سطور من الذاكرة\العدد مائة وعشرون - جمادى الأخرة 1434 هـ
الحافظ السلفي والدولة الفاطمية
الأربعاء 10 أبريل 2013

 هيثم الكسواني

 

على الرغم من أن الحافظ السلفي رحمه الله تجنّب الصدام بالدولة العبيدية الفاطمية التي حكمت مصر بين عامي 358 – 567هـ، إلاّ أن جهوده العلمية، وترسيخه لمذهب أهل السنة هناك، كان لهما الأثر الكبير في إضعاف هذه الدولة الشيعية الإسماعيلية، ثم القضاء عليها، وبالتالي إعادة مصر إلى مذهب أهل السنة ودولة الخلافة العباسية، وهو ما تحقق لاحقاً على يد صلاح الدين الأيوبي رحمه الله.   

الحافظ السلفي في سطور

ذكره الإمام ابن كثير رحمه الله في وفيات سنة 576هـ، فقال: "أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم سلفة، الحافظ الكبير المعمّر، أبو طاهر السِّلفي الأصبهاني، وإنما قيل لجدّه إبراهيم سِلَفة لأنه كان مشقوق إحدى الشفتين، فكان له ثلاث شفاه، فسمّته الأعاجم بذلك. قال القاضي ابن خلكان: وكان السلفي يلقب بصدر الدين، وكان شافعي المذهب، ورد بغداد واشتغل بها على إلكيا الهراسي، وأخذ اللغة عن الخطيب أبي زكريا يحيى بن علي التبريزي، وسمع الحديث الكثير، ورحل في طلبه إلى الآفاق ... وكان مولده فيما ذكر المصريون في سنة ثنتين وسبعين وأربعمائة.."([1]).

مصر آنذاك

وبعد تنقل في الأمصار، حطّ السلفي رحاله في مصر، وتحديدا في مدينة الإسكندرية، في سنة 511هـ، وفي نيّته الانتقال منها إلى بلاد الأندلس، لكنّ أسبابا عديدة جعلته يتخذ من الإسكندرية مقاما، ويعدل عن التوجه إلى الأندلس، منها ما لقيه من أهل الإسكندرية من حفاوة ومحبة، ومنها موقع الإسكندرية المتوسط لبلدان العالم الإسلامي، الذي جعلها محطّا لكثير من العلماء والأدباء الذين كانت بلادهم مسرحا للحروب الصليبية، أو الذين احتلت بلادهم، إضافة إلى أن أهل السنة في الإسكندرية تمتعوا بحرية دينية أكثر من القاهرة([2]).

في تلك الفترة، كانت الدولة العبيدية الفاطمية، صاحبة المذهب الشيعي الإسماعيلي، تسيطر على مصر وأجزاء أخرى من العالم الإسلامي، وتتخذ من القاهرة عاصمة لها، وتجعلها مركزا للنشاط الإسماعيلي. أما الإسكندرية الواقعة في شمال مصر، فقد ظلت مدينة سنية برغم خضوعها لحكم الفاطميين، وظل أهلها سنةً على مذهب الإمام مالك، وكانت تمثل مركز المقاومة والرفض للعبيديين الفاطميين، ومذهبهم الذي نجحوا في نشره أو فرضه في أماكن كثيرة.

اشتغل الحافظ السلفي منذ وصوله إلى الإسكندرية بنشر العلم، وغدا بعد سنوات شيخها الأول، حتى قيل: "والإسكندرية تبع لمصر، ما زال بها الحديث قليلاً حتى سكنها (السلفي) فصارت مرحولاً إليها في الحديث والقراءات"([3]).

ومن أجل تبليغ دعوته ونشر منهج أهل السنة، تجنب السلفي الاصطدام بالفاطميين، كما تجنب نقدهم والإساءة إليهم حتى لا يؤذوه كما آذوا غيره من علماء الإسكندرية، أو يمنعوه من التحديث كما منعوا غيره، إذ رأى أن تجنب الصدام سيساعده في نشر علوم أهل السنة التي حاربها الفاطميون، وسيساعده في تأدية رسالته.

"ومما ساعد الحافظ السلفي في نجاحه في تأدية رسالته أن الدولة الفاطمية في تلك الفترة في (511ه - 567ه" قد أخذ نجمُها ينحدر نحو الأفول والزوال، وأن الخلفاء أنفسهم كانوا ضِعافاً مسلوبي الإرادة والإدارة، يتحكم في أمورهم ومصائرهم الوزراء المتصارعون على كرسي الحكم ومركز القوة والسلطان، وأن أولئك الوزراء لم يكونوا حريصين على رعاية المذهب الفاطمي والمحافظة عليه بقدر ما كانوا حريصين على السيطرة والبقاء في سدة الحكم، بل كان بينهم وزراء سنّيون، وهؤلاء الوزراء جميعاً على اختلاف مذاهبهم لم يكن يهمّهم أمر الذهب الفاطمي في كثير أو قليل، وكانت صلته بولاة الإسكندرية السنيّين الذين لم يتمذهبوا بالمذهب الفاطمي حسنة طيبة، فهم كانوا يحبونه ويجلّونه، ويعرفون له قدره، ويحضرون دروسه، ويقرأون عليه،.."([4]).

المدرسة العادلية

ويعتبر العادل بن السلار أبرز الوزراء الذين كان لهم تأثير في مسيرة السلفي وفي نشر دعوته، فابن السلار هو ثاني سني يتبوأ منصب الوزارة في الدولة الفاطمية، بعد رضوان بن ولخشي الذي تولى الوزارة سنة 531هـ/ 1137م([5])، ولم يكن توليته ولا تولية رضوان من قبله حبا من العبيديين في أهل السنة، إنما رضوخا للأمر الواقع، إذ "تميزت السنوات الأخيرة من عمر الدولة العبيدية الفاطمية بازدياد نفوذ الوزراء، مقابل ضعف الحكام، الذين كانوا يتسلمون الحكم وهم صغار غير بالغين، وكانت الخلافات والمعارك عادة ما تنشب بين الوزراء، لتنتهي بتولي المنتصر الوزارة.."([6]).  

وقبل أن يكون العادل بن السلار وزيرا للدولة الفاطمية، كان واليا للإسكندرية، وخلال تلك الفترة احتفى بالحافظ السلفي، وكان ابن السلار حريصا على تعزيز مذهب أهل السنة، ومن جملة ما اتخذه لذلك أن بنى مدرسة لنشر منهج أهل السنة على المذهب الشافعي، وأوكل إدارتها والإشراف عليها للسلفي، وعُرفت هذه المدرسة باسم "المدرسة العادلية" وكذلك "المدرسة السلفية".

وبرغم الأهمية التي أولاها ابن السلار للمدرسة في نشر مذهب أهل السنة، ومقاومة العقائد الشيعية، إلاّ أنه لم يكن أول من اتخذ هذا الأسلوب (إنشاء المدارس) في مقاومة العقائد المنحرفة، إذ سبقته في ذلك عدة تجارب، منها: المدارس النظامية التي أسسها وزير الدولة السلجوقية، نظام الملك (ت: 485هـ)، لمقاومة الباطنية([7])، ومنها المدرسة الحافظية، والتي تعرف أيضا باسم (المدرسة العوفية) والتي أسسها الوزير رضوان بن ولخشي (ت: 542 هـ) في الإسكندرية لمقاومة الفاطميين، وأوكل إدارتها إلى الفقيه المالكي أبي الطاهر بن عوف.

أدّت المدرسة العادلية/ السلفية دورها على خير ما يرام، فقد جعل منها السلفي مركز إشعاع لإعادة أهل مصر إلى عقيدة أهل السنة التي حاول الفاطميون طمسها، "وقد تجلى تأثيرها واضحاً في أهل الإسكندرية بالذات من موقفين واضحين:

أوّلهما: يوم خرجوا مع واليهم ابن السلار للاستيلاء على الوزارة في القاهرة.

وثانيهما: يوم وقفوا يحاربون مع صلاح الدين ويناصرونه ضد الوزير الفاطمي شاور، وحُلفائه الصليبيين، فلم يخذلوه أو يتخلّوا عنه رغم الحصار الشديد الذي فُرض عليهم ثلاثة شهور، بل حاربوا معه جنباً إلى جنب وبذلوا له كل ما يملكون من قوة ومال ورجال، إلى أن فكّ شاور والصليبيون الحصار.

وقد احتفظ صلاح الدين الأيوبي لأهل الإسكندرية بهذا الجميل، فلما أزال الدولة الفاطمية وأقام على أنقاضها دولته الأيوبية، أَولى الإسكندرية اهتماماً خاصاً ورعاية كبيرة .."([8]).

 

للاستزادة:

1-  الدكتور علي محمد الصلاّبي، صلاح الدين الأيوبي، وجهوده في القضاء على الدولة الفاطمية وتحرير بيت المقدس، دار المعرفة، بيروت، ط2، 1429هـ، 2008م.

2-  الحافظ أبو الفداء بن كثير، البداية والنهاية، طبعة مؤسسة المعارف ودار ابن حزم، بيروت، 1430هـ، 2009م.

3-  هيثم الكسواني، مقال "ابن السَّلار وزير سني في الدولة الفاطمية"، مجلة الراصد، العدد 71، جمادى الأولى 1430هـ.



[1] - البداية والنهاية ص 2645.

[2] - صلاح الدين الأيوبي، ص 309 – 310.

[3] - المصدر السابق ص 311.

[4] - المصدر السابق ص 316.

[5] -  يمكن قراءة المزيد عن الوزير رضوان: مجلة الراصد، العدد 69، أو على الرابط:

 http://www.alrased.net/show_topic.php?topic_id=1256

[6] - مقال "ابن السَّلار وزير سني في الدولة الفاطمية".

[7] - انظر المزيد عن هذه المدارس، مجلة الراصد العدد 63، رمضان 1428هـ، أو على الرابط: http://www.alrased.net/main/articles.aspx?selected_article_no=4602&search=1

[8] - صلاح الدين الأيوبي، ص 312.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: