منهجية العلمانية العالمية في قضايا المرأة
الأحد 12 مايو 2013

 

 فاطمة عبد الرءوف – كاتبة مصرية

 

خاص بالراصد

تعدّ القضايا المتعلقة بالنساء في الوقت الراهن من أكثر وأهم القضايا المطروحة والمثيرة للجدل إعلاميا ودولياً ولا يتعلق ذلك بالقيمة العددية للنساء، أي كونهن نصف الطاقة البشرية فحسب وإنما يتعلق الأمر بالصورة المنهجية للحياة بترابطها العضوي .. بالنظرية التي تحكم والواقع القائم وصورة الغد المنظور.. لذلك فإن قضايا النساء أصبحت ضلعا أساسيا في الصراع الذي تعيشه البشرية. 

وبما أن الغلبة تبدو حتى هذه اللحظة لصالح المشروع الغربي الذي يقوم على العلمانية بمختلف نكهاتها الصليبية والاشتراكية والإلحادية فإننا محاصرون في خندق الدفاع والذود عن أفكارنا وقيمنا.

يخطىء من يتصور أن المشروع الغربي تحققت له هذه الغلبة لمجرد تفوقه المادي والتقني أو لضغطه الاقتصادي علينا وإن كانت هذه أدوات أحسن استغلالها.

نستطيع القول إن هناك عاملين أساسيين في هذه الغلبة للمشروع الغربي هما:

العامل الأول: الاستقطاب الفكري

أي خلق عناصر موالية للفكر الغربي مؤمنة به أشد الإيمان كالدكتور طه حسين الذي عبر عن ذلك بوضوح في كتابه ‏"مستقبل الثقافة في مصر"‏ سنة ‏1938م حيث قال: (العقل الشرقي هو عقل يوناني‏ وإن القرآن لم يُغير من يونانية عقلنا الشرقي كما أن الإنجيل لم يغير من يونانية العقل الأوروبي وأن القرآن مثل الإنجيل وأننا قد قبلنا الحضارة الأوروبية قديمًا ومِن ثَمَّ فعلينا أن نقبلها الآن بخيرها وشرها حُلوها ومُرها ما يُحب منها وما يُكره ما يُحمد منها وما يُعاب وأننا لابد أن نسير سيرة الأوروبيين ونسلك طريقهم ونذهب مذهبهم في الحكم والإدارة والتشريع).

وها هي رائدة من أهم رواد الحركة النسوية في مصر "منيرة ثابت" وهذه المرأة كانت أشد تطرفا من هدى شعراوي وإن كانت أقل شهرة وهي لا تخجل من الاشمئزاز من بلدها وأرضها القاحلة التي تنبت رجالا قساة غلاظا لا بد من إرسالهم إلى أوروبا عسى أن يمسسهم حظ من التقدم والرقي والمدنية، تقول: (تربة مصر كلها تربة جافة لا تنتج إلا رجالا قساة القلوب جامدين! فليت شعري أفي وسعنا أن نجندهم ونرسلهم في بعثة إلى شمال أوربا)([1]). 

العامل الثاني: الاستمرار والمثابرة على تحقيق الأهداف

وهناك استراتيجيات كثيرة لتحقيقه فقد يكون الهدف واضحا ومحددا في مؤسسات صنع القرار ولكنه غير معلن بالنسبة لعامة الناس بل وعامة المثقفين والمهتمين، وعدم تسليط أضواء الإعلام عليه أمر مقصود طبعاً.

وقد يتم التعبير عنه بلغة غامضة مطاطية كما حدث مع الوثائق الأممية المتعلقة بالمرأة كاستخدام مصطلح الجندر والصحة الإنجابية.

وقد يكون المصطلح معروفا في حد ذاته ولكنه يحمل بمعان جديدة ليس لها علاقة بالمصطلح الأساسي كما فعلوا مع مصطلح العنف في الوثيقة الأخيرة.

ففي كل عام وفي شهر مارس تحديدا لابد من الاجتماع وإصدار وثيقة جديدة لتوضيح وثيقة بكين فتكشف جزءا مما خفي أو تؤكده بالإضافة لتقييم ما تم إنجازه بالفعل وسبل الضغط على الحكومات والمجتمعات للتقدم خطوات أخرى.

مخططات وآليات

وليكن حديثنا منصبا على العامل الأول، أي هؤلاء المفتونين بالفكر الغربي ومخططاتهم المتنوعة للوصول لهدفهم الاستراتيجي الذي عبر عنه الدكتور طه حسين بكل وضوح، فما هي الآليات التي يتعاطون معها لتحقيق المشروع العلماني العالمي؟   

الآلية الأولى: الإعلان عن احترام الدين الإسلامي والشريعة الإسلامية وأن ما يتم الدعوة إليه هو قلب ولبّ الدين

تقول منيرة ثابت: (وقد كان الدين الإسلامي أول سابق إلى هذه المساواة فأعطى المرأة حرية التقاضي بدون إذن من زوجها وحرية المعاملات جميعها من بيع وشراء ورهن وارتهان وإيجار واستئجار وهبة وغير ذلك.

وجرت التقاليد على هذه السنة حتى اعترف الفقهاء للمرأة بتولي القضاء متى توفرت فيها الشروط اللازمة لذلك وليس يخفى أن منصب القضاء هو أرفع المناصب وأجلها شأنا في الإسلام. 

واعترف الفقهاء للمرأة أيضا بحق الحكم وإدارة شئون الرعية فتولى الحكم كثير من النساء في الممالك الإسلامية، أخص بالذكر منهن الملكة المصرية شجرة الدر التي اشتهرت بالعدل والحكمة والتي نالت مصر على يدها ما لم تنل مثله إلا على يد كبار الملوك، إذن شريعتنا الإسلامية وتقاليدنا الشرقية سبقت المدنية الغربية في الاعتراف بحقوق المرأة السياسية)([2]).

ومن الملاحظ على هذا الخطاب مزج التقاليد بالدين بالتجربة التاريخية وهو خلط مقصود لإثارة طبقة من الغبار الكثيف على وجه الحقائق الناصعة.

وهو نفس الخطاب الذي تستخدمه مرفت التلاوي عند حديثها عن اتفاقيتي سيداو وبكين والوثيقة الأخيرة (إلغاء ومنع كافة أشكال العنف ضد النساء والفتيات) لأنها تعتبرها تمثل روح الشريعة لذلك فقد أرسلت نسخة منها لهيئة كبار العلماء في الأزهر الشريف - معتمدة على غموض ومطاطية المصطلحات -  لتظهر للرأي العام مدى الثقة التي تتمتع بها ومدى تطابق الوثيقة مع روح الشريعة، وفي نفس السياق أكدت التلاوي أن الإسلام "دلل المرأة" ومنحها حقوقاً لم ترد في القوانين الوضعية للدول المتقدمة، وقالت "لن نسمح بتشوية صورة الإسلام.. ولا نريد أكثر من الشرع"([3]).

الآلية الثانية: تشويه صورة الرجل واعتباره ليس شريكا للمرأة في الحياة الإنسانية وأخا لها إنما عدو يناصبها العداء ويسعى لتحقيرها وتهميشها

 تقول منيرة ثابت: (ومن الطبيعي أن يعترض الرجل ولا يسلّم بهذا الحق (تقصد حق الترشح والانتخاب) إذ يخشى منه منافسة المرأة له في ميدان العمل والسياسة الذي يريد الاستئثار به)([4]).

بل ويصل الحال للرغبة في ممارسة العنف إزاء الرجل الكريه الذي سلب المرأة حقوقها ومكتسباتها (والآن ماذا نحن فاعلات بكم أيها الرجال؟؟ أنثور عليكم ونأخذكم بالعنف كما فعلت نساء الإنجليز فنسترد منكم حقوقنا بالقوة؟ أظن أن هذا هو الذي سيكون بيننا وبينكم)([5]).

رجل التيار الإسلامي: لكن وفي خطوة تصعيدية جديدة أصبح التشويه منصبا على الرجل ذي التوجه الإسلامي تحديدا، بل الرجل والمرأة اللذين يحملان رؤية إسلامية واعتبار هذه الرؤية تخريبية مدمرة والجهر بذلك واعتبار العلمانية هي الأصل، تقول نوال السعداوي حول سياسة تجفيف المنابع: (العلاج ليس فقط إصدار قرار بمنع النقاب والحجاب في المدارس، سواء على التلميذات أو المعلمات، ولكن بفصل الدين عن التعليم والدستور والثقافة والفنون والقوانين العامة في الدولة، والقوانين الخاصة في الأسرة لابد من إصدار قانون يعاقب الأم أو الأب الذي يفرض الحجاب على ابنته في مرحلة الطفولة أو بعدها)([6])، فسعداوي ترى أن التبرج هو الأصل وأن من تتجاوز هذا الأصل وتريد أن ترتدي الحجاب أو النقاب فليس لها الحق في هذه الحرية ويجب منعها بقوة السلطة.

وفي خطوة تدعو للسخرية الممزوجة بالشفقة من العقول المريضة التي تنسج بخيالها العفن مسوغات جديدة لتشويه الرجل الملتزم بدينه تأتي تصريحات مها أبو بكر القيادية الشابة بجبهة الإنقاذ الوطني، حيث تقول: (إن النظام الحاكم وجماعة الإخوان المسلمين، يمتلكون ميلشيات لتعذيب وخطف الشباب، وأخرى للاعتداء والتحرش بالمتظاهرات.

وشددت على أن الهدف الرئيسي من هذه العمليات ليس الإيذاء البدني للسيدات بل الإيذاء النفسي وكسر النفس، حتى لا يخرجن في مظاهرات بالميادين مرة أخرى، وتشويه صورة المشاركات بالمسيرات، قائلة: (قد لا يكون منفذو التحرش من أعضاء الجماعة، لكنهم في النهاية ينتمون لها) .

هذه التصريحات السخيفة وجدت صدى ضخما في وسائل الإعلام التي كانت لهم فيها الغلبة دون أن يسألوا أنفسهم سؤالا بسيطا وهو: كيف يتشدد هؤلاء الإسلاميون كما يعتقدون من النظر والاقتراب من المرأة ثم يحرضون على التحرش بها؟! ولكن الصورة الشيطانية التي قرروا رسمها للإسلاميين مباح فيها الكذب لأقصى درجاته ثم بالتكرار والإلحاح على عقل المشاهد يطمحون لتحقيق الهدف.. هؤلاء هم العامل الأهم في نشر الفكر العلماني العالمي ورؤيته المتعلقة بالمرأة والأسرة والذي ينبغي أن تكون مقاومتنا لهم على رأس أولوياتنا.

 



[1] - منيرة ثابت .. ثورة في البرج العاجي، ص 59.

[2] - السابق ص 31، 32.

[3] - هذه الكلمة ألقيت في ندوة للمجلس بالمنيا ونقلتها الصحف المحلية.

[4] - منيرة ثابت .. مصدر سابق ص 52.

[5] - السابق ص 9.

[6] - نوال السعداوي .. ماذا يحدث للنساء تحت اسم الإسلام؟ .. مقال منشور في موقع المرأة الجديدة.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: