مسلمو نيجيريا.. من مخالب الفقر إلى أنياب التشيع
الأثنين 10 يونيو 2013

 معتز بالله محمد

 

خاص بالراصد

أثرت عوامل عدة في نشر التشيع في القارة السمراء، فبعد عام 1979 الذي شهد نجاح الثورة الخمينية في إيران عمدت طهران إلى استغلال الظروف الخاصة للقارة في نشر التشيع مستفيدة من حقيقة أن الشخصية الإفريقية السمراء تربة خصبة لنشر أية أفكار، فهي شخصية سهلة الانقياد، تقبل أي فكرة طالما كان هناك من يدعو لها.

وتعد نيجيريا من أكثر الدول الإفريقية التي غزاها الزحف الشيعي ونجح في ظل غياب دور إسلامي سني فعال في كسب قطاع واسع من السُنة المالكية إلى التشيع.

لكن من الخطأ تحميل الشخصية الإفريقية وحدها المسئولية عن انتشار التشيع في بلدان القارة، حيث يفسح الفقر والجهل اللذان تعاني منهما إفريقيا المجال أمام النشاط الدعوي الشيعي القائم على منظومة متكاملة من العمل (الخيري) الطبي، والتعليمي.

"بوكو حرام"

وبالنسبة لنيجيريا أكبر دول القارة سكانا وعدداً للمسلمين، فقد لعب نشاط حركة "بوكو حرام" السنية المتشددة دورا كبيرا في انتشار التشيع، سواء من خلال صرف نظر الدولة عن النشاطات الشيعية في ظل انشغال السلطات بقتال الجماعة السنية ومداهمة معاقلها، وهو ما أعطى حركة التشيع مساحة أكبر من الحرية لإدارة نشاطاتها، أو عبر استغلال القيادات الشيعية التفجيرات التي تنفذها الجماعة والحرب الأهلية بين المسلمين والمسيحيين في تنفير المسلمين من المذهب السني، وهو ما أكده إبراهيم الزاكزاكي أحد أبرز الرموز الشيعية في نيجيريا في حوار مع صحيفة "الدار" الكويتية، حيث قال إن "إحدى الحركات المتطرفة خدمت الشيعة وساهمت في انتشار التشيع في نيجيريا أكثر من خدمة علماء الشيعة" وذلك في إشارة إلى "بوكو حرام".

وفي هذا الشان يقول مراسل هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" في نيجيريا: في السنوات الأخيرة، زاد حجم عضوية الحركة الشيعية واتّسع نطاقها بعد أن كانت حركة صغيرة ومحدودة، وذلك في الوقت الذي تحول الاهتمام فيه إلى حركة بوكو حرام، وهي حركة إسلامية سنية تحارب من أجل إقامة دولة إسلامية في نيجيريا.

الجهل والصوفية

وبخلاف ما سقناه من أسباب لانتشار التشيع وبروز المكون الشيعي على حساب المالكية فإن ثمة ظروفا معينة ساعدت على ذلك، من بينها انتشار الجهل الشديد بتعاليم الدين الإسلامي، بين الأميين أو حاملي الشهادت العليا على حد سواء مما جعل من السهل التأثير على المسلمين، إضافة إلى انتشار الصوفية وخاصة فرقتي التيجانية والقادرية، حيث وجدت إيران وحلفاؤها في الصوفية في نيجيريا تربة خصبة لنشر مذهبها، نظرا لما هو معروف من قواسم  مشتركة بينهما من التبرك بالأولياء والصالحين وتعظيمهم وزيارة الأضرحة والاحتفال بموالد أوليائهم، واعتماد الأوراد التى لم ترد في القرآن والسنة الصحيحة.

وفي حقيقة الأمر فعند بدء نشر المذهب الشيعي في الثمانينات لم يكن هناك حائط صد فكري لمواجهة المذهب الشيعي، في ظل غياب أية مؤسسات عربية تعمل في المجال الدعوي أو الإغاثي باستثناء أعداد قليلة جداً من الدعاة غير المؤهلين بشكل كافٍ للقيام بدورهم الدعوي أرسلهم الأزهر لنيجيريا وغيرها من البلدان الأفريقية.

كما منح تركز الغالبية العظمى من المسلمين في الولايات الشمالية البالغ عددها 19 ولاية، القادة الشيعة ميزة خاصة ساهمت بشكل كبير فى سهولة تحركهم لنشر مذهبهم.

الزكزاكي غلام طهران

وقد بدأت أولى خطوات التشيع في نيجيريا التي يصل عدد سكانها إلى 160 مليون نسمة يمثل المسلمون منهم ما بين 65 إلى 75% في ثمانينات القرن الماضي بعد أن ظلت الدولة لقرون مالكية المذهب منذ أن دخلها الإسلام فى القرن الثامن الهجري، وكانت البداية مع الشاب إبراهيم الزكزاكي الحاصل على بكالوريوس الاقتصاد من جامعة أحمد بن بللو، حيث اعتنق المذهب الشيعي وبدأ في نشره داخل البلاد، وقرأ الترجمات الإنجليزية للكتب الشيعية التي كانت توزعها سفارة إيران مجانا، وحافظ الزكزاكي على قاعدة التقية في عدم إظهار مذهبه لحوالي 15 عاماً، حتى ظهرت في عام 1995 حقيقة تشيعه عندما أجرت معه إحدى الصحف الإيرانية حوارا قدح خلاله في سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه، ما دفع الكثير من أنصاره إلى الانشقاق عنه بعدما أعلن تشيعه علنا ولأول مرة.

انقسامات وجبهات

ومع تمدد المذهب الشيعي بدأت خلافات جوهرية في الظهور أدت إلى انقسام الشيعة إلى قسمين، أحدهما يمثله الزكزاكي الذي يعادي الدولة ويصفها بالطاغوت، وقد خاض أنصاره العديد من الصدامات العنيفة مع السلطة عبر عقود من الزمن، وهناك حاليا نحو 120 معتقلا من أتباعه في سجون الدولة.

فيما يمثل القسم الثاني اثنان من أهم اتباعه وهما: حمزة الأول وصالح زاريا، وكلاهما تلقى علوم التشيع في إيران وقد انشقا عن الزكزاكي، بعدما اعتبراه جاهلا بالعلوم الشرعية، وعلى العكس تماما أبديا رغبة في الانخراط في مؤسسات الدولة المختلفة، وانتشر نشاطهما بين الشباب في الجامعات، وهو ما حدا بالمراقبين إلى اعتبارهما رأس الحربة القادمة في نشر المذهب الشيعي في نيجيريا.

ويتركز المسلمون بشكل عام في ولايات الشمال، فيما ينتشر الشيعة في ولاية زاريا، عاصمة كادونا الشمالية وكذلك لهم أتباع في ولاية كانو وسوكوتو، وكانو، ويمارسون نشاطاتهم في حرية تامة لدرجة أنهم يجاهرون الآن بسب الصحابة في مساجدهم دون خوف.

مدارس ومؤسسات وإعلام

وقد شهدت العلاقة بين الحكومة المسيحية والشيعة منعطفات كثيرة بدأت بتوترات في الماضي، ثم ما لبثت السلطات أن سمحت لهم بتأسيس المدارس، وفتحت المجال أمامهم لممارسة نشاطهم "الدعوي" بشكل كبير، ففتح الشيعة أبواب مدارسهم على مصراعيها مجانا أمام أطفال المسلمين، ولم تتردد الأسر الفقيرة في إرسال أبنائها للتعلم الذي يغرس في عقول الصغار المذهب الشيعي، ويتم تعليمهم في عدد من المدارس اللغة الفارسية، وقد قام الملحق الثقافي الإيراني في مايو عام 2009 بعقد مؤتمر في جامعة لاجوس بعنوان "ما هي التحديات في تعلم اللغة الفارسية وثقافتها في المجتمع النيجيري"، كذلك يتم اختيار بعض الطلاب المتفوقين لإرسالهم إلى إيران لتلقي علوم المذهب هناك والعودة لنشره في البلاد، والعمل كمعلمين في هذه المدارس.  

وتقوم السفارة الإيرانية في العاصمة أبوجا بطباعة الكتب الشيعية باللغة المحلية "الهوسا"، فيما تنتشر المواقع على الإنترنت للترويج للمذهب. وهناك أيضاً جريدة "الميزان" اليومية والتي تصدر بلغة الهوسا منذ نحو عقدين، والتي تعتبر القوة الإعلامية الضاربة للشيعة حيث تنشر فيها مقالات علماء الشيعة وعلى رأسهم الزكزاكي، وتتبع نشاطاتهم داخل وخارج البلاد وتهتم بنشر الأخبار التي تخص إيران، إضافة إلى جريدة" المجاهد" الصادرة بالإنجليزية، بل نجحوا أيضا في ظل شهر العسل بينهم وبين الحكومة في شراء ساعات بث في الإذاعة والتليفزيون ليبثوا من خلالها برامجهم التي تحمل أفكارهم.   

كما يلعب ما يسمى "الاتحاد الإسلامي للطلبة الأفارقة في إيران" دورا كبيرا في استقطاب الشباب الإفريقي بشكل عام، والنيجيري على وجه الخصوص، وتسفيرهم إلى إيران، تقول صفحة "الاتحاد على الفيسبوك" ليبلغ الشاهد منكم الغائب حول هذه الغرفة، وهي تتعلق بكل الأفارقة المتخرجين والمشغولين بالدراسة في الجمهورية الإسلامية في إيران".

كذلك تدعم طهران الكثير من المؤسسات لنشر الفكر الشيعي في نيجيريا ومن أهمها مؤسسة "حيدر- نيجيريا" والتي تقول عن نفسها على موقع التواصل الاجتماعي: "مؤسسة حيدر - نيجيريا: من المؤسسات المهمة في تاريخ الاستبصار في نيجيريا، ولها دور كبير جدا في نشر مذهب أهل البيت عليهم السلام في نيجيريا، وما زالت المحاولة في التوعية والتثقيف وتوحيد صفوف المسلمين جميعا. وفي فيسبوك Haidar Center وصفحة: مؤسسة حيدر – نيجيريا (بالعربية). والمؤسس هو سماحة الشيخ حافظ محمد سعيد، وقد مرت بمراحل من سنة 1994 إلى يومنا هذا بأسماء مختلفة والتي سيأتي التفاصيل عنها وعن نشاطاتها بالتدريج". 

الموقف من إيران

وكغيرهم من الشيعة في العالم، لا يجد شيعة نيجيريا غضاضة في الاعتراف بتبعيتهم غير المحدودة للدولة الصفوية، فبالرغم من نفيه تلقي أي تمويل من إيران، إلا أن الزكزاكي البالغ من العمر 57 عامًا يحرص على تعليق صورة لزعيم الثورة الإيرانية الخوميني، كما يحرص هو وأتباعه أيضًا على متابعة الأحداث الجارية في إيران، ويعارض زعيم الشيعة في نيجيريا القيام بأي عمل عسكري ضد إيران ويقول إن ذلك لن يكون له تأثير فقط على نيجيريا ولكن على جميع أنحاء العالم.

مليشيا عسكرية ونفوذ تجاري

وتؤكد تقارير صحفية قيام الزكزاكي بتكوين مليشيا عسكرية يقوم أعضاؤها طوال الوقت بالتدريب على القتال، وهو ما كشفه المحلل السياسي النيجيري محمد كبير عيسى لأحد المواقع الإخبارية، لافتا إلى أن الحركة الشيعية باتت "دولة داخل الدولة"، وإنه يعلم أنها تقوم بإجراء تدريبات عسكرية لأعضائها، مما يكشف عن تدبير الشيعة لعمل ما في المستقبل.

كما حذر من إمكانية نشر المذهب الشيعي في دول إفريقية أخرى انطلاقا من نيجيريا والتي يأتي إليها الكثير من التجار، في ظل اشتغال الشيعة بالتجارة وتأسيسهم منتدى التجارة لتعزيز نفوذهم الاقتصادي لتسهيل عملية نشر مذهبهم بين التجار الوافدين.

الخاتمة

وفي النهاية تبقى الإشارة إلى أن انتشار التشيع في نيجيريا بات يدق ناقوس الخطر، ويتطلب تدخلا عربيا إسلاميا سريعا على المستوى الدعوي، لإنقاذ البلاد من براثن إيران وطموحاتها التوسعية لالتهام القارة، في ظل تقارير تشير إلى قيام طهران بإرسال مدربين عسكريين إلى البلاد لتعليم الشيعة النيجيريين فنون القتال، ولعل اعتقال السلطات لخلية تابعة لحزب الله مؤخرا في منزل استخدم لتخزين السلاح خير دليل على ذلك.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: