فرق ومذاهب\العدد مائة وثلاثة وعشرون - رمضان - 1434 هـ
سلسلة رموز الإصلاح 15– العلامة الفقيه محمد بن صالح العثيمين (1347/ 1421هـ - 1927/ 2001م)
الخميس 11 يوليو 2013

 

أسامة شحادة – كاتب أردني

 

 

خاص بالراصد

تمهيد:

يعدّ العلامة ابن عثيمين رحمه الله من أفذاذ العلماء المعاصرين الذين شاهد الناسُ منهم الدور الحقيقي للعالم، فهو بين تدريس ومشاركة وإفتاء وإصلاح وتوجيه مع مخالطة عجيبة للناس بكافة مستوياتهم رجالاً ونساءً، صغاراً وكباراً.

وقد وفق الله الشيخ لأن يكون له مدرسة فكرية تحمل عنه علمه ومنهجه وطريقته في المملكة وخارجها، فرحم الله شيخنا وتغمده برحمته.

مولده:

ولد شيخنا في منطقة عنيزة بالقصيم في العشر الأواخر وبالتحديد في 27 رمضان 1347هـ، ويعود نسبه لبني تميم.

نشأته العلمية:

للأسف فإن المصادر المتوفرة عن الشيخ لا تقدم معلومات كافية عن نشأته وحياته الأولى، وإنما تركز على المرحلة الأخيرة من حياته رحمه الله بعدما برز واشتهر.

فهو تعلم القرآن الكريم على جدّه لأمه الشيخ عبد الرحمن بن سليمان الدامغ، ثمَّ التحق بمدرسة الأستاذ عبدالعزيز بن صالح الدامغ فتعلَّم الكتابة، وشيئًا من الحساب، والنصوص الأدبية، وبعد ذلك التحق بمدرسة الشيخ علي بن عبد الله الشحيتان حيث أتم حفظ القرآن الكريم عنده عن ظهر قلب ولمّا يتجاوز الرابعة عشرة من عمره.

وأخبر الشيخُ ابن عثيمين أحدَ أولاد الشيخ عبدالله القرعاوي داعية الجنوب ومصلحه أنه تعلم الوضوء من أبيه القرعاوي.

وكان لوالد الشيخ ابن عثيمين دور في توجيهه لطلب العلم الشرعي على يد شيخ عنيزة وإمامها     -آنذاك- العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي – رحمه الله –  والذي كان يدرِّس علوم الشريعة واللغة العربية في الجامع الكبير بعنيزة، وكان للشيخ السعدي ترتيب دقيق في التعليم فقد خصص اثنين من طلبته الكبار (الشيخ علي الصالحي والشيخ محمد بن عبد العزيز) لتدريس الطلبة المبتدئين، فانضم ابن عثيمين لحلقة الشيخ محمد بن عبد العزيز ودرس عليه التوحيد والفقه والنحو.

ثم ترقى لحضور حلقة العلامة السعدي، فدرس عليه في التفسير والحديث والسيرة النبوية والتوحيد والفقه والأصول والفرائض والنحو، وحفظ مختصرات المتون في هذه العلوم، وقد ظهر نبوغ ابن عثيمين مبكراً في حلقة السعدي، ولذلك حين قرر والد ابن عثيمين السفر من عنيزة بحثاً عن الرزق طلب منه الشيخ السعدي إبقاء محمد في الحلقة بعنيزة لتميزه وذكائه.

ومرة أخرى نجد السعدي يخصّ ابن عثيمين بعنايته ودعمه ورعايته فيكلفه بالتدريس في الجامع الكبير بعنيزة وهو ما زال طالبًا عنده، فبدأ التدريس عام 1370هـ وعمره 23 سنة، فانظر لحكمة السعدي وحنكته كيف صنعت لنا عالماً فريداً في علمه وعطائه حين شجعه على الاستقلال، وقدّمه للمجتمع كأحد الطاقات الشبابية الواعدة في اقتفاء لمنهج السيرة النبوية في منح الشباب مراكز القيادة والصدارة التي يستحقونها: فهو صلى الله عليه وسلم من أرسل مصعب بن عمير ليكون رسوله في المدينة المنورة، وعيّن أسامة بن زيد قائداً للجيش.

وكان من زملاء ابن عثيمين في طلب العلم عند الشيخ السعدي الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن البسام، عضو هيئة كبار العلماء، الذي يقول: كنا نحفظ المتون ونقرأ القرآن بعد صلاة العصر وفي أول الليل وبقينا على ذلك عشر سنوات. 

ودرس أيضاً ابن عثيمين الفرائض على الشيخ عبد الرحمن بن علي بن عودان، قاضي عنيزة، وقرأ على الشيخ عبد الرزاق عفيفي في النحو والبلاغة حين كان مدرساً بعنيزة.

ولما فتح المعهد العلمي في الرياض عام 1372هـ أشار عليه الشيخ علي بن حمد الصالحي أن يلتحق به، فاستأذن شيخَه العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي – رحمه الله – فأذن له، والتحق بالمعهد سنتين (1372 – 1373هـ)، وهناك التقى بكوكبة من العلماء على رأسهم:

العلامة المفسِّر الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، والشيخ الفقيه عبدالعزيز بن ناصر بن رشيد، والشيخ المحدِّث عبد الرحمن الإفريقي – رحمهم الله تعالى -.

ولكن الفائدة الكبرى كانت باللقاء والتتلمذ على يد الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز – رحمه الله -، فقرأ عليه في صحيح البخاري ومن رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية، وانتفع به في علم الحديث والنظر في آراء فقهاء المذاهب والمقارنة بينها، ويُعدُّ سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – هو شيخه الثاني في التحصيل والتأثُّر به بعد الشيخ السعدي. 

وفي المعهد ظهر تميزه أيضاً، حيث رفعه المشرفون للسنة الثانية مباشرة، يقول الشيخ عن دراسته فيه: "كان المعهد العلمي في ذلك الوقت ينقسم إلى قسمين: خاص وعام. فكنت في القسم الخاص، ومن نظام المعهد في ذلك الوقت أنه من أراد أن يقفز – بمعنى أن يدرس السنة المستقبلة في أثناء الإجازة ثم يختبر في أول العام الثاني، فإذا نجح انتقل إلى السنة التي بعدها – فله ذلك، وبهذا اختصرت الزمن، ثم التحقت بكلية الشريعة في الرياض انتساباً لأكسب ملازمة الشيخ عبدالرحمن السعدي رحمه الله تعالى وأنتظم في دروسه، وتخرجت من كلية الشريعة عام 1377هـ".

وبقي ابن عثيمين يَدْرس على شيخه السعدي حتى وفاته سنة 1376هـ، وهنا تحولت حياة ابن عثيمين من كونه طالباً عند الشيخ السعدي لكونه خليفته.

وقد كان لهؤلاء العلماء أثر كبير على شخصية ابن عثيمين، فمِن السعدي أخذ الصبر على التعليم وتقريب العلوم والمعاني والرفق بالناس حيث كان يمازح الصغير ويضحك مع الكبير وتأثر بأخلاقه كثيراً، ومن الشيخ ابن باز أخذ العناية بالحديث وبسط نفسه للناس، وتأثر بالشنقيطي في علمه وسمته وورعه وزهده.

أما كتب ابن تيمية وابن القيم فلهما أثر بالغ على ابن عثيمين ومنهجه العلمي الرصين المدعوم بالحجة مع الأسلوب الواضح، وذكر الشيخ في آخر حوار له مع مجلة الدعوة أنه تأثر بالعلامة رشيد رضا في تحقيق المسائل، وهذا يدل على سعة اطلاع الشيخ ومتابعته لمجلة المنار الشهيرة.

جوانب الإصلاح في حياة الشيخ ابن عثيمين:

1- تدريسه وإمامته بعد السعدي:

مرّ معنا أن الشيخ السعدي في حياته كان قد أمر ابن عثيمين بالتدريس وعمره 23 عاماً، وبعد تخرجه من المعهد العلمي بالرياض، عُين مدرساً في المعهد العلمي بعنيزة عام 1374هـ وبقي مدرساً فيه حتى عام 1395ه، وكان في نفس الوقت يدرس على شيخه السعدي، ويتابع دراسته انتسابًا في كلية الشريعة بالرياض.  

فلما توفي السعدي، قام الشيخ محمد بن عبدالعزيز، قاضي عنيزة وأحد أقدم طلاب السعدي، بترشيح ابن عثيمين خلفاً للسعدي في الإمامة والتدريس والخطابة، ورضي بذلك أمير عنيزة عبدالله الخالد السليم والأمير خالد بن عبد العزيز آل سليم والشيخ محمد الزامل وعدد من الوجهاء، فتولى ابن عثيمين الإمامة والتدريس والخطابة في المسجد الجامع بعنيزة خلفاً للشيخ السعدي وعمره 29 عاماً، وذلك سنة 1376ه وحتى وفاته سنة 1421ه أي 45 سنة متواصلة استفاد منها آلاف الطلبة، تقبل الله منه.

فواصل ابن عثيمين التدريس مكان شيخه السعدي حتى وفاته رحمه الله، وأيضاً درّس ابن عثيمين في جامع الضليعة 16 عاماً (1390 – 1406ه)، حيث درّس فيه عددا من كتب الفقه بعد المغرب من يومي الأحد والثلاثاء.

بدأ الشيخ دروسه على عادة الشيخ السعدي في مكتبة مسجد عنيزة التي أسسها عام 1359هـ، وكان عدد الطلاب عند الشيخ ابن عثيمين قليلا جداً في البداية قد لا يتجاوز العشرة طلاب، وكان الشيخ لا يستنكف أن يدرس من حضر ولو كان طالباً واحداً، وبقي الشيخ مواظبا على التدريس على هذه الحال قرابة عشرين سنة، حتى فتح الله عليه وأصبحت الطلبة تتوافد عليه من كل مكان.

ولما كثر الطلبة صارت المكتبة لا تكفيهم؛ فبدأ يدرِّس في المسجد الجامع نفسه، واجتمع إليه الطلاب وتوافدوا من المملكة وغيرها حتى بلغوا المئات في بعض الدروس، وهؤلاء يدرسون دراسة تحصيل جاد، لا لمجرد الاستماع، وكان الشيخ يقدم عدة دروس يوميا سوى اللقاءات الخاصة أو ما يشرحه للطلبة أثناء ذهابه للمسجد مشياً، فكم من كتب شرحها الشيخ وهو ماشٍ للمسجد لبعض الطلبة، وكم من أسئلة أجاب عليها في تلك الحال!! وكان منزل الشيخ يبعد حوالى 1000 متر عن المسجد، وبقي طيلة 40 سنة يذهب مشياً صيفا وشتاءً، وفي مرة من المرات حين رجع لمنزله وجد الشرطة تمنع الناس من الوصول لبيته الطيني لأن الملك فهد في المنزل يزور الشيخ، وقد رفض الشرطة في البداية السماح له بدخول المنزل إلا بعد وقت حين عرفوا أنه الشيخ ابن عثيمين!!  

ويروى الشيخ وليد الحسين – من العراق، رئيس تحرير مجلة الحكمة – وأحد أبرز تلاميذ الشيخ أنه التحق بدروس الشيخ في عام 1402ه ولم يكن عدد الطلبة يتجاوز العشرة، وكان لهم سكن بجوار مسجد الشيخ المبني من الطين من زمن الشيخ السعدي، وهذا السكن بناية من ثلاثة أدوار فيها تسع شقق، تبرع بها الملك خالد لتلاميذ الشيخ، وكان الشيخ يهتم بطلبته وربما أحضر الطعام من بيته للسكن وأكل معهم.

ويقول الحسين إنه بعد عام 1406ه بدأت وفود الطلاب تهل، فربما وصل عدد حضور الدروس العلمية إلى 600 طالب على تنوع أعمارهم وتحصيلهم، فتجد الطالب بالجامعة وتجد المحاضر بها وقد تجد عميد كلية من بين الحضور، فضلاً عن الأطباء والمهندسين وغيرها من التخصصات، وغالبهم من السعوديين.

وبعد عام 1410هـ توافد الطلبة من خارج المملكة، فأصبح السكن يضم طلبة متزوجين وعزابا، فعيّن الشيخ أحد طلابه وهو الشيخ عبدالوهاب الزياني من البحرين مشرفاً على السكن، وكان الشيخ يتابع بنفسه أيضاً شؤون السكن واحتياجاته.

ونقلت له مكتبة الشيخ السعدي وأضيف لها الكثير من المراجع والكتب والأشرطة، وخصص لها قاعتين واحدة للكتب وواحدة للمطالعة.

وتم إنشاء مطعم داخلي للسكن ووضع نظام إداري له، وضاق السكن بالطلبة إذ وصل عدد الطلبة العزاب إلى 50، فكان البعض يسكن في شقق للشيخ عبدالله السبيعي مجاناً، ويستفيدون من مطعم السكن، وكان الشيخ يكفل الطلبة ويقدم لهم معونات مالية.

ثم تبرع أحد المحسنين ببناء سكن كبير للطلبة وجعله قسمين: قسما للطلبة المتزوجين وقسما للطلبة العزاب، وفيه مطعم.

وكان الشيخ يتعاهد طلبته بالتعليم، والتوجيه في قضاياهم العامة إذا لاحظ خللاً عاماً، وأيضاً يتابع المشاكل الخاصة للطلبة، وكان يوفر لهم سبل العيش للتفرغ لطلب العلم كتوفير السكن أو بدل الإيجار، وقضاء ديونهم، وصرف رواتب شهرية لهم، وتوفير المراجع اللازمة لهم سواء في المكتبة العامة، أو من خلال إهدائهم الكتب وتزويدهم بها، وتعويدهم على البحث والكتابة والإلقاء بفتح المجال للمناقشات والمناظرات وطلب البحوث منهم.

ومنذ عام 1402هـ كان الشيخ في العطلة الصيفية يقيم دورات صباحية مكثفة للطلبة الذين لا يتمكنون من القدوم في الأوقات الأخرى من الساعة 8-12، مع بقاء برنامجه العام مستمراً!

واحتوت هذه الدورات على عدة دروس يومية في الصباح يدرسهم فيها الشيخ مباحث متنوعة ومحددة في عدد من العلوم الشرعية، مع توفير الإقامة والطعام لهم، وقد استفاد من هذه الدورات الكثير من الطلبة في الداخل والخارج وخاصة طلبة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.

وقد تميز الشيخ بمنهج فريد في التدريس يشد انتباه الطلاب بتنوع الأساليب مع التركيز على حفظ المتون، وطرح الأسئلة وضرب الأمثلة، وتبسيط العلوم ووضعها على شكل نقاط يسهل فهمها وحفظها، وإجراء مراجعة عند نهاية كل فصل أو باب، وفتح الباب للأسئلة، كما أنه كان يكلف الطلبة المتقدمين بتدريس بعض المباحث للمستجدين، وكان لهم أيضاً دروس في مسجده وقد أصبحوا الآن من الدعاة والعلماء المعروفين، لقد تميز الشيخ بأنه يعلم طلابه صيد السمك وليس أكله فقط!

وكان تأثير دروس الشيخ يصل إلى آفاق الدنيا وذلك من خلال ما يلي:

1-  الطلبة: والذين تتنوع جنسياتهم فينقلون علم الشيخ إلى أهاليهم، وكذلك بحسب وظائفهم حيث منهم المدرس والإمام والواعظ فينقلون علم الشيخ لدوائر كبيرة، فمثلاً كان الطلبة السودانيون في الإجازة الصيفية يقيمون الدورات العلمية في كافة أنحاء السودان فينشرون علم الشيخ ومنهجه.

2-  نقل الدروس مباشرة عبر الهاتف: حيث كانت بعض دروس الشيخ تنقل عبر الهاتف إلى دول أخرى عربية وأوروبية، وفي إحدى المرات استمع للشيخ 100 مركز إسلامي بأمريكا عبر الهاتف دفعة واحدة، وهذا قبل الفضائيات والإنترنت.

3-  أشرطة الدروس: كان الشيخ يحرص على تسجيل الدروس ونشرها بين الناس في داخل المملكة وخارجها، وفي مرة من المرات حضر خطبةَ الجمعة عنده ضيف من دولة مجاورة، وقال له أثناء تناول طعام الغداء: يا شيخ هذه الخطبة لو سُجلت لنفعت زملائي في العمل، فما كان من الشيخ إلا أن أدار جهاز التسجيل وأعاد الخطبة كما هي، وهو واقف، ثم سلمه الشريط! ولذلك يمتاز الشيخ بكثرة الأشرطة المسجلة له، وقد كان أول من انتظم في تسجيل دروس الشيخ الأخ غانم بن مرزوق الحربي في عام 1404ه تقريباً حيث سجل 1000 شريط للشيخ، وأول شركة تسجيلات اهتمت بدروس الشيخ هي تسجيلات الهدي، ثم تبعتها تسجيلات التقوى عام 1406ه والتي خصصت موظفا لهذه المهمة من طلبة الشيخ هو الأخ عبدالرحمن رستم من لبنان، ثم تبعتها تسجيلات الاستقامة عام 1408ه فعينت الأخ موسى الهادي من السودان لهذه المهمة فلازم الشيخ حوالي 15 سنة وحتى وفاته.

4-  دروس الشيخ في الحرم المكي: حيث كان للشيخ دروس في الحرم المكي في شهر رمضان وموسم الحج على السطح لمدة تزيد عن 25 عاماً، يحضرها المعتمرون من مختلف البلاد فيحملون علمه إلى مَن خلفهم، وهذا ساهم في انتشار أشرطة الشيخ وكتبه في العالم، وقد بقي حريصاً على هذه الدروس، فمرة ألقى الدرس وعليه لباس الإحرام حتى لا يضيع الدرس على الناس إذا ذهب للسكن لتبديل ملابسه! وحتى في أشد حالات مرضه بالسرطان، ففي رمضان عام 1421هـ تفشى المرض في جسمه ولكنه أصرّ وألحّ على الذهاب للحرم والتدريس فنقل بطائرة طبية مع فريق طبي وخصصت له غرفة مجهزة بكافة المستلزمات الصحية، وفي اليوم التاسع والعشرين اشتد عليه المرض ونقل لجدة وأُدخل العناية المركزة، وبعد خمس ساعات أفاق وأصرّ على العودة للحرم، وألقى درسه بعد صلاة التراويح وهو في حالة صعبة جداً وكمامة الأوكسجين على أنفه، وأخبر الناس أن هذا الدرس لعله يكون الأخير.

كما أن الشيخ كان له في الحج العديد من الدروس في مخيمات منى، وفعلا كان الشيخ شيخ العامة وعالمهم، كما كان يقول علماؤنا مدحاً: فلان رجل عامة.

ومن تأمل هذا الجهد الكبير للشيخ في التدريس والتعليم طيلة هذه السنين، يفهم كيف حدثت الصحوة السلفية العلمية في العالم وكيف انتشر المنهج في مختلف الأقطار، ويفهم ويدرك لماذا نشعر اليوم بحالة من الفتور والفراغ العلمي، فقد كان العلماء الكبار كابن باز والألباني وابن عثيمين بمثابة ماكنة بث ضخمة للعلم والدعوة تعمل دون ضجيج وإثارة، ولم يدرك الكثير حقيقة دورهم العلمي في الصحوة والإصلاح إلا حين غابوا عن دنيانا، وشعرنا بالفراغ الهائل برحيلهم!

وكنت بساحة التعليم شيخاً                        إلى أفيائه تفد الوفود

تقيم أواصر الإحسان حتى                              تحققت العوائد والوعود

وعمّ الخير أهل العلم حبا                        وإكراماً وفائدة تعود

فقرت مقلة وانسر قلب                        يضمهم إليه ويستزيد

ويمضي السائرون على الطريق                    وراءك والطريق هو السديد

2- التدريس الأكاديمي:

قلنا إن الشيخ بقي مدرِّسًا في المعهد العلمي بعنيزة من عام 1374هـ إلى عام 1395هـ، وكان مشرفاً على جمعية الدعوة الإسلامية في المعهد التي ترعى نشاطات الطلبة عام 1394هـ، ثم انتقل إلى التدريس في كلية الشريعة وأصول الدين بالقصيم التابعة لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وظل أستاذًا فيها حتى وفاته- رحمه الله تعالى -.

3- المجالس الخاصة:

كان للشيخ عدد من المجالس الخاصة بفئات محددة من الناس، مثل:

- مجلس أسبوعي خاص بقضاة منطقة القصيم يتدارسون فيه بعض الكتب الشرعية (1407-1421).

- مجلس أسبوعى خاص لكبار طلبة الشيخ (1413- 1412).

- مجلس شهري خاص بأعضاء قسم العقيدة بجامعة الإمام فرع القصيم (1409-1421).

- مجلس خاص للدعاة ببريدة ولكن بُعد المسافة منع استمراره (1414- 1417).

- مجلس نصف شهري لعدد من المشايخ (1416هـ - 1421).

- مجلس شهري لخطباء عنيزة (1418-1421).

- مجلس شهري لأعضاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (1412 – 1421).

4- تكليفه بوضع المناهج:

فرّغت إدارة معهد عنيزة العلمي الشيخ لوضع عدد من الكتب والمناهج للطلبة في المعهد، وذلك لِما للشيخ من قدرة على تبسيط المعلومة وتوصيلها للطالب مع الدقة البالغة والعلم الواسع، ومن قصص ورع الشيخ أنه حين صُرفت له مكافأة على تقديم بعض المحاضرات في كلية الشريعة ردها وقال: وقت هذه المحاضرات اقتطعته من الوقت المخصص لتأليف المقررات الدراسية للمعاهد، وبذلك لا أستحق ما صرف!!

5- الدور الدعوي العام: 

بالإضافة إلى هذه الدروس في الجامع بعنيزة والمعهد والكلية، والحرم ومكة، فإنه كان دائم التنقل لإلقاء المحاضرات في كافة مناطق المملكة.

وقد عين الشيخ عضوًا في هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية من عام 1407هـ إلى وفاته.

وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويناصح ولاة الأمر، فحين علم أن بعض النساء ينوين التظاهر لقيادة السيارات في الرياض إبان أزمة الخليج، بادر بالاتصال على أمير الرياض الأمير سلمان، فقيل له: هو نائم، فقال: أيقظوه، قولوا له ابن عثيمين يريد التحدث معك الآن لأمر ضروري، فأيقظوه وأوصاه الشيخ بوضع حد لذلك!

ساهم الشيخ في تأسيس الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن سنة 1405هـ، وتبرع لها عند التأسيس بـ 25 ألف ريال، وتولى رئاستها منذ تأسيسها وحتى وفاته وتابع اجتماعات الإدارة والمهرجانات واللقاءات التي تقيمها الجمعية، وساهم بتوفير أوقاف لها لتبقى مستمرة.

كما دعم الشيخ طلب تأسيس مكتب رعاية الجاليات بالقصيم سنة 1407هـ وقبل أن يكون مشرفاً عليه بحسب اشتراط الشيخ ابن باز رحمه الله للسماح به، وكان الشيخ يشرف على نشاطاته والتي دخل المئات في الإسلام بسببه.

ومشاركة الشيخ في الإذاعة كانت مشاركة فاعلة في برنامج نور على الدرب وبرنامج فتوى على الهاتف وبرنامج منار الإسلام وغيرها من البرامج النافعة.

وكان الشيخ مهتماً بمتابعة نشاطات الدعوة في الغرب، ومن ذلك أنه زود بعض القائمين على مراكز إسلامية بأمريكا بهاتفه الخاص للحالات الطارئة والتي تحتاج تدخل الشيخ لمنع الخلافات والفتن بين المسلمين هناك.

كما كان الشيخ يحرص على طباعة الكتب ونشرها مجاناً سواء كانت له أو لغيره، وكان يكلف عددا من المؤسسات الدعوية بالقيام بذلك داخل المملكة وخارجها، ففي عام 1416ه كان الشيخ في مطار جدة بين الحجاج القادمين يوجههم ويعلمهم، فجاء فوج من حجاج إحدى الجمهوريات الإسلامية في روسيا، ورغب الشيخ أن يتحدث معهم فطلب مَن يترجم كلامه فجاء مشرف الحملة وبدأ بالترجمة للشيخ، ولما انتهى سأل: مَن الشيخ؟ فقيل له الشيخ ابن عثيمين، فاحتضن الشيخ يقبله ويبكي ثم قال للحجاج بلغتهم: إن هذا هو الشيخ ابن عثيمين، فبكوا جميعا وأقبلوا يقبّلون الشيخ، وأخبر المترجم الشيخ أن هؤلاء هم من طلابك كانوا يدرسون كتبك في الأقبية تحت الأرض خلال الحكم الشيوعي.

هذا هو تأثير الشيخ ابن عثيمين ودوره في نشر العلم والمنهج والذي يجهله الكثيرون وهو الجهد الذي نشر الدعوة في ربوع العالم، وهو الجهد الذي نحتاج اليوم أن نقتدي به إن كنا على منهجه وطريقته حقاً.

6- الدور الخيري والإغاثي:

لا يقتصر دور الشيخ في هذا المجال على مساعدة الفقراء والمعوزين، بل كان الشيخ يهتم لأمر المسلمين ونكباتهم العامة فيرتب في مسجده حملة لجمع التبرعات للقضايا الكبرى مثل: فلسطين وأرتيريا والبوسنة والهرسك وكوسوفا والشيشان، وربما أرسل بعض الطلبة لإيصالها إلى هناك.

وكان الشيخ متعاوناً مع عدد من المؤسسات والجمعيات الإغاثية والدعوية والتي لها نشاط خارج المملكة مثل مؤسسة الحرمين وهيئة الإغاثة الإسلامية العالمية.

وشجع الشيخ ودعَم فكرة إنشاء صندوق خيري للزواج في عنيزة في عام 1407هـ مما كان له بالغ الأثر في نجاح الصندوق واستفادة الشباب والفتيات من خدماته.

7- دوره في دعم الجهاد:

اهتم الشيخ بدعم الجهاد والمجاهدين في عدد من البلاد الإسلامية وكان يستقبل وفودهم ويفتي بجواز دفع الزكاة للمجاهدين، فقد كان يجمع التبرعات في مسجده لصالح الجهاد الأفغاني ويرسل مندوبا عنه يتفقد الأمور هناك ويوافيه بما يحتاجونه وأخبارهم.

كما كان له دور بارز في دعم الجهاد الشيشاني، فقد كان الشيخ هو مرجع المحاكم الإسلامية في الشيشان إذا أشكل عليهم شيء، وقد زودهم برقمه الخاص وسمح لهم بالاتصال به في أي وقت بسبب وضعهم الجهادي، وكان يتعاهدهم بالسؤال والاستفسار عن أحوالهم وسير معاركهم.

8- مؤلفات الشيخ:

ظهرت للشيخ خلال أكثر من خمسين عامًا الكثير من المؤلفات زادت على 100 مؤلف، إلا أن أغلبها لم يتفرغ لتأليفها الشيخ وإنما فرغت من أشرطته ومحاضراته وخاصة الكتب الكبيرة كالشرح الممتع وشرح رياض الصالحين وأمثالها، وإنما تفرغ الشيخ لبعض الرسائل الصغيرة وبعض الكتب المخصصة للمعاهد العلمية.

وقد تخصص بعض طلبة العلم بإخراج علم الشيخ ومحاضراته على شكل مؤلفات من أبرزهم:

* د. عبدالله الطيار، والذي بدأ منذ عام 1403هـ بإخراج سلسلة الباب المفتوح، وهو توثيق لمجالس الشيخ كل يوم خميس لعامة الناس قبل صلاة الظهر بساعة، وسلسلة اللقاء الشهري، وسلسلة برنامج منار الإسلام.

كما أخرج عدة كتب للشيخ منها فقه العبادات، وشرح مقدمة التفسير، وشرح رياض الصالحين، وتفسير سورة البقرة.

* الشيخ فهد السليمان، وهو قد عرض على الشيخ ابن باز جمع فتاوى ورسائل ابن عثيمين فشجعه الشيخ ابن باز وقال له "الشيخ محمد العثيمين رجل عالم ورجل صالح فبادر وأبشر بخير"، وفعلا بدأ في عام 1407هـ بجمع فتاوى الشيخ حتى وفاته وأخرج المجلد الأول من فتاوى ابن عثيمين عام 1410هـ وبقي متواصلاً مع الشيخ حتى وفاته يجمع له الفتاوى ويصححها الشيخ بنفسه حتى صدر منها 15 مجلداً.

* وهناك اللجنة العلمية التي أشرفت على كتاب الشرح الممتع وتضم: د. سليمان أبا الخيل ود. خالد المشيقح، واللذين اعتمدا على مذكرات سبق جمعها من وليد الحسين وعدد من طلبة الشيخ، ثم بعد الطبعة الأولى تكونت لجنة بإشراف الشيخ لمراجعة الأخطاء المطبعية، ثم تمت الاستفادة من جهد الشيخ عمر الحفيان في خدمة الكتاب بمعرفة الشيخ وتوجيهه.

والآن أصبحت مؤسسة الشيخ محمد الصالح ابن عثيمين هي المشرفة والقائمة على نشر تراث الشيخ وتدقيقه.

9- منحه جائزة الملك فيصل:

مُنح الشيخ جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام عام 1414هـ، وجاء في الحيثيات التي أبدتها لجنة الاختيار لمنحه الجائزة ما يلي:

أولاً: تحلِّيه بأخلاق العلماء الفاضلة التي من أبرزها الورع، ورحابة الصدر، وقول الحق، والعمل لمصلحة المسلمين، والنصح لخاصتهم وعامتهم.

ثانيًا: انتفاع الكثيرين بعلمه؛ تدريسًا وإفتاءً وتأليفًا.

ثالثًا: إلقاؤه المحاضرات العامة النافعة في مختلف مناطق المملكة.

رابعًا: مشاركته المفيدة في مؤتمرات إسلامية كثيرة.

خامسًا: اتباعه أسلوبًا متميزًا في الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وتقديمه مثلاً حيًّا لمنهج السلف الصالح؛ فكرًا وسلوكًا.

وفاتـه:

تُوفي رحمه الله بجدّة في الخامس عشر من شهر شوال عام 1421هـ، وصُلِّي عليه في المسجد الحرام بعد صلاة عصر يوم الخميس، ثم شيّعه الآلاف من المصلّين إلى مقبرة العدل في مكة المكرمة ودفن بجوار شيخه الشيخ ابن باز رحمهما الله.

 

 مراجع للتوسع:

1-  الجامع لحياة العلامة محمد بن صالح العثيمين، وليد أحمد الحسين، منشورات مجلة الحكمة،  ط 1، 2002.

2-  ابن عثيمين الإمام الزاهد، د ناصر الزهراني، دار ابن الجوزي، الدمام، ط 1، 2001.

3-  محمد صالح العثيمين العالم القدوة، إبراهيم العلي وإبراهيم باجس، دار القلم، دمشق، ط 1، 2010.

4-  صفحات من حياة الفقيد العالم الزاهد الشيخ محمد بن عثيمين، د. عبدالله الطيار، منشورات المجلة العربية، 2001.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: