سطور من الذاكرة\العدد مائة وعشرة - شعبان 1433 هـ
صفحات من تاريخ حركة الحشاشين (1) الحسن بن الصبَّاح .. مؤسس الحركة
نوفل الجبلي – باحث يمني
الأربعاء 20 يونيو 2012
نوفل الجبلي – باحث يمني

 

خاص بالراصد

 

تمهيد

تعدّ حركة الحشاشين أحد أخطر التنظيمات الباطنية الشيعية في بلاد المشرق الإسلامي، وهي حركة ذات تاريخ سيئ وأفعال مشينة، وقد شكّلت خطراً على قادة وأفراد المجتمع الإسلامي؛ من خلال الاغتيالات وعمليات القتل المنظَّمة، كما تسببت في بث الرعب والخوف بين عامة أبناء المجتمع بسبب حركات السلب والنهب وقطع الطريق التي قامت بها.

سيكون حديثنا عن مؤسس هذه الدولة أو الحركة، وأحد أبرز الرموز الباطنية المعادية لأهل السنة، وهو الحسن بن الصبَّاح، الداعية المتطرف وحامل لواء الفاطميين النزاريين في بلاد فارس، أحد شخصيات التاريخ الباطني الغامضة .. 

والمتأمل في الكتابات الحديثة – سواء الموجودة على الشبكة العنكبوتية أو في بعض الكتب الورقية - يجد التهويل المفرط في شخصية هذا الرجل ونسبة الأفعال الخارقة إليه وإلى أتباعه، ويعود السبب في ذلك إلى اعتماد الكُتّاب بشكل كامل على كتابات المستشرقين، دون الرجوع إلى المصادر العربية المنصفة.. وقد حاولنا استقصاء تاريخ هذا الرجل ومراحل تأسيسه لحركة الحشاشين استناداً للمصادر الموثوقة والموثقة..

من هو الحسن بن الصبَّاح؟ وبداياته..

هو حسن الصبَّاح أو حسن بن علي بن محمد الصبَّاح الحميري([1])، قيل إنه يماني الأصل، من حِميَر([2])، ولد في العام 430هـ ([3]) في مدينة قم([4])، ثم نشأ وتربى في الري من دولة فارس. تأثر بالدعوة الفاطمية الإسماعيلية وعمره 17 سنة([5]) في زمن السلطان مُلكشاه السلجوقي، فقد اتصل بكبير دعاة الإسماعيلية في أصبهان وهو عبد الملك بن العطّاش الطبيب -الذي ملك قلعة أصبهان- وابنه أحمد، وتحول إلى مذهبهما([6]).

وقد برع في علوم الفلسفة والحساب والهندسة والنجوم والسحر وغيرها ([7])، فأُعجب به معلمه ابن العطاش، وعيّنه نائباً له في الدعوة([8]).

قال عنه الذهبي: كان من كبار الزنادقة، ومن دهاة العالم.. وكان قوي المشاركة في الفلسفة والهندسة وكثير المكر والحيل، بعيد الغور([9]).

 ونلاحظ اهتمام أصحاب الدعوات الباطلة بعلوم الفلسفة والنجوم والسحر، والتي لا تمت بصلة لعلم الكتاب والسنة!

يذكر ابن الأثير أن الوزير نظام الملك([10]) كان يكرم الحسن بن الصبَّاح، وأنه قال له يوماً عن طريق الفراسة: عن قريب يضل هذا الرجل ضعفاء العوام([11]). ولعل ابن الصبَّاح كان يستعمل التقية التي تعد أحد أهم أبجديات مذهبهم، ولهذا أكرمه الوزير، وإلا فإن نظام الملك كان كارهاً لمعتقد الإسماعيلية، محارباً لأتباعه، فهو أحد طلاب الإمام الغزالي المعروف بردوده العلمية وبمكافحته القوية للإسماعيليين.

 

الرحلة إلى مصر..

بعث ابن العطاش طالبه الحسن بن الصبَّاح إلى بلاد مصر حاضرة الدولة الفاطمية لتلقي أصول الدعوة الإسماعيلية هناك في دار الحكمة، فخرج من بلاد الري متوجهاً تلقاء مصر، حتى وصل  إليها بزي تاجر في العام 479هـ، والتقى هناك بالخليفة الفاطمي المستنصر بالله([12]).

 وظل الحسن بن الصبَّاح مقيماً في مصر زُهاء ثمانية عشر شهراً، في ضيافة المستنصر، الذي أمدّه بالأموال([13]) وأغدق عليه بالخيرات. وهدف المستنصر من الحفاوة في استقبال ابن الصبَّاح: أن يصنع منه داعية لدولة الفاطميين في بلاد المشرق التي تكاد تخلو من أتباع ودعاة لهم، إلا من جماعات شيعية منبوذة قليلة لا تكاد تُعرف([14]).

وبعد أن تلقى ابن الصبَّاح العقيدة الإسماعيلية الباطنية، وتشبع عقله بمعتقداتهم، أرسله المستنصر ليدعو للفاطميين في بلاد العجم، وسأله ابن الصبَّاح: من إمامي بعدك؟ فقال: ابني نزار، وهو أكبر أولاده([15]).

وهذا هو السبب في انشقاقه عن الدولة الفاطمية، فبعد وفاة المستنصر بالله قام وزيره بدر الدين الجمالي بتنصيب ابن المستنصر الأصغر وابن أخت الوزير وهو المستعلي، وتم إقصاء نزار عن الحكم والإمامة، ولكن الحسن بن الصبَّاح لم يخضع للمستعلي، وظل متمسكاً بالدعوة إلى نزار، وذلك لأنه كان يرى أن تولية نزار تتفق مع التعاليم الإسماعيلية التي تشترط في الإمام أن يكون أكبر أبناء أبيه ([16])..

وفي الحقيقة فقد وقع ابن الصبَّاح في معضلة كبيرة وهي موت إمامه، والإمام يعد الركيزة الأهم في العقيدة الإسماعيلية، مما اضطره إلى الاحتيال بأن نزاراً لم يمت وإنما غاب كغيبة المهدي، وسيعاود الظهور بعد فترة من الزمن. وجاء في بعض الروايات أنه ادعى أن الإمامة انتقلت إلى ابن نزار المستتر والمتواجد في قلعة ألموت، والذي ولدته زوجة لنزار بعد أن جرى تهريبها من الإسكندرية إلى بلاد قزوين!

 

البدء في الدعوة..

في أواخر عام 472هـ غادر الحسن بن الصبَّاح مصر إلى الشام بحراً وطاف فيها يدعو إلى الخليفة المستنصر، ثم انتقل إلى الجزيرة وديار بكر وبلاد الروم ورجع إلى أصبهان سنة 473هـ، وتحول منها إلى كاشغر وما وراء النهر وبث دعاته في أرجاء خراسان وبلاد الديلم([17]).

 ثم عاد إلى بلاد الري ولم يمكث طويلاً فيها بسبب نشاطه في الدعوة إلى معتقده، واتهمه رئيس الري – وهو رجل يُدعى أبو مسلم الرازي صهر الوزير نظام الملك- بدخول بعض الدعاة المصريين الفاطميين عليه -حيث إن السلاجقة كانوا على غير وفاق مع الفاطميين في مصر- فخافه ابن الصبَّاح، وهرب منه ([18])، وظل يسيح في البلاد يبحث عن مكان آمن وحصين له ولأفراد دعوته، حتى وقعت عينه على قلعة في أعالي جبال قزوين، تحديداً في منطقة رودبار من إقليم الديلم، يقال لها قلعة ألموت..

وقصة بناء هذه القلعة أنه قيل إن ملكاً من ملوك الديلم كان كثير التصيد، فأرسل يوماً عقاباً، وتبعه، فرآه سقط على موضع هذه القلعة، فوجده موضعاً حصيناً، فأمر ببناء قلعة عليه، فسماها أله موت، ومعناه بلسان الديلم: تعليم العقاب، ويقال لذلك الموضع وما يجاوره طالقان. وكان في تلك النواحي قلاع حصينة أشهرها ألموت، وكانت هذه النواحي في ضمان شرفشاه الجعفري، وقد استناب فيها رجلاً علوياً، فيه بله وسلامة صدر([19]).

 

السيطرة على قلعة ألموت..

لم يجد الحسن بن الصبَّاح مكاناً أنسب من هذه القلعة يأوي دعوته ويحميهم من جنود المسلمين، ولم يجد حيلة يحتال بها على أهل تلك النواحي إلا الدخول عليهم من باب الزهد والورع، فأظهر لهم التقشف والعبادة، ولبس المسح والصوف، فتبعه أكثرهم، وكان من ضمنهم العلوي صاحب القلعة، فقد اغتر به, وانطلت عليه أكاذبيه، وكان يجلس إليه يتبرك به ويعظم شأنه، حتى أحس ابن الصبَّاح أنه تمكن منه وأحكم أمره، فدخل يوماً على العلوي بالقلعة، وقال له ابن الصبَّاح: اخرج من هذه القلعة. فتبسم العلوي، وظنه يمزح، فأمر ابن الصبَّاح بعض أتباعه بإخراج العلوي، فأخرجوه وأصحابه إلى واد متاخم للقلعة ليس له منفذ وأغلق الأبواب دونهم، وأعطاه ماله وملك القلعة([20]).

قال الغزالي في سر العالمين: شاهدت قصة الحسن بن الصبَّاح لما تزهد تحت حصن ألموت، فكان أهل الحصن يتمنون صعوده، ويتمنع ويقول: أما ترون المنكر كيف فشا، وفسد الناس. فصبا إليه خلق، وذهب أمير الحصن يتصيد، فوثب على الحصن فتملكه، وبعث إلى الأمير من قتله([21]).

وبهذا الأسلوب المخادع استطاع ابن الصبَّاح أن يحصل على بغيته، وتوفر له المكان الآمن الذي بعث منه عمليات الاغتيال ونظم فيه حركات المؤامرة..

 

وكر التصدير..

بعد أن استقر الحسن بن الصبَّاح في قلعة ألموت وتمكن من السيطرة على القلاع المجاورة لها، بدأ في نشر مليشياته بغرض السيطرة على أموال بعض القرى والحصول على أتباع جدد، وكان يستهدف بمليشياته القرى النائية، والناس الذين لم يتمكن الإسلام من قلوبهم، ففي سنة (484هـ) تمكن من السيطرة على منطقة قهستان الجبلية([22])، وكان سكان تلك المنطقة في بداية الإسلام، ويعيش فيها بقية من بني سيجمور أمراء خراسان أيام الساسانية.

استطاع ابن الصبَّاح أن يضم سكان تلك المنطقة إلى ملكه عن طريق استغلال حالة العداء بين بني سيجمور وبين أمير السلاجقة على تلك المنطقة، مستغلاً ظلم الأمير لهم الناتج عن رفضهم إعطاءه أختاً لسيدهم ([23]).

كذلك استطاع الحسن بن الصبَّاح أن يسيطر على أقاليم وقلاع كثيرة؛ منها قلعة "وسنمكوه ملكوها"، والتي تأذى الناس بسبب وجودهم بها، فاستغاثوا بالسلطان بركيارق فجعل عليها من يحاصرها فحوصرت ثمانية أشهر، حتى أخذت منهم سنة 489هـ ([24]).

وظل في مقره - قلعة ألموت- يبث الرعب، ويخطط المخططات الإجرامية، ولم يخرج منها لفترة طويلة من الزمن، ولنا وقفات مع بعض جرائمه وأتباعه، وكيف عمل السلاجقة على اجتثاث جذورهم من بلاد المسلمين فيما سيأتي إن شاء الله فللحديث بقية..

 

لفتات سريعة مما سبق:

* دائماً ما يهتم أصحاب العقائد الفاسدة بالعلوم التي تضمن بقاء عقائدهم مثل: علوم الفلسفة والنجوم والسحر، ويهمِلون علم الكتاب والسنة لعلمهم أنهما يتنافيان مع عقائدهم.. ولأنهم يجدون في تلك العلوم بغيتهم من إدخال شبهاتهم الباطلة على دين الإسلام..

* اختلاق الأسباب التي تضمن بقاءهم في الحكم، مثل ادعاء الغيبة والاستتار في حق الإمام المزعوم، ولا زال أصحاب هذه العقائد حتى يومنا هذا يضحكون على عوام الناس بمثل هذه الترهات والمزاعم، وما ولاية الفقيه أو نائب الإمام عنا ببعيد..

* حينما لا يجدون قبولاً لدعواتهم بين الناس، يلجؤون إلى استخدام القوة حيناً، واستغلال حاجة الناس إلى المساعدة حيناً آخر.

استباحة دماء الناس وأموالهم بشكل مُفرِط هو ديدنهم، ويغفلون كل معاني الإنسانية فضلاً عن معاني الدين الإسلامي الحنيف.. وما المجازر المذهبية التي شهدها المسلمون في العراق إلا خير دليل على ذلك..

 

 


[1]- جامع التواريخ للهمذاني.

[2]- الأعلام، الزركلي (2/193).

- [3] تذكر بعض الروايات أنه ولد في (445هـ)، انظر الموسوعة العربية، المجلد الثامن.

[4] - قيل: إنه ولد في مرو، الأعلام للزركلي (2/193).

[5]  - الموسوعة الميسرة ..

[6] - الموسوعة العربية (8/308)، والكامل (4/374).

[7] - الكامل، ابن الأثير (4/374).

[8]  - الموسوعة العربية (8/309).

[9] - ميزان الاعتدال، الذهبي (1/500).

[10]- نظام الملك: أبو علي الحسن الطوسي، أحد أشهر وزراء السلاجقة، كان وزيرا لألب أرسلان وابنه ملكشاه.

[11] - الكامل، ابن الأثير (4/374).

[12] - المرجع السابق (4/218).

[13]- المرجع السابق.

[14] - تاريخ الفاطميين، د. محمد طقوش ص 392، 393. الأعلام، الزركلي (2/193).

[15]  - الكامل، ابن الأثير (4/218).

[16]  - تاريخ الفاطميين، د. محمد طقوش ص 393.

[17]  - انظر الموسوعة العربية (8/309)

[18]  - الكامل، ابن الأثير (4/374).

[19] - الكامل، ابن الأثير (4/374).

[20] - المرجع السابق (4/374)، والموسوعة العربية (8/310).

[21] - سير أعلام النبلاء، الذهبي (37/381).

[22] - على الحدود الحالية بين إيران وأفغانستان.

[23] - الكامل، ابن الأثير (4/375).

[24] - المرجع السابق. وقد ذكر ابن الأثير معظم القلاع التي وقعت تحت سيطرة الحشاشين.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: