثاني.

لكن فجأة وفي لحظة من الغباء أو بالأحرى في لحظة من الانكشاف ينقلب كل هذا على حزب الله ويصبح التأييد ونظرة الإجلال والتبجيل التي حظي بها الحزب من ملايين المسلمين والعرب نظرة احتقار واحتقان ويتحول دفاع العلماء والمشايخ من أهل المعسكر الداعم للحزب إلى كلمات اعتذار للجماهير عن الخطأ في تقييم الحزب وتوجهاته وأن تقييم أهل المعسكر المهاجم هم الأصح والأصوب ومن ثم الإسراع وبلا أدنى تردد إلى الإعلان عن تبرئهم من حزب الله ومِن قياداته ومن فعله والندم أشد الندم على الدعم القولي والفعلي لهذا الحزب.

 

الدوافع وخلفيات التحول

ليس من المقبول القول بأن حزب الله اتخذ قراره بإرسال قواته إلى سوريا لدعم قوات الأسد دون دراسة واعية ومدققة للآثار السلبية التي يمكن أن تترتب على ذلك ومن ثم فهو وقبل الإقدام على هذه الخطوة يدرك جيدا أن أهم التداعيات التي ستترتب على ذلك هو فقدانه للظهير الشعبي المساند له في البلدان العربية والإسلامية، ذلك أن هذا الظهير سيكون على إيمان تام بطائفية الحزب وأنه جزء من منظومة الصراع بين السنة والشيعة وهو ما دفع الحزب لأن يعمل على محورين ربما يبدو بينهما تناقض لكنه حاول وما زال أن يوهم الآخرين بانعدامه.

فأما المحور الأول فهو بذل ما يمكن من جهد من أجل إنقاذ نظام بشار الأسد النصيري والذي يعد الأقرب له مذهبيا من بين كل الأنظمة العربية فضلا عن تقاربهما سويا مع نظام الدولة الإيرانية التي ترى في كل من نظام الأسد وحزب الله ساعديها الأقوى في المنطقة.

أما المحور الثاني فهو الترويج إلى أن نظام الأسد هو النظام الوحيد من بين بلدان المنطقة الذي ما زال يدعي الوقوف في خندق المقاومة والممانعة وأن ما يحدث في سوريا ليس إلا جزءا من مخطط أمريكي وصهيوني يهدف إلى إفشال مشروع المقاومة بل والقضاء على كيانات الدول العربية والإبقاء على "إسرائيل" كدولة قوية وحيدة.

وبالسير على هذين المحورين يسعى حزب الله إلى أن ينفذ تعليمات طهران التي ترى أن الأسد يجب أن لا يسقط، كي يرد الجميل للأسد الذي لم يبخل ولم يضن بدعم حزب الله طيلة ما مضى وهو في نفس الوقت يحاول أن يكسب ولو الحد الأدنى من التعاطف الشعبي العربي والإسلامي بالادعاء أن موقفه ليس نابعا من كون النظام الأسدي شيعيا أم سنيا ولكن لكونه نظاما مقاوما، وهو في الحقيقة ما حققه بعض الشيء خاصة بين أولئك الذين يسمون أنفسهم بأنهم "قوميون" و"عروبيون".

لكن فات حزب الله أن الدعم السوري للحزب في مقاومة "إسرائيل" لا يسوغ لدى الشعوب العربية والإسلامية لسوريا أو لنظامها ممارسة الاستبداد ومواصلة الانتهاكات بحق الشعب السوري، فالمفترض أن المقاومة ليست إلا أداة لتحرير الشعوب وبالتالي فإنه ليس من المقاومة في شيء أن توجه سلاحها لصدور أبناء الأمة الذين ينشدون الحرية.

وفاته أيضا أن دعوى نظام الأسد بكونه في خندق الممانعة والمقاومة دعوى مجردة، بل إن موقف الأغلبية السنية في سوريا كان أكثر مقاومة وممانعة عندما طالب بدخول الدولة السورية في معترك المقاومة واستنكرت على نظام الأسد "الأب والابن" عدم إطلاق رصاصة واحدة لمدة أربعين عاما في الجولان المحتل.

كذلك فإن تدخل حزب الله وانحيازه للأقلية في سوريا باعتباره مقاومة يعد إشارة ذات دلالتين هامتين:

الأولى: أن حسن نصر الله وحزبه ينظرون لأغلبية السوريين أنهم ضد المقاومة وأنهم من المعسكر الخانع أمام الكيان الصهيوني وفي هذا مجافاة للحقيقة كما أشرنا سالفا.

أما الثانية: فهي أن نصر الله يحاول تصوير أهل السنة بعمومهم وكأنهم ليسوا مع المقاومة ضد العدو الصهيوني وأن الشيعة هم رمز المقاومة وفي هذا أيضا تجاهل كامل لحقائق الواقع التي تقدم لنا نماذج مشرفة للمقاومة من أمثال حركة حماس في فلسطين وغيرهما من الجماعات المقاومة في العديد من البلدان العربية والإسلامية، بل إن ما حدث في العراق خير شاهد على أن المقاومة السنية لم تقبل في مقابل مصالح ضيقة وطائفية أن تتنازل عن حق الجهاد ضد الأمريكيين المحتلين في العراق بخلاف الجماعات والفصائل والأحزاب الشيعية هناك والتي فرطت في استقلال العراق وسيادته في مقابل أن تستأثر لنفسها بالهيمنة على العراق.

كذلك ثمة نقطة هامة لابد من الإشارة إليها عند الحديث عن مبررات نصر الله للتدخل في سوريا حيث تحدث عن التكفيريين والذين قصد بهم تلك العناصر المجاهدة التي حملت على عاتقها عبء الجهاد في سوريا ومشاركة إخوانهم من السوريين بالقتال ضد نظام الأسد وهي لا تخلو من معاني واضحة استهدفها نصر الله في خطابه ومنها:

* أنه أراد أن يوجه رسالة ترهيب إلى الولايات المتحدة الأمريكية بشكل خاص والغرب بشكل عام مفادها أن سوريا يمكن أن تتحول إلى بؤرة جديدة من تجمع الإسلاميين الجهاديين من كل العالم ليتكرر سيناريو أفغانستان مرة أخرى وهو بهذا يحاول أن يغير موقف الغرب من الأحداث الدائرة في سوريا عبر التهديد المباشر لأمنهم ومصالحهم.

* محاولة تحميل أهل السنة مسؤولية تحويل النزاع السوري – السوري من حالته التي يجب أن يكون عليها إلى نزاع طائفي حيث التحق بالثوار مقاتلون سنة من بلاد شتى كان مجيئهم والتحاقهم بالقتال ليس إلا لأن بشار الأسد وبطانته ينتمون إلى العلويين ومن ثم فإن تدخله لم يأت إلا بعد تدخل هذه العناصر وهو ما يعرض المقدسات الشيعية مثل مقام السيدة زينب للخطر.

وبالطبع يراهن نصر الله وكعادة كل المزيفين للحقائق على أن المواطن العربي يفتقد القدرة على الربط بين الأشياء فينسى الناس ما قدمه نصر الله وقادة كتائبه المقاتلة في سوريا من وعود بالجنة وكأن من يقاتلونهم من الثوار السوريين هم كفار.

وتجاهل نصر الله أن العديد من المجاهدين والثوار العرب لحقوا أيضا بالحرب التي قامت بين الرئيس الليبي السابق معمر القذافي وهو سني المذهب وثوار بلاده حيث انضموا للمقاتلين من الثوار الليبيين فيما سارعت العديد من الشعوب بتقديم يد العون لهم حتى حققوا النصر وأسقطوا القذافي.

وفيما يتعلق بهذا الشأن أيضا فإن ثمة نقطة أخرى جديرة بالإشارة إذ كان نصر الله وحزبه مخيرين بين أمرين في محاولة لدعم الأسد والشد من أزره لمواجهة الثورة السورية الجامحة فإما أن يرد الجميل ويشارك برجاله وعتاده مع قوات الأسد وشبيحته في حربهم وإما أن يصطنع حربا مع العدو الصهيوني تلفت النظر بعيدا عما يحدث في سوريا وتحدث حالة استقطاب كبيرة في الصف العربي والإسلامي غير أن نصر الله انتهى إلى الخيار الأول حيث أدرك أن الحرب مع "إسرائيل" تعني النهاية.

 

مستقبل الحزب بعد الورطة

لا يمكن لأي محلل عند الحديث عن مستقبل حزب الله في المرحلة المقبلة أن يغض الطرف عن التطورات الحادثة سواء على الساحة اللبنانية أو على ما يجري في سوريا كما لا يمكن أن يتجاهل الدور الإيراني الذي يعدّ محركا أساسيا في الأزمة السورية بل والمسئول الأول عن تورط حزب الله في المستنقع السوري.

وما نحاول التركيز عليه في هذه الجزئية هو موقف إيران من حزب الله وخططها المستقبلية في التعاطي معه بعدما تيقنت أنه – أي الحزب - أصبح ورقة محروقة وأنه لم يعد الصورة الأمثل التي يمكن أن تواصل عبرها عملية الخداع للجماهير المسلمة السنية.

واستقراء طريقة تعاطي إيران مع حزب الله ربما يأتي في ضوء قراءة ما حدث مع حركة أمل اللبنانية الشيعية التي كانت الحركة الأكبر والأشمل لشيعة لبنان والتي ما أن تورطت في المذابح التي ارتكبتها بحق الفلسطينيين في لبنان والذين كانت تنظر إليهم الكثير من الأطراف باعتبارهم الجيش السني في لبنان حتى كان البحث عن بديل آخر تجسد في حزب الله اللبناني الذي أسسه نحو تسعة أشخاص كان بينهم اثنان من إيران.

من ثم وفي ضوء ذلك فإن من المحتمل أن تسعى الدولة الإيرانية الخمينية إلى البحث عن بديل آخر عن حزب الله يحاول أن يجمّل وجه الشيعة اللبنانيين وربما يتبرأ مما فعله حزب الله في سوريا وهو أمر ليس مستبعدا عن الشيعة في ظل إيمانهم بمبدأ التقية بل وفي ظل ما يمارسه حزب الله حتى اللحظة فهو مثلا وعبر قناته المنار الأرضية يذيع أذان الصلاة متضمنا "علي ولي الله" فيما يخلو الآذان المذاع على المنار الفضائية من هذه العبارة، وهو مثلا لا يسب ولا يشتم أحدا من الصحابة أو القادة المسلمين السنة عبر التاريخ في حين يمارس هذا على أرض الواقع وفيما بين الشيعة اللبنانيين.

الاحتمال الثاني والذي يميل إليه الكثير من الكتاب والمحللين هو قيام إيران بنقل حزب الله اللبناني وخاصة جناحه المسلح من لبنان إلى العراق وهو الاحتمال الذي أشارت إليه أيضا بعض الصحف الأمريكية حيث أشارت إلى ذلك صحيفة واشنطن بوست مشيرة إلى أن حزب الله بات يبحث عن أرض بديلة للبنان نظرا لأن الأسد يعد حلقة الوصل بينه وبين ايران.

وأضافت الصحيفة أن تفكير إيران في العراق كوطن بديل لحزب الله يشير إلى علاقتها القوية بقادة العراق وعلي رأسهم رئيس الوزراء نوري المالكي الذي تأمل أن يكون بديلا للأسد في الوقت الذي تخطط فيه لجعل العراق حليفا جديدا لها للحفاظ على توازنها الإقليمي الذي بات مهددا بعد رحيل الأسد.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: