سطور من الذاكرة\العدد مائة وسبعة عشر - ربيع الأول 1434 هـ
الشيعة يتفرقون بعد جعفر
الجمعة 11 يناير 2013

 هيثم الكسواني

فجّرت وفاةُ جعفر الصادق، في سنة 148هـ، الخلافات بين الشيعة، واحتاروا في أمر إمامهم، واضطرب أمرُهم، كما ازدادت نظرية الإمامة تهافتاً إلى تهافتها. وجعفر بن محمد، الملقب بالصادق، يَعتبره الشيعةُ الإثنا عشرية سادس أئمتهم المعصومين، وقد نسبوا مذهبهم إليه، فغدت (الجعفرية) واحدة من التسميات التي يُعرف بها الشيعة.

جعفر ينفي أنه إمام

تعددت أقوال جعفر الصادق، والتي كان ينفي من خلالها أن يكون إماما كما كان يشيع شيعته، فينقل الباحث الشيعي أحمد الكاتب عن بعض مصادر الشيعة كبصائر الدرجات للصفار والإرشاد للمفيد أن وفدا من شيعة الكوفة جاء إلى جعفر "وسألوه: يا أبا عبد الله، إن أناساً يأتوننا يزعمون أن فيكم أهل البيت إمام مفترض الطاعة؟ فقال لهم: لا، ما أعرف ذلك في أهل بيتي، فقالوا: يا أبا عبد الله إنهم أصحاب تشمير وأصحاب خلوة وأصحاب ورع، وهم يزعمون أنك أنت هو؟ فقال: هم أعلم وما قالوا، ما أمرتُهم بهذا".

اضطراب بعد جعفر

وبالرغم من ذلك إلاّ أن الشيعة اعتبروا جعفرا الصادق إماما معصوما، وغلوا فيه وفي باقي الأئمة غلوا كبيرا، وبعد وفاته اضطرب أمرهم اضطرابا كبيرا، على الرغم من أنهم يقولون إن الإمام معيّن من الله، وإنه ينصّ على الإمام الذي يليه (كما سيأتي بيانه)، ومع ذلك فإن هذه المزاعم لم تمنعهم من الاختلاف والاضطراب، فقد ذهب الشيعة في الإمامة بعد جعفر الصادق مذاهب شتى، وساقوها إلى أشخاص عديدين، وانقسموا إلى فرق عديدة:

1-  فرقة زعمت أن جعفرا لم يمت، وأنه هو المهدي المنتظر، وادّعت أنه قال: "إن جاءكم من يخبركم عني أنه مرّضني وغسلني وكفّنني فلا تصدقوه، فإني أنا صاحبكم صاحب السيف". وعُرفت هذه الفرقة باسم "الناووسية" نسبة إلى رئيس لهم من أهل البصرة اسمه عجلان بن ناووس.

2-  وفرقة أقرّت بموت جعفر، ونقلت الإمامة إلى ابنه محمد، زاعمين أن جعفرا هو الذي أوصى بها لابنه هذا، وقالوا بأن محمدا دخل ذات يوم على أبيه وهو صبي صغير، فقام جعفر وقبّله، ومسح التراب عن وجهه، ووضعه على صدره، وقال: "سمعت أبي يقول: إذا ولد لك ولد يشبهني، فسمّه باسمي، فهو شبيهي وشبيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وعلى سنته". وعُرفت هذه الفرقة باسم السميطية أو الشميطية، نسبة إلى رئيس لهم يسمى يحيى بن سميط أو شميط.

3-  وفرقة ثالثة ساقت الإمامة إلى عبدالله، وهو أكبر أبناء جعفر الصادق، ولُقّب هؤلاء بـ "الفطحية" لأن عبد الله كان أفطح الرجلين، ونَسب أتباعه إلى أبيه وجدّه أنهما قالا: "الإمامة في الأكبر من ولد الإمام". واستندت الفطحية في اعتقادها بإمامة عبد الله بأنه احتل مقام الإمامة بالوصية والكبَر والجلوس مجلس أبيه.

كما عُرفت هذه الفرقة باسم "العمارية" نسبة إلى زعيم منهم يسمى عمّارا. ولأن عبد الله مات بعد أبيه بسبعين يوماً دون أن يخلف ولدا تستمر الإمامة في ذريته، فقد تراجعت هذه الفرقة عن القول بإمامته، إضافة إلى أنها وجدته غير كفؤ للإمامة.

ويقول أحد كبار الشيعة في ذلك الزمن، وهو هشام بن سالم الجواليقي، إنه دخل على عبد الله الأفطح مع مجموعة من الشيعة، وإنهم سألوه بعض المسائل الفقهية فلم يُجبهم بصورة صحيحة، مما دفعهم إلى التشكيك بإمامته والخروج من عنده حيارى ضلالاً "... فقعدنا في بعض أزّقة الكوفة باكين حيارى لا ندري إلى أين نتوجه ولا من نقصد، ونقول: إلى المرجئة؟.. إلى الزيدية؟.. إلى المعتزلة؟ .. إلى الخوارج؟..".

4-  وفرقة قالت بأن الإمام بعد جعفر هو ابنه إسماعيل، رغم أن إسماعيل مات في حياة أبيه، ونفوا بأن يكون إسماعيل قد مات في حياة أبيه، إنما كان ذلك من جهة التلبيس من أبيه على الناس، لأنه خاف فغيّبه عنهم، وزعموا أن إسماعيل لا يموت حتى يملك الأرض، ويقوم بأمور الناس، وأنه هو القائم، لأن أباه أشار إليه بالإمامة بعده. وتعرف هذه الفرقة باسم "الإسماعيلية" وما يزال لأتباعها وجود لغاية اليوم.

5-  وفرقة خامسة صرفت الإمامة إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر، قائلة إن الأمر كان لإسماعيل في حياة أبيه، لأن جعفرا نصّ عليه في حياته، فبقيت الإمامة في عقبه، فلما توفي قبل أبيه جعل جعفر الأمرَ لمحمد بن إسماعيل، ولا يجوز غير ذلك، لأن الإمامة لا تنتقل من أخٍ إلى أخٍ بعد الحسن والحسين رضي الله عنهما.

6-  وفرقة ساقت الإمامة بعد جعفر إلى ابنه موسى، الملقّب بالكاظم (ت 183هـ)، وسُموا بالموسوية، وفيهم يقول عبد القاهر البغدادي: "هؤلاء ساقوا الإمامة إلى جعفر، ثم زعموا أن الإمام بعد جعفر كان ابنه موسى بن جعفر، وزعموا أن موسى بن جعفر حيٌّ لم يمت، وأنه هو المهدي المنتظر..". وقد نَسبت هذه الفرقة أقوالاً إلى الصادق تزعم أن موسى الكاظم هو الإمام بعد أبيه، منها: "إن موسى هو القائم وهذا حتم من الله".

ويبين الباحث أحمد الكاتب أن الإمامية لمّا وجدوا الكاظم لا يدعو إلى نفسه ولم يكن عليه أي نص خاص من الله أو من أبيه، فقد لجؤوا إلى سلاح المعجزات وادعاء معرفة الكاظم علمَ الغيب، ليثبتوا (الارتباط الخاص بالسماء) للكاظم، وتحديده من بين إخوته كوريث شرعي ووحيد للإمام الصادق.

ولذلك زعموا أنه لم يكن يخفى عليه كلام أحد من الناس، ولا منطق الطير، ولا كلام شيء فيه روح، وقد قال الكليني: "إن الإمام الكاظم كان يعلم متى يموت الرجل ويخبر أصحابه بذلك، كما يخبرهم بمصائرهم في المستقبل".

الإمامة على المحك

لم يكن الخلاف الشديد حول شخصية الإمام الذي يلي جعفرا الصادق إلاّ واحدا من الأمثلة الكثيرة على اضطراب نظرية الإمامة عند الشيعة، وتهافتها، برغم زعمهم أن الأئمة الإثنى عشر معيّنون من الله، وأن الإمام ينصّ على مَن يليه من الأئمة، و"أن الإمام لا يغسله إلاّ الإمام"..

ويرى الشيعة أن الإمامة أصل من أصول الدين، وأن الذي ينكر الأئمة أو واحداً منهم كافر، وهو كمن ينكر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ويعصيه، وقد زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الأئمة من بعدي إثني عشر، أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، وآخرهم القائم، طاعتهم طاعتي، ومعصيتهم معصيتي، من أنكر واحدا منهم فقد أنكرني".

ويقول شيخهم يوسف البحراني في كتابه "الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة": "وليت شعري أي فرق بيْن من كفر بالله سبحانه وتعالى ورسوله، وبين من كفر بالأئمة عليهم السلام مع ثبوت كون الإمامة من أصول الدين".

فإذا كانت الإمامة بهذه الدرجة من الأهمية عند الشيعة، وكان منكرها كافرا، وكان المنكر لواحد من الأئمة كالمنكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف يريد الشيعة من الأمة – كي لا تصبح كافرة - أن تؤمن بإمام لم يجمع عليه الشيعة، واختلفوا فيه اختلافا كثيرا؟!

الأزمة تتكرر اليوم:

الآن تتكرر أزمة الإمامة من خلال أزمة الولي الفقيه بعد علي خامنئي، حيث يدور صراع مكتوم على وراثته وخلافته، وتتنوع الخيارات بين ابنه مجتبى، أو بعض الشخصيات المتطرفة والغالية مثل آية الله مصباح يزدي، وبين من يطرحون الولاية الجماعية لعدم توفر شخص تجتمع فيه مواصفات الولي الفقيه، وسنشهد قريباً – بعد وفاة خامنئي المريض- نتيجة هذه الصراعات التي ستكتب فصلاً جديداً في مسار التشيع التاريخي.

للاستزادة:

1-    الفرق بين الفرق – عبد القاهر البغدادي.

2-    تطور الفكر السياسي الشيعي – أحمد الكاتب.

3-    الإسماعيلية تاريخ وعقائد – الشيخ إحسان إلهي ظهير.

4-    مع الإثنى عشرية في الأصول والفروع – د. علي السالوس.

5-    حقيقة الشيعة – عبد الله الموصلي.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: