الطابور السادس: الممانعون الجدد والثورة السورية
الأحد 11 نوفمبر 2012

 بوزيدي يحيى – باحث جزائري

 

 

خاص بالراصد

يشير تعبير الطابور الخامس الذي اشتهر إبان الحرب الأهلية الإسبانية سنة 1936 إلى فئة من المواطنين تعمل في الحروب على دعم الغزاة، من خلال بث الشائعات والأراجيف أو حتى العمل كجواسيس مقابل مصلحة شخصية، وهذا الصنف لا يخلو منه أي مجتمع، وتختلف أسماء هؤلاء من فترة إلى أخرى ومن بلد إلى آخر، فمثلا كان يصطلح عليهم خلال الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي (بالحركي أو القايد).

الطابور الخامس في الثورة السورية بارز وواضح من خلال ما يمارسه من تشبيح إعلامي ورموزه مفضوحون في ولائهم للنظامين السوري والإيراني، ولكن الثورة أفرزت طابورا سادسا أشد خطورة من الطابور الخامس، وهو يشوش عليها أكثر، بل أصبح يستعمل كدروع أو تقنيات تمويه ومنتج لخطاب التشبيح الإعلامي، ونعني بذلك أولئك الكتاب والباحثين الذين يدافعون عن نظام الأسد من حيث لا يحتسبون وهم مؤمنون إيمانا شديدا بآرائهم بدافع غيرتهم على الأمة. فما هي أهم ملامح هذا الخطاب ومضامينه؟ وما هي مكامن الخلل فيه؟

 

إيران في الواجهة

دائما تكون إيران حاضرة في هذا الخطاب بالمقارنة بين الموقف منها والموقف من الغرب وإسرائيل، وهذه المقارنة تكون مدخلا وأرضية تؤسس عليها قراءة متكاملة للواقع تنتهي إلى نظرية المؤامرة الهادفة لتقسيم الأمة، وأبرز نموذج صادم لمثل هذا الخطاب هو ما جاء على لسان الدكتور وليد عبد الحي المعروف بانضباطه الأكاديمي الذي يحرج به كثيرا الصحفيين في مشاركاته عبر الفضائيات، غير أنه فقد كل ذلك في برنامج (أ ل م) الذي يقدمه الصحفي الجزائري يحيى أبو زكريا على قناة الميادين.

 وليد عبد الحي استدرِج لدعم طغمة سوريا دون أن يدري في أفضل تقدير، ليجد نفسه في الأخير يكرر أطروحة شبيحة الأسد بأسلوب مهذب فقط، حيث لما سأله أبو زكريا عن دور علماء الدين في إذكاء الفتنة الطائفية أرجع الأمر في جوابه إلى الأمية الثقافية في المجتمعات العربية، والانتهازية الدينية التي يمارسها رجال الدين، لينتقل في ما بعد ويستدل بتقرير لجنة بسيوني للتحقيق في أحداث البحرين الذي أكد عدم تدخل إيران هناك، وقدم بأسلوبه الأكاديمي المعهود الصفحة والفقرة من التقرير، وأشار في نفس السياق لمخططات إسرائيل والغرب لتقسيم الأمة ضاربا المثال بأطروحة دكتوراه لنائب وزير خارجية إسرائيلي كانت حول أسباب سقوط الخلافة العباسية حيث خلصت الرسالة إلى عامل التفرقة، وبذلك أوصت بالعمل على تقسيم الأمة إلى طوائف ومذاهب.

ومن المعلوم أن الصنف المقصود من العلماء في قاموس يحيى أبو كزريا هم من يقف إلى جانب ثورة الشعب السوري، وبشكل خاص الشيخ يوسف القرضاوي، ولم يكن مقصودا بكل تأكيد البوطي، ولا شك أن مثل هذا الأمر لا يخفى على أكاديمي مرموق مثل الدكتور وليد عبد الحي. 

ما لم ينتبه إليه أستاذنا أن خلاصة كلامه وما يمكن أن يستنتج منه أيضا أن إيران مادامت بريئة مما يجري في البحرين فلا علاقة لها أيضا بما يجري في سوريا، والحديث عن دعم طهران للأسد سياسيا ودبلوماسيا وأيضا لوجيستيا، وحتى عسكريا، من خلال الحرس الثوري، لا يعدو أن يكون دعاية ضدها وأكاذيب. وكل ما يجري هو مؤامرة صهيونية لتفتيت الأمة يتورط فيها رجال الدين بإذكائهم الفتنة الطائفية.

ولكن ما فات دكتورنا هو أن بسيوني قال بأن الأدلة التي قدمت إلى لجنته فيما يتعلق بدور إيران في الأحداث الداخلية بالبحرين لم تكشف عن صلة واضحة بينها وبين تلك الأحداث. وردّ ملك البحرين حمد بن عيسى إن "حكومة البحرين ليست في وضع يمكنها من تقديم أدلة على الصلات بين إيران وأحداث معينة في بلدنا هذا العام"، وفضلا عن ذلك فإن عبد الحي باعتباره متخصصا في العلوم السياسية يدرك موقع الإعلام كقوة ناعمة في العلاقات الدولية المعاصرة، والإعلام الإيراني وملاحقه لا حاجة لتأكيد انحيازه ودعمه للمظاهرات في البحرين ووصفها بالثورة واعتبار قوات درع الجزيرة قوات معتدية ترتكب جرائم بحق البحرينيين، فيكفيه أن يقول على الأقل إن التدخل الإيراني في البحرين ناعم.

والأسوأ من هذا أن البرنامج التلفزيوني الذي شارك فيه الدكتور وليد عبد الحي كان بعد فترة من قمة عدم الانحياز التي شهدت أكبر كذب إعلامي لو أن وزير الدعاية النازي غوبلز شاهده لتعجب واندهش وقال إني بريء من الغوبلزية، عندما تم تحريف ترجمة خطاب الرئيس المصري محمد مرسي على الهواء مباشرة باستبدال سورية بالبحرين، فماذا يعني وراء هذا السلوك من أمور أخرى؟ نعم إيران الرسمية بريئة مما يجري في البحرين على طريقة براءتها من سلوك المترجم في التيلفزيون!!

 

حماس الحاضر الغائب في التحليلات

اللافت أن حزب الله لم ينخرط بشكل مباشر وقوي في انتقاد حركة حماس على غرار النظام السوري دون أن يحيد على المسار، فالأمين العام لحزب الله حسن نصر الله لمح في خطاباته لذلك وأشار من بعيد إلى فضل نظام الأسد على المقاومة، وإعلامُه يمارس هجوما عاما على حركة الإخوان المسلمين.

ولكن خطاب الممانعين الجدد المتمركز حول القضية الفلسطينية، يُغَيب حماس تماما، رغم التصريحات القوية لقياداتها التي أعلنت وقوفها بصراحة إلى جانب الشعب السوري ومطالبه بالحرية، فمن اليوم الأول دعا خالد مشعل الحكام العرب الذين يقفون مع حركته في خندق المقاومة إلى انتهاج الخيار السياسي في التعامل مع شعوبهم المطالبة بالحرية. وحديثه عن وقوف حركته مع الشعوب التي تطالب بالحرية والقضاء على الفساد وأسفه على الدماء التي سالت في الثورات المباركة هي ضمنيا دعوة لنظام بشار الأسد إلى الكف عن الخيار الأمني في مواجهته لشعبه، وفي تفصيل ذلك إقرار من حماس بأن النظام مسؤول بشكل أو آخر عن الدماء التي تسفك هناك.

وصمت الحركة حول ما يجري في سوريا خلال الفترة السابقة كان ضمنيا أيضا ينطلق من إدراكها لحقائق الأمور على أرض الواقع السوري الذي وبحكم تواجد قياداتها والكثير من مناضليها فيه منذ سنين طويلة تعرفه حق المعرفة، ومعنى ذلك أنها تدرك ما يجري بحق الشعب السوري من جرائم ولو كانت مجرد احتجاجات هنا وهناك وأعمال إرهابية تقوم بها عصابات تنفيذا لمؤامرة صهيونية أمريكية لسارعت الحركة إلى دعم النظام بمختلف الوسائل لأنها معنية بهذا الصراع، فهي من بين المستهدفين بالمؤامرة إذا لم تكن أولهم، وكان باستطاعتها على الأقل المشاركة في تلك المظاهرات التهريجية التي نظمها النظام في الجولان في ذكرى النكبة، والتي كان من بين تداعياتها مواجهات مسلحة بالقرب من مقر الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، التي اتهمها اللاجؤون في سوريا بالمتاجرة بدماء أبنائهم دعما للنظام السوري.

مسار الثورة كشف الكثير من الحقائق لاحقا، فحماس اختارت الوقوف إلى جانب الشعب السوري، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين– القيادة العامة – وقفت إلى جانب النظام وأعضاؤها يعملون مع المخابرات ويجرون دوريات أمنية لمصلحته باسم اللجان الشعبية، أما حزب الله فهو الآخر بقي إلى جانب النظام السوري وتبنى نفس وجهة نظره مما أكد تبعية قراره للولي الفقيه الإيراني.

هذا التباين في المواقف يعكس حقيقة المشهد الذي يركز الطابور السادس على زاوية منه، وتغييب المقاومة الفلسطينة رغم حضورها كمقاومة من جهة وتَأَثُر الفلسطينيين اللاجئين في سورية بشكل مباشر باستهداف مخيم اليرموك من قبل قوات النظام من جهة أخرى يكشف هشاشة هذا الخطاب وعدم وضوح الرؤية لديه وتعامله مع كل الفواعل بطريقة انتقائية، وذلك لأن الإسهاب في نظرية المؤامرة سيدفعهم إلى اتهام المقاومة الفلسطينية بالمشاركة في المؤامرة، وهذا ما لا يجرؤون عليه لأنه سيجعل منهم محل سخرية لدى الرأي العام العربي، خاصة وأن من بين النقاد لحزب الله رجل مثل رائد صلاح زعيم الحركة الإسلامية داخل الخط الأخضر.

 

المؤامرة الروسية المسكوت عنها

انتقاية هؤلاء لا تتوقف عند حماس بل تتجلى أكثر في تحليل أسباب وقوف روسيا تحديدا إلى جانب النظام السوري، والتي يأتي في مقدمتها مصالحها الاستراتيجية في المنطقة ومواجهتها للولايات المتحدة الأمريكية، لو كان لموسكو موقف عدائي من إسرائيل قد نتفهم عدم حديثهم عن عوامل أخرى تدفع روسيا للوقوف إلى جانب الأسد، وإذا كانت واشنطن تتبنى المؤامرة الصهيونية لتقسيم الأمة فهل موسكو بريئة منها ولها موقف مختلف؟

طرح هذا السؤال ضروري في هذه المرحلة بعدما تكررت تصريحات المسؤولين الروسيين التي تتحدث عن خطورة وصول أهل السنة للحكم في سوريا ومخاطر ذلك على الأقليات وأمنها ثم الإقرار بأن الأسد هو ضمانة لأمن تلك الأقليات، هذا الخطاب تقسيمي ومؤامراتي إذا استعملنا قاموس مصطلحات الطابور السادس، ومع ذلك فلا وجود لهذا الاعتبار في تحليلاتهم للموقف الروسي، وجلّ ما يهمّهم هناك هو المصالح الاستراتيجية لروسيا في المنطقة.

 

الداخل والخارج

في رسمهم لخارطة المؤامرة الغربية (مع حصر الغرب في الولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل)، هناك طرف آخر مغيب وهو دور الشعب وموقعه مما يجري على الأرض، وسواءً في الكتابات أو المقابلات التلفزيونية فإن خطاب الطابور السادس يستهل كلامه بالحديث في سطر أو نصف دقيقة عن حق الشعب في الحرية والكرامة والإقرار باستبداد النظم، ثم تأتي (ولكن) كفاصل للانتقال إلى دور السياسات الدولية والإطناب في تفصيل التفاصيل والأمثلة التاريخية، وينتهي الحديث دون العودة مرة أخرى للشعب المعني الأول بالموضوع لأنه ببساطة في خطاب هؤلاء لم يعد له أي دور وقد استغل نضاله وغرر به من طرف النخب العميلة التي حرفت مسار حراكها السلمي إلى المسلح خدمة للعدو الخارجي. والقرار أصبح في الخارج وليس الداخل.

والحقيقة أنه بعد مرور أكثر من سنة ونصف على اندلاع الثورة السورية والتي ما زال الثوار يحققون فيها تقدما بطيئاً نظرا لضعف الدعم الدولي لهم أمام قوة الدعم الخارجي الإيراني والروسي للآلة العسكرية لنظام بشار، والتي أصبحت تعتمد على سلاح الجو في محاولتها لإخماد الثورة، الأمر الذي تترتب عليه خسائر كبيرة  في أرواح السوريين، ورغم كل الجرائم التي ارتكبها النظام إلا أن الجهود الدولية لم ترتقِ إلى مستوى تضحيات الشعب السوري، وهو أمر مع استهجانه إلا أنه بِلُغة السياسة الدولية التي تبنى في غالبها على أساس المصلحة يبقى أمرا طبيعيا بل وحتى منطقيا، نظرا للأهمية الجيوسياسية لسوريا التي كان لها دور كبير في تحديد مواقف القوى الإقليمية والدولية من الثورة التي اختلفت لاختلاف تقدير مصالحها.

ومما يتفق عليه أن القوى الدولية إن لم تكن ضد الثورة جملة وتفصيلا فإنها على الأقل لم تقدم لها الدعم الكامل لتحقيق أهدافها، وفي أفضل الأحوال اقتصر الدعم على الخطاب السياسي والإعلامي أو المساعدات الإنسانية التي طالبت الدول المستضيفة بتحمل العالم لمسؤولياته ومساعدتها نظرا للأعداد الكبيرة من اللاجئين التي تفوق حجم إمكانياتها وليس أدل على ذلك أيضا من عجز ما يسمى بالمجتمع الدولي من فرض منطقة عازلة أو آمنة داخل الحدود السورية أو حظر الطيران في شمال سوريا حيث يسيطر الثوار على الأرض بشكل شبه كامل.

هذا التردد الدولي أمام الأعداد المتزايدة من ضحايا النظام الأسدي يؤكد قناعة بعض الأطراف بسعي الولايات المتحدة لإجهاض الثورة السورية أو على الأقل ضمان تدمير سورية وإنهاكها لدرجة يكون فيها من الصعب على أي نظام جديد تشكيل خطر على أمن إسرائيل، لانشغاله بإعادة إعمار البلاد وحلّ المشاكل بين مكوناته التي قد تتطور إلى الاقتتال الداخلي.

وقد أكدت قيادات الجيش الحر أكثر من مرة على عدم تلقيها أي دعم عسكري خارجي، وأن الجيش يقاتل بفضل ما يغنمه في عملياته والوقائع الميدانية تؤكد ذلك حيث اضطره اليأس من فرض حظر جوي إلى القيام بعمليات نوعية تستهدف فيها الطائرات في المطارات بعد الدمار الذي ألحقه سلاح الطيران بالمدن السورية والمجازر التي ارتكبت بحق المدنيين.

 

زلات الجيش الحر

الخطاب نفسه يرتفع وللمفارقة ليلتقي مع خطاب الغرب المتآمر عند أي زلة أو هفوة يقوم بها أفراد من الجيش الحر، كما حصل في حلب بإعدام آل بري المعروفين بتشبيحهم طيلة شهور ضد أهل المدينة هؤلاء لم يهتم أحدهم بما يقومون بهم من قبل، وعند إعدامهم دق الكل ناقوس الخطر مما هو قادم في سورية من أعمال ثأرية قد تستهدف طوائف بأكملها، وبروز تنظيمات جهادية متطرفة مرتبطة بالقاعدة. ومع أن إجماع الثوار على رفض ما حصل وأنه تصرف غير مقبول، وتمت مراجعته وسط المعركة وليس بعدها وإصدار (إعلان مبادئ ووثيقة تضبط سلوكيات الثوار)، إلا أن الممانعين الجدد لا يهمهم كل هذا حيث يحتفون بمقاطع الفيديو التي تخدم ما يروج له النظام أما الذي يختلف مع ما يقدمه النظام فهو مفبرك.

 

الخلاصة

مشكلة هذا الطابور أنه يوفر للنظام السوري مادة إعلامية إذا لم تدعمه بالمطلق فإنها على الأقل تجعل إجرامه محل تساؤل أو مقارنة بينه وبين الثوار، وهذا الأخير لوحده أمر مشين، فيكفي أن الجيش الحر في حد ذاته هو رد فعل طبيعي على قمع وتنكيل استمر قرابة الثمانية أشهر من انطلاقة الحراك السلمي، والتردد في هذا الخيار والصبر على كل جرائم النظام حينها كان لسبب واحد هو إدراك خطورة الخيار العسكري.

والأخطر من ذلك أن خطورة هذا الخطاب لن تتوقف عند هذا المستوى للأسف الشديد، فبكل تأكيد ستعول عليه طهران كثيرا وسيكون واجهة لتسويق سياستها الخارجية التي لن تحيد عن خطها وستستثمر في إفرازات المرحلة الانتقالية ومحاولة التموضع بين مخرجاتها.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: