سطور من الذاكرة\العدد مائة وواحد وعشرون - رجب - 1434 هـ
الخميني يعزل نائبَه منتظري
الأحد 12 مايو 2013

 هيثم الكسواني – كاتب أردني

 

خاص بالراصد

كـ "القطة التي تأكلُ أبناءها"، هكذا يمكن وصف حال الثورة الإيرانية التي قادها المرجع الشيعي روح الله الخميني للإطاحة بنظام الشاه محمد رضا بهلوي في سنة 1979م، فبعد أن استتبّ الأمر للخميني، ورسّخ أقدامه في السلطة، انتهى الأمر بالكثير من شركائه في الثورة، بل وحتى بعض أتباعه ومساعديه، إلى القتل والعزل والمنافي والسجون والإيذاء.

ويعدّ رجل الدين حسين منتظري أحد هؤلاء الذين أكلتهم الثورة وضحّى بهم الخميني، لكنه في الوقت نفسه ليس كأحد هؤلاء، فلقد كان منتظري على بُعد خطوة واحدة من أن يصبح زعيم إيران وحاكمها الأعلى ومرشد ثورتها، إذ كان نائبا لمرشد الثورة، روح الله الخميني، وخليفته المنتظر، لكن السحر انقلب على الساحر، فبين عشية وضحاها عزل الخميني نائبَه وخليفتَه، الذي أصبح مطرودا منبوذا.

وُلد المرجع الشيعي الإيراني حسين علي منتظري في سنة 1922م، وكان من المعارضين لنظام الشاه، وفي نفس الوقت هو من أبرز رجال الدين الشيعة في إيران حتى لُقب بـ "الفقيه الأعظم". وبعد نجاح الثورة كان منتظري إلى جانب الخميني، الذي سرعان ما عيّنه نائبا له، وخليفة من بعده([1])، فقد كان الخميني يحب منتظري حبّا كبيرا ويصفه بأنه زهرة عمره.  

لكن هذه المودة لم تدم، وتحول منتظري فجأة من نائب للخميني و(زهرة عمره) إلى شخص فاسد وخائن وساذج، ومتستر على الفاسدين والخائنين، فقد وجّه له الخميني رسالة قاسية جدا في شهر مارس/ آذار من سنة 1989م (نفس العام الذي توفي فيه الخميني) يُعلمه فيها بعزله، ومما جاء في الرسالة:

"ولا يسعني هنا إلا أن أقول بأنك ستسلم البلاد والثورة الإسلامية من بعدي للجناح الليبرالي ومن خلالهم للمنافقين. لقد فقدتَ صلاحية وشرعية قيادة النظام مستقبلاً. إنك تعتقد ومِن خلال تصريحاتك ومواقفك بضرورة حكم البلاد من قبل الجناح الليبرالي والنفاق. ولا أراك تكلمتَ الا بما أملاه عليك المنافقون الذين لا أعتقد بجدوى الرد عليهم..".

وفي موضع آخر يقول الخميني لمنتظري: "مِن الآن فصاعداً لستَ خليفتي، وسأعفيك حتى من المسائل المالية التي يرجع فيها الطلاب إليك... وفي الختام أسأل الله أن يمنح شيخكم العجوز الصبر والعفو، وأن يتوفاني قبل أن ألمس خيانة أصحابي...".

وفي تحليل الأسباب التي دفعت الخميني لعزل منتظري يمكن أن نورد ما يلي:

1-  أن الخميني عُرف عنه الغدر والتنكر لمن ساندوه في الثورة، والبطش بمن يخالف رأيه، أو يختلف معه، لذلك سيق الكثير من هؤلاء إلى المشانق والسجون والمنافي.

2-  الصراع الذي نشأ على السلطة في إيران، إذ دخل منتظري في صراعات مع جماعات وأشخاص أقوياء وخاصة علي خامنئي، الذي أصبح مرشدا للثورة بعد الخميني، وهاشمي رفسنجاني، الرئيس الأسبق، ما جلب عليه غضب الخميني.

3-  انتقاد منتظري للانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان التي كانت تجري في إيران بأمر الخميني ومباركته، وفي رسالة الخميني سالفة الذكر انتقاد شديد لمنتظري لمطالبته بوقف هذه الانتهاكات والإعدامات الجائرة، فقد اعتبر الخميني هذه المطالبة دفاعا عن المنافقين والمفسدين. يقول الخميني في رسالته: "لقد دافعتَ بشكل مستميت عن بعض المنافقين الذين شهروا أسلحتهم ضد النظام ليُحكموا بالإعدام، ثم أسديتَ للاستكبار خدمات عملاقة بما كشفتَ من أسرار وهوّلتَ أعدادهم لتجعلهم ألوفا مؤلفة..".

4-   انتقاد منتظري أيضا لنظرية ولاية الفقيه([2]) التي بنى عليها النظام الإيراني بعد الثورة شرعيتَه، رغم إيمانه بها، لكنه كان يخالف الخميني في بعض جزئياتها، فالخميني كان يعتقد أن ولاية الفقهاء على الناس ولاية دينية إلهية، جعلها الله لهم كما جعلها للرسول صلى الله عليه وسلم وللأئمة المعصومين، أما منتظري فكان يعتقد أن ولاية الفقهاء يجب أن تتم بالانتخاب، إلى غير ذلك.

 

للاستزادة:

1-  الراصد نت.

2-  تطور الفكر السياسي الشيعي – أحمد الكاتب.

3-  الثورة البائسة – د. موسى الموسوي

4-  صحف ومواقع إلكترونية (الجزيرة نت، الشرق الأوسط، ويكيبيديا).



[1] - يلفت الدكتور موسى الموسوي في كتابه (الثورة البائسة) إلى أن الخميني باتخاذه منتظري وليا للعهد من بعده فإنه صنع مثل ما صنع الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه من تولية ابنه يزيد وليّا لعهد المسلمين من بعده (ص 164).

ومعلوم أن الشيعة تشنّع على معاوية صنيعه هذا، وتعتبره سبب انحراف نظام الحكم في الإسلام، في حين أن معظم الدول الشيعية التي قامت في القديم والحديث كالدولة البويهية والصفوية والقاجارية تبنت النظام الملكي الوراثي وولاية العهد.

[2] - نظرية سياسية شيعية حديثة أفسحت المجال لتولي رجال الدين الشيعة الحكم في إيران، وعالجت موضوع غيبة الإمام الثاني عشر عند الشيعة الإمامية، حيث استقر الفقه الشيعي منذ غيبة المهدي المنتظر المزعوم في سنة 260هـ على أنه لا شرعية لأية دولة تقوم قبل ظهور المهدي، ولا شرعية لحاكمها، باعتبار أن الدولة والقيادة هي من صلاحيات المهدي.

والخميني هو أول من جسّد (ولاية الفقيه) عملياً، حيث نقل صلاحيات المهدي المنتظر إلى فقهاء الشيعة، معتبرا أنه لا يجوز أن يظل الشيعة في انتظار، لا سيما وأن غيبة المهدي مضى عليها قرون طويلة، وقد تمر قرون أخرى قبل أن يظهر. وبناء عليه فإن فقهاء الشيعة يستطيعون ممارسة صلاحيات المهدي في غيبته (انظر: هيثم الكسواني، مصطلحات الشيعة الإثنى عشرية، الراصد نت، العدد 113، على الرابط):

 http://www.alrased.net/main/articles.aspx?selected_article_no=5849

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: