بين أحضان النصارى والشيعة.. صوفيين خنجر في خاصرة الإسلاميين
الخميس 13 ديسمبر 2012

معتز بالله محمد – كاتب مصري

 

خاص بالراصد

لم تقف غالبية الطرق الصوفية موقفا سياسيا محايدا على طول الخط، فكما انحازت غالبيتها لمبارك الذي حرص دائما على استمالتها خلال فترة حكمه التي انتهت بثورة عارمة ضده في يناير 2011، تحالفت الصوفية مع القوى العلمانية والليبرالية للتصدي للصعود الهائل للتيار الإسلامي بعد الثورة، بل ذهبت لأبعد من ذلك بكثير وتحالفت مع النصارى تحالفا معلنا لمواجهة الإسلاميين، ووضعت يدها في يد أيتام مبارك المصطلح على تسميتهم بالفلول، وتحالفت مع الشيعة في مصر إلى حد أن هدد أحد قادة الصوفية ومن إيران باللجوء للعنف وإعلان "الجهاد" لمواجهة النفوذ المتعاظم للسلفيين، داعيا إلى ضرورة توحد الصوفية والشيعة لمواجهة ما دعاه بالخطر الذي يتهددهم، ألا وهو تقلد الإسلاميين من أهل السنة والجماعة للحكم في البلاد، ومن ثم لم يكن من الغرابة بحال أن يتطور الخطاب الصوفي لينادي بإسقاط الرئيس المصري المنتخب محمد مرسي!

وسوف نتطرق في هذا الموضوع إلى التحركات السياسية للصوفية بعد الثورة، ونتناول تحالفاتهم المختلفة بشكل مفصل، ونحاول تلمس انعكاسات الموقف الصوفي المتشدد على الشارع المصري الذي يعج بالإضرابات لاسيما مع إصدار الرئيس مرسي للإعلان الدستوري الأخير وانتهاء أعمال اللجنة التأسيسية التي سلمت الرئيس مسودة الدستور في انتظار استفتاء المصريين عليه في 15 ديسمبر الجاري، وما تبع ذلك من اشتباكات وأعمال عنف بين الجانب الذي انحازت له الصوفية بكل مكوناته من جهة، وبين الإسلاميين على الجانب الآخر.

رصيد خلفي

لم يكن للطرق الصوفية أي دور سياسي على مدى تاريخها بل كانت الرصيد الخلفي للأنظمة الثلاثة التي تعاقبت على مصر منذ إسقاط الملكية وإقامة النظام الجمهوري بعد ثورة يوليو 1952، فقد حرص نظام جمال عبد الناصر ومن بعده السادات وأخيرا مبارك على استقطابها لما لها من ثقل في الشارع حيث تقول التقديرات إن عدد الصوفيين في مصر ربما يصل الآن إلى 15 مليون مواطن.

وكانت تلك الأنظمة توجه المكون الصوفي بشكل مكثف كلما اقتضت الضرورة لمواجهة تحدي صعود الحركات الإسلامية بتجلياتها المختلفة في الشارع المصري.

وقد ظلت الصوفية على موقفها المؤيد لمبارك طوال فترة حكمه، ويذكر المصريون تصريحات عبد الهادى القصبي شيخ مشايخ الطرق الصوفية أثناء وضع حجر الأساس للمشيخة حيث قال إن أبناء الطرق الصوفية يعتبرون جزءاً من هذا الوطن وجنوداً لخدمة الرئيس الذي أصبح منارة وقلباً مفتوحاً لكل أبناء مصر!

وفي عام 2005 خرج الشيخ حسن الشناوي شيخ مشايخ الطرق الصوفية الأسبق في المؤتمر الصوفي العام ليعلن باسم 8 ملايين صوفي – على حد قوله- مبايعة الرئيس المخلوع حسني مبارك على فترة رئاسية جديدة، وفي نفس المؤتمر قال الشيخ كامل ياسين رئيس نقابة آل البيت الأسبق بالحرف الواحد: "أوصيكم باتباعه لأننا لن نجد خيرا من هذا الرجل رئيسا لجمهورية مصر العربية".

شهوة السياسة

مواقف الصوفية الموالية للنظام السابق لا يمكن لأحد أن ينكرها، وبعد نجاح الثورة المصرية بأيام قليلة والإطاحة بمبارك في 11 فبراير 2011 بدأ الصوفيون يدخلون مضمار السياسة للمرة الأولى حيث أعلن 18 شيخاً من مشايخهم عن اعتزامهم تأسيس حزب سياسي، وفي شهر سبتمبر 2011 جاء التطور الأبرز بموافقة لجنة الأحزاب السياسية على تأسيس "حزب التحرير المصري" أول حزب صوفي في مصر برئاسة إبراهيم زهران، الذي شاركه عدد من رموز الصوفية مناصب قيادية بالحزب مثل: محمد علاء الدين أبو العزايم شيخ الطريقة العزمية والذي لعب دورا كبيرا في تشكيل تحالفات الصوفية المعادية للإسلاميين بعد الثورة، والطاهر الهاشمي نقيب الأشراف بمحافظة البحيرة وأمين مشيخة الطريقة الهاشمية، وغيرهما من الرموز التي أخذت على عاتقها مهمة فرض الصوفية على الساحة السياسية المصرية.

غير أن الصوفيين لم يتوحدوا في حزب واحد، أو يندمجوا في أحزاب أخرى، فظهر حزب النصر الصوفي في أكتوبر 2011 وكذلك نهضة مصر، كذلك ظهر العديد من النشاطات الشبابية مثل: ائتلاف الصوفيين المصريين الذي أسسه مصطفى زايد سكرتير الطريقة الرفاعية والذي انخرط فيه آلاف الشباب بهدف المشاركة بفاعلية في استحقاقات ما بعد ثورة 25 يناير.

أول الغيث

الموقف السياسي الأول للجماعة الصوفية جاء مع التصويت على الإعلان الدستوري في مارس 2011 حيث اتحدت الصوفية مع القوى والأحزاب الليبرالية والعلمانية في مواجهة الإسلاميين، ليكون تصويتهم بـ "لا" لهذا الإعلان، لكن الشعبية التي يحظى بها الإسلاميون جعلت الصوفية تخسر جولتها الأولى في المعترك السياسي.

في أحضان "الكتلة" 

ومع اقتراب انتخابات مجلس الشعب الأولى بعد الثورة ومن بعدها انتخابات الشورى كان الصوفيون قد حددوا مسارهم في ركب القوى المناهضة للإسلاميين حيث ارتموا في أحضان تحالف" الكتلة المصرية" الذي يضم "حزب المصريين الأحرار" المؤسس على يد رجل الأعمال النصراني نجيب ساويرس المعروف بخصومته اللدودة لكل ما هو إسلامي وكذلك أيضا حزب "التجمع" اليساري بقيادة رفعت السعيد عدو التيار الإسلامي الأبرز.

مع الفلول

بيد أن المسلك الأهم والأخطر الذي انتهجته الصوفية كان موقفها من انتخابات الرئاسة المصرية حيث أجمعت غالبية الطرق الصوفية على تأييد مرشح الفلول الفريق أحمد شفيق، لكن هذا القرار كان مثار استياء من بعض الصوفيين الذين قرروا الوقوف ضده بكافة الطرق، وهو ما تجلى في استقالات جماعية تقدم بها أعضاء في الأحزاب الصوفية، كحزب النصر، حيث أكد المستقيلون أنهم شعروا بخيانة دم الشهداء حال استمرارهم فى عضوية حزب يدعم أحد أركان النظام السابق فى جولة الإعادة، معتبرين ذلك خيانة لمبادئ الثورة.

لكن الشكل الأبرز لمعارضة القرار الصوفي جاء في إعلان الشيخ طارق ياسين الرفاعى شيخ الطريقة الرفاعية انضمامه لحزب "الحرية والعدالة" الجناح السياسي للإخوان المسلمين ودعمه الكامل للدكتور محمد مرسي وهو ما أثار موجة عارمة من الغضب داخل البيت الصوفي، لدرجة أن وصفه البعض بالجنون.

أما عن اتفاق السواد الأعظم من الطرق الصوفية على اختيار شفيق فجاء مصحوبا بتبريرات عدة، جاء بعضها على لسان محمد عبدالمجيد الشرنوبي، عضو المكتب التنفيذي للمشيخة العامة للطرق الصوفية، وشيخ الطريقة الشرنوبية حيث زعم أن برنامج الفريق شفيق يضمن تحقيق الانضباط في كل النواحي، مشددا على أن الصوفية لن تدعم أياً من الإسلاميين فى أي حال، وعلل ذلك بقوله: الإسلاميون يحاربون أهل البيت والأضرحة ونحن المتصوفة خدمة الأضرحة، كيف نختارهم؟".

لكن تبريرا يدعو للسخرية أطلقه الشيخ علاء أبوالعزائم شيخ الطريقة العزمية، بزعمه أنه مع شفيق قلباً وقالباً لأنه صوفي وجده كان "شيخ طريقة".

موسم المؤامرات

وبوصول الدكتور محمد مرسي للحكم خابت آمال معظم الصوفيين، فراحوا يتحالفون ويتكتلون مع القوى المناهضة للمشروع الإسلامي ليس لشيء سوى تشويه صورة الرئيس المنتخب والمشاركة في مؤامرة خطيرة لإسقاطه.

جاء التحالف الصوفي مع النصارى في مصر تحت مسمى "الرابطة القبطية الصوفية"، وكان الهدف المعلن هو التنسيق فى الانتخابات البرلمانية المقبلة، والبحث عن تحالف انتخابي قوي ضد التيارات الإسلامية.

وبحسب تصريحات قادة الصوفية فإن الرابطة سوف تتولى التنسيق لتحقيق التحالف الانتخابي، وتقديم الدعم للتحالف الانتخابي المدني، أمام القوائم السلفية والإخوانية، وأن هناك اتصالات بين كنائس الأرثوذكس والكاثوليك والإنجيليين لدعم مرشحي الرابطة لمنع تشتيت الأقباط بين التحالفات المدنية الأخرى، والسعي مع الرابطة لتوحيد التحالفات المدنية.

المثير ما كشفه أبو العزايم، بقوله إن التحالف الصوفي النصراني يضم عددًا من أعضاء الحزب الوطني السابق، واصفًا ما يقال عن أنهم فلول بأنه "كلام فارغ"، قائلاً: "مبارك حكمنا 30 عامًا وكان اعتراضنا بين بعضنا البعض، ولكن بعد الثورة أصبح يحلو للبعض تقسيم الناس على أنهم فلول وغير فلول، وكون الإنسان عضوًا في الحزب الوطني (الحزب الحاكم في عهد مبارك) لا يعني أنه سيئ"!

الحديث عن أن هذا التحالف تشكل لأغراض انتخابية فقط أمر لا يصدقه عاقل ولا يقره منطق، حيث شرعت تلك الرابطة "النصراصوفية" في استخدام لغة التخوين لوصم التيارات الإسلامية، وتشويه صورتها إلى حد وصف الإخوان المسلمين والقوى السلفية بأنها تنفذ مخططا صهيونيا لتقسيم مصر!

اتهامات سخيفة

تلك الاتهامات ساقتها الرابطة بتاريخ 27 سبتمبر 2012 خلال مؤتمرها الذي عقد تحت عنوان "التكفير وموقف الإسلام منه" حيث قال أبو العزايم رئيس الرابطة: إن "جماعة الإخوان المسلمين تنفذ مخططًا صهيونيًا لتقسيم البلاد إلى دويلات صغيرة"، وأن "المخطط الصهيوني يهدف إلى إنشاء مستعمرة إسرائيلية بسيناء وإقامة دولة مسيحية في أقصى جنوب البلاد، وتبقى الدولة الإسلامية في الدلتا".، مضيفا أن "الإخوان تسعى للفتنة داخل المجتمع المصري بين مسلمين ومسلمين، وبين مسلمين ومسيحيين"، في حين كانت "الجماعة والسلفيين وراء أحداث الهجوم على السفارة الأمريكية الأخيرة".

هذا المؤتمر المشبوه حضره حزب التجمع اليساري والتيار الشعبي الذي يتزعمه حمدين صباحي المرشح الخاسر في انتخابات الرئاسة وحركة 6 إبريل وحزب الأقباط الأحرار، تحت التأسيس، وحركة شباب من أجل التغيير، إضافة إلى طرق صوفية عديدة كالعزمية الهاشمية والحبالية.

جهاد الصوفية والشيعة!

بيد أن التحالف الأخطر الذي عقدته الطرق الصوفية كان مع الشيعة في مصر في نوفمبر 2011، والمستهدف مرة أخرى هم أصحاب المشروع الإسلامي من أهل السنة والجماعة، فقد وقف أبو العزايم مجددا ولكن هذه المرة في إيران خلال أعمال الجلسة الأولى لمؤتمر التقريب بين السنة والشيعة ملوحا بحمل السلاح لمواجهة السلفيين، داعيا الشيعة- هذه المرة- إلى توحيد صفوفهم مع الصوفيين لمواجهة التيار السلفي بمختلف جماعاته، وحسب صحيفة "المصريون" فقد أكد أبو العزايم لمضيفيه في إيران أن التيار السلفي يمثل عدوًّا مشتركًا للشيعة والصوفية على حد سواء، مهددًا بأنه سيواصل مقاومته لنفوذ السلفيين، ووعد بدعم مخططات نشر التشيع في مصر خلال المرحلة القادمة لمواجهة التمدد السلفي.

وواصل شيخ الطريقة العزمية بقوله "جميع الدلائل تشير لعدم قبول السلفيين بالآخر، وكذلك تبنيهم نهجًا إقصائيًّا لكلٍّ من الشيعة والصوفيين في مصر بشكل ينبغي معه توحيد الصف للحد من نفوذهم، بل كشفهم أمام الرأي العام".

وقبل ذلك بعدة شهور وتحديدا في 24 يونيو اتفق عدد من ممثلي المجلس الأعلى لرعاية شئون آل البيت وجبهة الإصلاح الصوفي علي إحياء الصوفية الجهادية لصد ما سموه  الزحف السلفي الذي أعقب نجاح ثورة 25 يناير، وقد أدلى الزعيم الشيعي محمد الدريني رئيس المجلس الأعلى لشئون آل البيت بتصريحات خاصة لصحيفة "الوفد" أكد فيها أن اجتماعا ضم ممثلين عن الشيعة والصوفية توصل إلى ضرورة حشد الجموع من الجانبين خلال الفترة المقبلة استعداداً للجهاد بحسب قوله.. مضيفا أن "الجهاد عندما يعلنه الشيعة والصوفية فهو في سبيل الوطن إذا ما وجدناه سيضيع بسبب تلك الجماعات المتطرفة" رافضاً الإفصاح عن تفاصيل التنظيم الجهادي.

واستمرارا لهذا التصعيد صرح عبد الخالق الشبراوي - المتحدث باسم جبهة الإصلاح الصوفي بأن مقرات الجماعة السلفية باتت هدفا للصوفية والشيعة، متابعا كلامه الخطير بالقول: "لقد أعددنا كشوفا بكافة المقرات السلفية في مصر فهدم أي ضريح سيقابل بهدم معنوي ومادي للسلفية وقياداتها".

ولم تنته التصريحات العدائية من قبل التحالف الصوفي الشيعي عند هذا الحد حيث قال السيد الطاهر الهاشمي - شيخ الطريقة الهاشمية وعضو جبهة الإصلاح الصوفي - إنه سيتم حشد مريدي الطرق لإعداد تنظيم جهادي للتعامل مع من يحاربون الشيعة والصوفية في مصر!

ورغم أن التفاصيل لم تتضح بعد بشأن هذا التنظيم "الجهادي" المزعوم فإنه مما لا شك فيه أن التحالف الصوفي النصراني الشيعي يقود بشكل سري المحاولات المستميتة لإسقاط الرئيس محمد مرسي عبر التحريض عليه والحشد في التظاهرات المناوئة لحكمه، إضافة إلى عمليات التخريب والقتل التي تشهدها البلاد ولا يُعرف منفذوها.

وإن كانت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية قد كشفت عن مفاجأة حشد الكنائس المصرية لشبابها للمشاركة في مظاهرات المعارضة أمام قصر الاتحادية مقر إقامة الرئيس للاحتجاج على الإعلان الدستوري ومن بعده الاستفتاء على الدستور، فإن حشدا مماثلا نادى به الصوفيون والشيعة لأنصارهما للمشاركة في أية فعاليات مناهضة للرئيس حتى وإن اتخذت الشكل الأعنف.

الرفاعية تتنصل

غير أن هناك من الصوفية من أدرك خطورة الموقف وأن الاصطفاف في المعسكر الآخر سوف يؤدي إلى نتائج كارثية، ومن ضمن هؤلاء: الشيخ طارق الرفاعي، شيخ الطريقة الرفاعية، الذي هاجم الأحزاب التابعة للطرق الصوفية، والتي شاركت في مظاهرات تطالب بإسقاط الرئيس محمد مرسي، وحلّ جماعة الإخوان، مؤكدا أنها "لا تعبر عن موقف الطرق الصوفية ومطالبًا المجلس الأعلى للطرق الصوفية بـ "إعلان التبرؤ من هذه الأحزاب".

وأكد الرفاعي في تصريحات لصحيفة "المصري اليوم" أن الطريقة الرفاعية مستمرة في توحيد الصف الإسلامي بعد مبادرتها بزيارة مكتب إرشاد الإخوان المسلمين، للتأكيد على أن الطرق الصوفية والإخوان ليس بينهم أي خلافات، وأنها ستوسع نطاق مبادرتها لتشمل كل التيارات الإسلامية.

 وفي النهاية فإن حجم الضرر الذي تسببت فيه غالبية الجماعات الصوفية لمصر قبل الثورة بدعمها لنظام مبارك الفاسد، أهون بكثير مما أقدمت على فعله بعد الثورة والذي عمق من حالة الانقسام وعمل على ترسيخ الفرقة ونشر الفتنة بين المصريين. إن الأحداث الدامية التي تشهدها البلاد لا يمكن بحال عزلها عن الواقع التآمري الذي تعيشه مصر والذي تبقى الصوفية بحشودها العملاقة أحد أهم عناصره.. وهو ما لن ينساه التاريخ.

  

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: