زواج المتعة .. نساء للبيع
الجمعة 11 يناير 2013

 

 فاطمة عبد الرءوف – كاتبة مصرية

 

خاص بالراصد

عندما خلق الله عز وجل الإنسان خلقه مكرما )وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) [الإسراء: 70]. لا فارق في ذلك بين الرجال والنساء (إنما النساء شقائق الرجال) رواه أحمد.

المرأة إذن مخلوق مكرم تماما كأخيها الرجل. هذه هي نظرة الإسلام للمرأة وجميع التشريعات التي جاء بها الإسلام هي في مقصدها النهائي لتعزيز هذه الكرامة الإنسانية، لقد جاءت حزمة التشريعات الإسلامية المتعلقة بالمرأة لتنشلها من درجة مخلوق لا رأي له ولا قيمة أكثر من كونه أداة متعة وتسلية يلعب بها ثم تُلقى جانبا إلي إنسان كامل المسئولية مكلف بالأمانة .. ربما يختلف الدور الذي تلعبه المرأة عن الدور الذي يلعبه الرجل في بعض مساحات الحياة بما يحقق خير البشرية ويؤدي إلى منظومة متكاملة متآزرة  فكانت مساحة الحياة الأسرية أكبر في حياة المرأة باعتبارها الحاضنة الأولى للنشء وعلى عاتقها تقع المسئولية الكبرى في التربية ومن أجل ذلك وضعت التشريعات التي تحقق للمرأة القيام بتلك الوظيفة الإنسانية الراقية والتي تمنحها الأمن اللازم للنهوض بهذه المهمة بالغة الصعوبة.

زواج الجاهلية

عندما جاء الإسلام كان هناك عدد من صور الزواج كما روت لنا السيدة عائشة رضي الله عنها (أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء فنكاح منها نكاح الناس اليوم يخطب الرجل إلى الرجل وليّته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها.

 ونكاح آخر كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة  الولد فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع.

 ونكاح آخر يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها فإذا حملت ووضعت ومر عليها ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها تقول لهم قد عرفتم الذي كان من أمركم وقد ولدت فهو ابنك يا فلان تسمي من أحبت باسمه فيلحق به ولدها لا يستطيع أن يمتنع به الرجل.

 ونكاح الرابع يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها وهن البغايا كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علما فمن أرادهن دخل عليهن فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جمعوا لها ودعوا لهم القافة ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون فالتاط به ودعي ابنه لا يمتنع من ذلك فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم بالحق هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم) رواه البخاري.

 فكل صورة من صور الزواج لا تحقق الأمن للمرأة والحماية والرعاية الكاملة للأبناء أهدرها الإسلام وأبقى الصورة الوحيدة المتوافقة مع الفطرة الإنسانية السليمة (صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ ) [البقرة:138].

لقد اهتم الإسلام اهتماما بالغا بمسألة الزواج والأسرة حتى أن كثيرا من هذه الأحكام جاءت مفصلة بدقة في القرآن الكريم ولو قارنا بين آيات الأحكام التي تتحدث عن النظام السياسي وقارناها بتلك التي تتحدث عن النظام الاجتماعي فسوف نجد مفارقة كبيرة ففي حين ثمة توجيهات عامة ومبادىء أساسية للنظام السياسي فإن هناك تفصيلات لأدق التفاصيل في مسألة النظام الاجتماعي، ولعل الحكمة في ذلك أن النظم السياسية تتطور وفقا لحاجة العمران وتختلف صورها من عصر لعصر فلا تحتاج إلا للخطوط العريضة والفلسفة العامة بينما الحياة الاجتماعية تتسم بالمحافظة وبقوانين لا تختلف من عصر لعصر أو مع تطور المدنية.

ولو ألقينا نظرة على كتب الفقه فسنجد أن أحكام الأسرة تأخذ حيزا كبيرا جدا ربما يقارب الحجم الذي تأخذه العبادات ولو تأملنا المقاصد الكلية لهذه الأحكام فسنجد أنها تدور حول معاني العدل والرحمة والأمان والاستقرار وغيرها من القيم العليا التي ينبغي أن تهتدي بها الإنسانية.

ولكن ويا للأسف فإن هناك تفريطا في هذه المنظومة القيمية التشريعية المتكاملة سواء في الجهل ببعض أحكامها أو تجاهله أو تشويهه ولو ضربنا مثلا بذلك قضية الزواج المؤقت أو زواج المتعة التي عادت لتحتل جزءا من مشهد الحياة الاجتماعية خاصة بعد قيام الثورة الإيرانية القائمة على مذهب الشيعة الإمامية والتي أعادت الحياة لملف من أخطر الملفات التي تهدر كرامة المرأة وإنسانيتها وتعصف بحقوقها ومكتسباتها وتخلخل بناءها النفسي بعد أن تفقد أهم الحاجات الإنسانية وهي الحاجة للأمن .. أعني بذلك الملف الأسود "زواج المتعة".

نظرة تاريخية:

لو ألقينا نظرة سريعة على قضية زواج المتعة في عهد التشريع فسنجد أنها مثل الكثير من الأحكام التي تتفاعل مع الوسط الحركي المتغير للجماعة المؤمنة فكما حرمت الخمر بالتدريج وأغلق باب العبودية بتشريعات استراتيجية إن صح التعبير فإنه كان هناك إباحة لهذا اللون من الزواج لفترات قصيرة تحت وطأة الضغط الشديد الذي كان يعانيه المجاهدون الشباب في الغزوات البعيدة في مناخ شديد الحرارة يلهب الغريزة، وقرب العهد بصور متنوعة من حالة السيولة الجنسية التي كان يعاني منها المجتمع الجاهلي حتى أن البعض بلغ به الصراع بين الغريزة الجنسية غير المشبعة والوازع الديني حدا أن يطلب من النبي الخصاء لقطع دابر هذه الغريزة الملتهبة فكان زواج المتعة ولم يلبث أن حرم تحريما نهائيا إلى يوم القيامة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم (يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع بالنساء وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا) رواه مسلم.

الآثار الاجتماعية

وبعيدا عن الخوض في أدلة التحريم ومناقشة الشيعة الإمامية الذين شذوا برأيهم هذا عن إجماع الأمة بأدلة متهافتة وخصومة سياسية ضخمة فإننا سننظر في الآثار المرة على المرأة والأسرة والمجتمع التي يخلفها نظام المتعة في البيئات الشيعية التي أخذت به.

لعل أسوأ الآثار على الإطلاق العودة بالمرأة إلى عصور الانحطاط والنظر إليها كسلعة .. بضاعة .. مجرد جسد بلا روح أو قلب والانحطاط بالزواج إلى شكل بهيمي خالص لا يسعى لغير المتعة الجسدية بصورة حيوانية بحتة. إنه زواج بلا حقوق أو ضمانات للمرأة مجرد دراهم معدودة تؤخذ في نهاية المدة المحددة للمتعة تماما كالبغي.. نفس التستر والكتمان.. لا شهود ولا إشهار ولا نفقة ولا صداق ولا حفل ولا عرس ولا فرحة ولا حب ولا سكينة.. لا شيء على الإطلاق إلا إطفاء سعار الغريزة ثم ينتهي كل شيء بعد ساعة بعد يوم بعد شهر.. وعلى المرأة أن تعتد من هذا السفه وتنتظر رجلا آخر يفعل بها مثل ما فعل الأول ثم يلقيها وهكذا بلا أمل ولا كرامة تعيش تلك المرأة.

قد تأخذ كل احتياطات منع الحمل الحديثة ورغم ذلك يحدث الحمل وقد لا تستطيع أخذ هذه الاحتياطات لطبيعة الانفعال والعجلة اللذين يحيطان بهذه العملية وبالتالي يحدث الحمل الذي لا يرغبه الرجل الذي يسعى لهذا الزواج الذي لا يتحمل فيه عبء أي مسئولية فيرفض الاعتراف بالطفل.. وهذا هو الواقع الذي لا يريد علماء الشيعة أن يقروه رغم أن مذهبهم لا يجبر الأب على الاعتراف بالابن ولا حتى عن طريق الملاعنة وبالتالي فأمام المرأة المسكينة أحد ثلاث طرق:

- الإجهاض وقتل النفس البريئة بل ووفاة الأم ذاتها فهناك آلاف الإيرانيات اللاتي يتوفين كل عام جراء عمليات إجهاض بسبب المتعة.

- إلقاء الطفل على قارعة الطريق لقيطا مشردا .. اعترف رفسنجاني منذ سنوات أن هناك أكثر من 250 ألف طفل لقيط في إيران بسبب المتعة.

 - الاحتفاظ به ومواجهة مستقبل مظلم محفوف بالفقر والعار لمجهول النسب.

وهذا يدفعنا للجريمة الثانية جراء زواج المتعة، هي هؤلاء الأبناء الذين لا يعترف بهم وحتى لو تم الاعتراف بهم فإن نظرة المجتمع تبقى نظرة دونية لهم، إنهم يفتقدون الحاجة للأمن والحاجة للحب والحاجة للتقدير والحاجة للانتماء وهذه الحاجات أساسية في البناء النفسي للطفل والمراهق وعندما يتخلخل هذا البناء النفسي فلا شك أن النتيجة ستكون وخيمة وإلا فهل يرضى أي من المراجع الشيعية الكبرى أن يُعرف عنه أنه ابن متعة؟! يكفي في ذلك أن أحد المرجعيات الشيعية الكبرى عندما سئل: هل تقبل أن تتزوج ابنتك زواج متعة؟ صمت وتجاهل الإجابة وفي ذلك أبلغ دليل على أن الفطرة لا تقبل أبدا هذا السِّفاح والامتهان.  

ولعل من آخر المصائب التي تم اكتشافها كأثر من آثار زواج المتعة هو ارتفاع معدلات الإصابة بمرض الإيدز نتيجة لهذه الكثرة غير المحسوبة في عدد مرات التمتع فمن الممكن أن يتمتع الرجل كل يوم بامرأة مختلفة ومن ثم يصبح من السهولة بمكان انتقال فيروس الإيدز وكافة الأمراض الخطيرة التي تنتشر بالاتصال الجنسي وفي هذا من الضرر على الأمة ما لا يجهل بحال.

هل المتعة حل لمشكلة الزنا؟

زواج المتعة لم يقدم أي حل للمشكلات الاجتماعية فلم يتوقف البغاء والزنا (على فرض أن المتعة ليست زنا) فعلماء الشيعة يزعمون أن المتعة هي التي ستغلق الباب نهائيا في مواجهة الزنا حيث لا عذر للزاني، فمجرد اتفاقه مع الأنثى وترديده لبعض الكلمات الشفهية بلا شهود وفي سرية تامة ومقابل مادي بسيط سوف يتم التنفيس عن الرغبة الجنسية.

لو صدق مثل هذا الكلام المتهافت على الرجل وظن أنه بذلك لا يتعدى حدود الله فماذا عن المرأة الفقيرة التي تحترف البغاء كمهنة (في إيران وحدها أكثر من 1.7 مليون فتاة وسيدة أي قرابة 6 في المئة من النساء الإيرانيات فررن من منازلهن وانتهى الأمر بهن إلى ممارسة الفاحشة) هل ستنتظر حيضتين حتى تتزوج متعة مرة أخرى؟ أمر لا يمكن تخيله لفتاة بغاء تحترف الفاحشة فكيف إذن يحل زواج المتعة مشكلتها؟ حتى لو مارسته في دور تشرف عليها وتديرها الدولة كبيوت العفاف الإيرانية وما هي إلا بيوت الرذيلة والاتجار بأجساد النساء وكرامتهن.

 إن زواج المتعة لا يمنح بصيصا من النور لهؤلاء البائسات اللاتي كنّ بحاجة لفرصة للتوبة ومنحهن فرصة للحياة النظيفة في بيت يظلله الأمان والاستقرار.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: