سطور من الذاكرة\العدد مائة وخمسة عشر - محرم 1434 هـ
الشلمغاني.. ينتظر نزول براءته من السماء!
الأحد 11 نوفمبر 2012

 هيثم الكسواني – كاتب أردني

 

خاص بالراصد

وصل به الانحراف إلى أن يدّعي الألوهية والعياذ بالله، ومع ذلك يعتبره الشيعةُ من علمائهم وكبرائهم، إلى أن حصلت الخلافات المالية بينه وبين من هو أكبر عند الشيعة، فيتحول بين عشية وضحاها إلى ضال منحرف يستحق اللعنة والقتل والطرد من رحمة الله.   

تلك باختصار هي قصة ابن أبي العذافر([1]) المعروف بالشلمغاني، الذي ظهر في عهد الخليفة العباسي، الراضي بالله. وشلْمَغانُ التي يُنسب محمد بن علي الشلمغاني إليها هي قرية بنواحي واسط‏ في العراق.

 

انحراف وفجور

ويبين عبد القاهر البغدادي شيئا من عقيدة الشلمغاني وانحرافاته، فيقول: ".. وادّعى حلول روح الإله فيه، وسمّى نفسه روح القدس، ووضع لأتباعه كتابا سمّاه بـ (الحاسة السادسة) وصرّح فيه برفع الشريعة، وأباح اللواط، وزعم أنه إيلاج الفاضل نوره في المفضول، وأباح أتباعُه له حرمهم طمعا في إيلاجه نوره فيهن..".

وبشيء من التفصيل يقول ابن الأثير: "وكان من مذهبه أنّه إله الآلهة، يحقّ الحقّ، وأنّه الأوّل القديم الظاهر الباطن الرازق التامّ المومأ إليه بكلّ معنى وكان يقول‏:‏ إنّ الله سبحانه وتعالى يحلّ في كلّ شيء على قدر ما يحتمل وإنّه خلق الضدّ ليدلّ على المضدود فمن ذلك أنّه حلّ في آدم لّما خلقه وفي إبليسه أيضًا...".

ومما يبينه ابن الأثير في شأن الشلمغاني وشأن أتباعه قوله: "ولا ينسبون الحسن والحسين رضي الله عنهما إلى عليّ كرّم الله وجهه لأنّ من اجتمعت له الربوبيّة لا يكون له ولد ولا والد وكانوا يسمّون موسى ومحمّدًا - صلى الله عليه وسلم – الخائنين، لأنّهم يدّعون أنّ هارون أرسل موسى، وعليًّا أرسل محمّدًا فخاناهما.

ويعتقدون ترك الصلاة والصيام وغيرهما من العبادات ولا يتناكحون بعقد، ويبيحون الفروج ويقولون إنّ محمّدًا - صلى الله عليه وسلم - بعث إلى كبراء قريش وجبابرة العرب ونفوسهم أبيّة فأمرهم بالسجود وإنّ الحكمة الآن أن يمتحن الناس بإباحة فروج نسائهم وإنّه يجوز أن يجامع الإنسان من شاء من ذوي رحمه وحرم صديقه وابنه بعد أن يكون على مذهبه وإنّه لا بدّ للفاضل منهم أن ينكح المفضول ليولج النور فيه ومن امتنع من ذلك قُلب في الدور الذي يأتي بعد هذا العالم امرأةً إذ كان مذهبهم التناسخ".

 

نهايته

وإزاء ما كان عليه الشلمغاني وأتباعه من كفر وانحراف وفجور، فقد سعت السلطات العباسية إلى اعتقاله ومحاكمته، يقول البغدادي: "وظفر الراضي بالله به وبجماعة من أتباعه منهم الحسين بن القاسم.. وأبو عمران إبراهيم بن محمد.. ووجد كتبهما إليه يُخاطبانه فيها بالرب والمولى، ويصفانه بالقدرة على ما يشاء، وأقروا بذلك بحضرة الفقهاء.. وأمر بقتل ابن أبي العذافر وصاحبه ابن أبي عون، فقال له ابن أبي العذافر: أمْهِلني ثلاثة أيام لتنزل فيها براءتي من السماء ونقمة على أعدائي.

وأشار الفقهاء على الراضي بتعجيل قَتْلهما، فصلبَهما ثم أحرقهما بعد ذلك، وطرح رمادهما في الدجلة". وكان ذلك في سنة 322هـ، وقيل في 323هـ.

 

أما عند الشيعة!

كان الشلمغاني شيعياً رافضياً، من أتباع ومساعدي أبي القاسم الحسين بن روح، الذي يعتبره الشيعة الإثنا عشرية ثالث سفراء المهدي المنتظر([2])، ويصف الشيعةُ الشلمغاني بقولهم: "كان من أعلام الشيعة وألّف كتباً في التشيع،.. ولم يكن رجلاً من السوقة أو رجلاً من العاديين، إنما كان عالماً من علماء الطائفة، كان وجهاً من وجوه المذهب،.."([3]).

لكن السحر سرعان ما انقلب على الساحر، فيدبّ الخلاف بين ابن أبي العذافر الشلمغاني، وبين الحسين بن روح، بسبب الأموال التي كانت يدرّها منصب نائب المهدي أو سفيره، إذ كان السفراء في ذلك الوقت يأخذون الأموال من الشيعة بزعم إيصالها إلى المهدي الغائب، وادّعى الشلمغاني النيابة عن المهدي المنتظر، ليصطدم بالحسين بن روح.

ويتحدث الباحث الشيعي أحمد الكاتب في كتابه "تطور الفكر السياسي الشيعي" عن شيء من هذا الخلاف، والشبهات التي كانت تحوم حول سفراء المهدي، والادّعاء باتصالهم بالمهدي، وأكلهم للمال، فيقول: " محمد بن علي الشلمغاني الذي كان وكيلا عن الحسين بن روح النوبختي في بني بسطام، ثم انشقّ عنه وادّعى النيابة لنفسه: (ما دخلنا مع أبي القاسم الحسين بن روح في هذا الأمر إلا ونحن نعلم فيما دخلنا فيه، لقد كنا نتهارش على هذا الأمر كما تتهارش الكلاب على الجيف)".

وينتقد الكاتبُ نوابَ المهدي لـ "عدم قيامهم بأي دور ثقافي أو فكري أو سياسي لخدمة الشيعة والمسلمين ما عدا جباية الأموال والادّعاء بتسليمها إلى (الإمام المهدي). وكان من المفترض بالنواب الذين يدّعون وجود صلة خاصة بينهم وبين (الإمام المهدي) أن يحلوا مشاكل الطائقة وينقلوا توجيهات الإمام إلى الأمة، ولكننا نرى (النائب الثالث) الحسين بن روح النوبختي، مثلاً، يلجأ إلى علماء قُم ليحلوا له مشكلة الشلمغاني الذي انشقّ عنه، ويرسل كتابه (التأديب) إلى قم، ليبين علماؤها له الصحيح والسقيم، كما يقول الشيخ الطوسي في (الغيبة)".

اصطف الشيعة في صفّ الحسين بن روح، الذي أخرج لهم توقيعا من المهدي! بتحريم قراءة كتب الشلمغاني وأنّها كتب ضلال، وعدّوه من الكاذبين والمنحرفين والضالين.

وذكره شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي (توفي: 460هـ) في كتابه (الغيبة) تحت باب: "ذكر المذمومين الذين ادّعوا البابية والسفارة كذبا وافتراء لعنهم الله"، وفيه يقول: "ثم ظهر التوقيع من صاحب الزمان عليه السلام بلعن أبي جعفر محمد بن علي والبراءة منه وممن تابعه وشايعه ورضي بقوله وأقام على توليه بعد المعرفة بهذا التوقيع. وله حكايات قبيحة وأمور فظيعة ننزه كتابنا عن ذكرها ذكرها ابن نوح وغيره".

 

 للاستزادة:

1-    الكامل في التاريخ (نسخة إلكترونية) – ابن الأثير.

2-    الفرق بين الفرق – عبد القاهر البغدادي.

3-    الغيبة (نسخة إلكترونية) – أبو جعفر الطوسي.

4-    تطور الفكر السياسي الشيعي – أحمد الكاتب.



[1] - ترد عند البعض بـ: العذاقر، والقراقر، والعزاقر، والعزافر، والعزاقري.

[2] - يعتقد الشيعة أن مهديهم المزعوم غاب غيبتين: صغرى وكبرى. أما الصغرى التي دامت قرابة سبعين سنة، (260 – 329ه) فكان يتصل فيها بشيعته وأنصاره من خلال سفرائه الأربعة (عثمان بن سعيد العمري، محمد بن عثمان العمري، الحسين بن روح، علي بن محمد السيمري) الذين كانوا يدّعون مشاهدة المهدي واللقاء به، وإيصال الأموال إليه، ونقل الرسائل، و(التواقيع) منه إلى المؤمنين به.

أما الغيبة الكبرى فيقول الشيعة إنها بدأت سنة 329هـ، وإن المهدي أخبر أن صلاتِه بالناس ستنقطع إلى أن يشاء الله.

[3] - انظر مقال: "النواب الأربعة"، المنشور على شبكة الإمام القائم على الراط: http://www.alqaem.net/book03/05.htm

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: