سطور من الذاكرة\العدد مائة واربعة عشر - ذو الحجة 1433 هـ
يقولون في الحج: لبيك يا جعفر لبيك
الأربعاء 17 أكتوبر 2012

 

هيثم الكسواني – كاتب أردني 

خاص بالراصد

قطعوا المسافات الطويلة وذهبوا إلى مكة والبيت الحرام، لا ليوحّدوا الله ويفردوه بالدعاء والنسك والتلبية، بل ليقولوا: "لبيك يا جعفر لبيك"! نعم. حدث ذلك في القرن الثاني الهجري، لكن مَن هؤلاء؟ ومن هو جعفر؟ ولماذا نادوه بما يُنادى به الله عزوجل وحده؟

 مَن هؤلاء؟

هم فرقة شيعية من الغلاة، عُرفت بالخطابية، من أتباع أبي الخطاب الأسدي، محمد بن أبي زينب، وهو أحد الذين وضعوا عقائد الشيعة (والإسماعيلية كذلك) خاصة ما يتعلق بالغلو في الأئمة، والاّعاء بأن للقرآن ظاهرا وباطنا. وقد توفي أبو الخطاب سنة 143هـ.

ومن هو جعفر؟

هو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الملقب بالصادق، والذي يعتبره الشيعة سادسَ أئمتهم المعصومين، توفي في آخر سنة 148هـ، عن 68 سنة. وقد أثنى أهل العلم على جعفر، وقال فيه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه "منهاج السنة": "وجعفر الصادق رضي الله عنه من خيار أهل العلم والدين، وقال عمرو بن أبي المقدام: كنتُ إذا نظرت إلى جعفر بن محمد علمتُ أنه من سلالة النبيين".

 

ولماذا قاموا بذلك؟

لأن الخطابية كانوا يعتبرون جعفراً الصادق إلهاً، ويذكر عبد القاهر البغدادي في كتابه "الفرق بين الفرق" عن الخطابية أنهم: "يقولون إن الإمامة كانت في أولاد علي، إلى أن انتهت إلى جعفر الصادق، ويزعمون أن الأئمة كانوا آلهة، وكان أبو الخطاب يزعم أولاً أن الأئمة أنبياء، ثم زعم أنهم آلهة، وأن أولاد الحسن والحسين كانوا أبناء الله وأحباءه. وكان يقول إن جعفرا إله".

ردة فعل جعفر

كان جعفر من أهل الصلاح والتقوى، وكان يتبرأ مما يقوم به شيعته، وما كانوا عليه من فساد المعتقد، يقول الباحث الشيعي أحمد الكاتب في كتابه (تطور الفكر السياسي الشيعي): "وقد كان الخطابية أتباع محمد بن أبي زينب الأجدع ينسبون إلى الإمام الصادق معاني الغلو الفاحشة ويقولون إنه الله، وقد حجّ جماعة منهم إلى بيت الله الحرام ولبوا هكذا: (لبيك يا جعفر لبيك) فارتعش الإمام الصادق من قولهم وخرّ ساجدا إلى الأرض، واستنكر قولهم أشدّ استنكار، ثم لعن أبا الخطاب، فذهب أصحابه إليه وأخبروه بلعن الإمام الصادق له، فأجابهم بأن الإمام لا يلعنه شخصيا وإنما يلعن رجلا آخر يحمل نفس الاسم في البصرة، وقد كان هو يعيش في الكوفة.

فعاد أصحابه إلى الإمام الصادق في المدينة وأخبروه بمقالة أبي الخطاب الكوفي، فحدده الإمام بالاسم واللقب والمكان وجميع المواصفات الخاصة وكرر لعنَه والبراءة من قوله".

وروى الشيعة عن جعفر، كما في رجال الكشي، أنه قال: "إن عيسى لو سكت على ما قالت النصارى فيه لكان حقاً على الله أن يصمّ سمعه ويعمي بصره، ولو سكتُّ عما قال فيّ أبو الخطاب لكان حقاً على الله أن يصمّ سمعي ويعمي بصري".

نهاية أبي الخطاب

وكانت نهاية أبي الخطاب في زمن الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، الذي وجّه إليه جيشا كثيفا لمحاربته بعد أن خرج على والي الكوفة، عيسى بن موسى، فتمكن الجيش العباسي من أسر أبي الخطاب وصلبه في سنة 143هـ.

وبعد مقتله، افترق أتباعه إلى خمس فرق، كلهم يزعمون أن الأئمة آلهة، وأنهم يعلمون الغيب وما هو كائن قبل أن يكون.

الشيعة والغلو

يحاول الشيعة التبرؤ من أفكار أسلافهم الغلاة، والقول بأن ما كانوا يحملونه من أفكار ومعتقدات دخيل على التشيع ولا يمثله، وأن الأئمة المعصومين وقفوا لهم بالمرصاد، ولعنوهم وكفّروهم، ورفضوا أقوالهم، يقول عبد الرسول الغفار في كتابه (شبهة الغلو عند الشيعة):

"الفترة التي عاشها الإمام جعفر الصادق (ع) وذاع فيها صيته هي فترة أفول الدولة الأموية والدعوة إلى أهل البيت والتمهيد لقيام دولة عباسية تحت ستار العلويين، غير أن الأئمة عاشت اضطراباً كبيراً في عقائدها وتزلزل عندها فكرة الإمامة حتى وجدنا فرقا ومذاهب عديدة تعين بعضها بإمامة محمد بن الحنفية وأخرى قالت بإمامة ابنه عبد الله بن محمد (أبي هشام) وأخرى قالت بغيرهم كالكيسانية والمختارية والبيانية والروندية والرياحية والمنصورية، والهاشمية والمعاوية وهكذا من الفرق الباطلة المضلة.

كل هذه الفرق اختلفت في الإمامة كما أنها أوجدت عقائد باطلة وأفكاراً فاسدة.. فمن تلك العقائد الباطلة في زمن الصادق (ع) أن أناساً قالوا بألوهية جعفر بن محمد الصادق (ع) وروجوا لهذا المبدأ الفاسد، إلا أن الإمام (ع) نفى ذلك وتبرّأ منهم".

لكن الشيخ الدكتور ناصر القفاري يبين في كتابه "أصول مذهب الشيعة" أن شيوخ الشيعة المعاصرين إذا تحدثوا عن طائفتهم ورجالها ودولها نسبوا لها كل الفرق والدول والرجال المنتمين للتشيع، وإن كانوا من الإسماعيلية والباطنية، أو من الزنادقة الدهرية، أو من المجسّمة الغلاة، بل ذهب بعض مراجعهم الكبار في العصر الحديث، كمحمد حسين آل كاشف الغطا، إلى أن جميع الفرق الغالية قد بادت.

يقول الشيخ القفاري: "لقد تسللت آراء الفرق الشيعية الغالية إلى كتب الإثنى عشرية على شكل روايات منسوبة للأئمة وارتضى ذلك المعاصرون. وكان السبب وراء حدوث هذا (التسرب) هو شيوخ الشيعة أنفسهم الذين حملهم التعصب على قبول رواية الشيعي أيّاً كان مذهبه، والإعراض عن رواية ما يسمّونهم بالعامة وهم (أهل السنة). وقد اعترف شيخهم الطوسي بأن معظم رجالهم في الحديث من أصحاب المذاهب الفاسدة، ومع ذلك قال بأن كتبهم معتمدة. ومن يراجع تراجم رجالهم يلحظ ذلك.. حيث فيهم الواقفي، والفطحي.. وغيرهما".

وحاليا أثبتت الثورة السورية أن الغلو جزء أصيل من بنية التشيع، وأنه جاهز للظهور علناً كما رأينا في سجود شبيحة بشار لصوره وشهادته  هو بألوهيته، ولم يتبرأ من ذلك لا هو ولا مراجع الشيعة المصطفون معه!!

 

للاستزادة:

1-    الفرق بين الفرق – عبد القاهر البغدادي.

2-    تطور الفكر السياسي الشيعي – أحمد الكاتب.

3-    شبهة الغلو عند الشيعة (نسخة إلكترونية) – عبد الرسول الغفار.

4-    أصول مذهب الشيعة - الدكتور ناصر القفاري.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: