فرق ومذاهب\العدد مائة وعشرة - شعبان 1433 هـ
حقيقة روجيه جارودي
الأربعاء 20 يونيو 2012

 

الشيخ عبد الحق التركماني – موقعه الشخصي

[ نعيد نشر هذه المقالة بسبب وفاة جارودى في 16/6/2012، ومع تأييدنا للمقالة - كتبت في عام 1998 - إلا أننا لا نعرف بماذا ختم للرجل، ولعله تاب وحسن إسلامه، لكن لم يصلنا إثبات على ذلك. الراصد ]

مقدمة:

أكتب هذه الكلمات وقلبي يكاد يتقطّع وأنا أَلْحظُ أيدي الباطنية، وهي تمكر بأمتنا، وتعمل لعدوان شامل على عقيدتنا ومقدساتنا، وفاءً لابن سبأ، وقرمط، وبني عبيد، والنصير الطوسي، وسيراً على خطاهم في الكيد للإسلام والمسلمين. ثم يزداد ألمي وهمي عندما أجد أن معظم المسلمين ليسوا فقط في حالة جهلٍ بالمشروع الباطني ـ الذي يُخَطَّطُ له ويُنفَّذُ بدقة وذكاء ـ بل إن مجاميع من كبار المثقفين والدعاة الإسلاميين، خاصة من كان منهم من أدعياء: "فقه الواقع"؛ هم أول الناس جهلاً به، بل وسقوطاً في شباكه، حتى أنهم صاروا أداةً للدعاية لدعاته، والترويج لأفكاره. فها هو ذا رأس من رؤوسهم؛ يهودي يدَّعي الإسلام، يتلقَّى دعماً وتأييداً منقطع النظير من "الإسلاميين"، لا لشيء إلا لأنه اختلف مع أبناء جلدته من اليهود في بعض المسائل الفرعية! وكأن القاعدة عند هؤلاء "الإسلاميين": أن كل من اختلف مع اليهود في مسألة من المسائل، فلا بدَّ أن يكون: "عبد الله المؤمن"!!

ولو أن هذا اليهودي ـ بعد أن أظهر الإسلام ـ أخفى وجهه الحاقد القبيح؛ كان يمكن أن نقول: أن أمره انطلى على فقهاء الواقع! وإنهم عاملوه بالظاهر من أمره! فكيف وهو لم يفتأ ـ منذ أول يوم ادَّعى فيه الإسلام، وحتى يوم الناس هذا ـ: يحارب دِينَ الله، ويُنَاقض القرآن، ويهدم أُصول وقطعيات الإسلام جهاراً نهاراً، دون حياءٍ ولا خوفٍ ولا ترددٍ!

فمن هو هذا اليهودي؟ وما هي قصته؟ وما هي الدروس والعبر التي يمكن أن نستخلصها من خلال استعراض فكره ودعوته وتأييد الإسلاميين له؟

هذه أسئلة تطرح نفسها، وقد رأيت أن الإجابة عليها، وبيان الحق فيها، واجب عليَّ نصيحة لله ولرسوله ولعلماء المسلمين وعامتهم، وغيرةً على دين الله، وإقامةً للحجة على المغالطين والحالمين. واعتمدت على البحث القيم الذي أصدره الأستاذ عادل التل؛ بعنوان: " فكر جارودي بين المادية والإسلام" (دار البينة، بيروت ط 2 / 1997). مع إضافة قليلة من مصادر أخرى، والله أسأل أن ينفع به عباده المؤمنين.

عقيدة (جارودي) ودعوته:

1- بطاقة تعريف:

ولد (روجيه جان شارل جارودي) في مدينة مارسيليا جنوب فرنسا عام 1913 من أبوين يهوديين، كما صرحت بذلك الكاتبة حياة الحويك العطية [1] ـ وهي مقرَّبة جدًّا من جارودي ـ، ولكن مصادر "الإسلاميين" تصرُّ على إخفاء هذه الحقيقة، والاكتفاء بالقول: بأنه ولد ونشأ في عائلة علمانية محافظة[2].

اعتنق النصرانية في مرحلة الشباب، وفي عام 1933 انضم إلى صفوف الحزب الشيوعي الفرنسي، وبدأ دراسة مؤلفات ماركس وأنجلز ولينين. وفي عام 1953 حصل على درجة الدكتوراة في الفلسفة من جامعة السوربون على دراسته (النَّظرية المادية في المعرفة). اختلف مع الحزب الشيوعي، فاضطر الحزب لفصله 1970. ثم بدأ سنة 1972 مرحلة حوار الحضارات، وأصدر عدة دراسات في ذلك، وفي سنة 1976 أسس المعهد الدولي للحوار بين الحضارات، وهو مدير هذا المعهد. وفي 2 / 7 / 82 أعلن إسلامه أمام المؤسسة الثقافية الإسلامية في جنيف، وقد أصدر مجموعة من الكتب حول الإسلام، قبل وبعد إسلامه.

 شخصية جارودي قبل ادعائه الإسلام:

عُرف جارودي بالتناقض، وازدواجية الشخصية، والقلق والحيرة، وظهر ذلك جلياً عندما وجد نفسه الوقت ذاته عضوا بارزاً في الحزب الشيوعي، ورئيساً لجمعية الشباب المسيحيين البروتسانت. ولقد دفع هذا أباه أن يتهمه بالجنون والتناقض [3] ولهذا اضطر الحزب الشيوعي إلى اتهامه بالتآمر واللعب على الحبلين [4].

هذا التآمر واللعب على الحبلين لازم جارودي، والتزم هو به حتى بعد إسلامه كما سنرى.

 الجمع بين الماركسية والمسيحية والإسلام:

يعلن جارودي أن انتسابه للإسلام لا يعني التخلي عن الماركسية، أو ترك النصرانية، ويقول بالحرف الواحد: "دخلتُ الإسلام وبإحدى يديَّ الإنجيل، وباليد الأخرى كتاب رأس المال لماركس، ولست مستعداً للتخلي عن أيٍّ منهما" [5].

وصرّح أيضاً بأنه لم يتخل عن الماركسية [6].

ويصرّح بأنه يحافظ على الازدواجية، حتى بعد إسلامه، فيقول: "اخترت المسيحية ديناً، ثم انتسبت إلى الحزب الشيوعي الفرنسي، وقادتني حكمة الحكماء وفي مقدمتهم كيركغارد إلى العقيدة الإبراهيمية ... ورغم حيرتي وقلقي فقد حافظتُ على هذه الازدواجية طيلة خمسة وثلاثين عاماً، ولست نادماً على ذلك" [7].

ويلاحظ أن جارودي لم يذكر هنا أخيراً: الإسلام، بل ذكر "العقيدة الإبراهيمية" ويعني بذلك: وحدة الأديان الثلاثة: اليهودية والنصرانية والإسلام، واعتبارها كلها: العقيدة الإبراهيمية.

ونحن نقول -كما قال ربُّنا عز وجل-: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [آل عمران: 67]

 موقف جارودي من أصول الإسلام:

ولا سبيل هنا إلى تفصيل القول في بيانه، ولكني سأُلخص هنا الخطوط العريضة لعقيدته في النقاط التالية:

1- مفهوم الإيمان: يستبعد جارودي أن يكون للإيمان مبادئ محددة، أو قواعد مقررة، إنما هو مثل الفرضية السياسية، فيقول: "ثم إن الإيمان حاله حال النظرية السياسية، فهو ليس إرثاً من المبادئ والطقوس المسبقة، بل مهمة لابد من إنجازها. إن إيماني بالإسلام هو انجاز" [8]

2- لا يكفر بالطاغوت: فهو يقول بوحدة الأديان، ولا يتخلَّى عن عقائده السابقة، ويقول: "إن إيماني بالإسلام هو انجاز وليس انشقاقاً، في الوقت الذي لا أنكر فيه المسيح، ولا ماركس، ولا قضية حياتي المركزية، وأنا سعيد الآن، وأنا في السبعين من عمري لأنني بقيت مخلصاً لأفكاري" [9].

3- إنكار القدر وقيُّومية ربَّ العالمين: يؤمن جارودي بالمادية الماركسية، وينكر القدر، فيقول –مثلاً-: "فالله والإنسان والطبيعة يشتركون في مغامرة واحدة، ليست نهايتها مكتوبة في أي مكان. فلسنا عبيد قدر ما، والقدر ليس بأيدينا. فنحن أيدي هذا القدر، ونحن مسؤولون عن خلق العالم المستمر" [10].

ويقول: "إن الله لم يخلق منفذين مستسلمين للقدر، إنه جعل من الإنسان خليفةً، أي خليفة الله على الأرض، والخليفة ليس منفذاً قدرياً، إنه إنسان يأخذ القرارات عندما يكون الحاكم غائباً، ولا يمكن لأي كان أن ينزع منا هذه المسؤولية" [11].

4- إنكار البعث والنشور: يقرر جارودي بجزم أن الحساب الأخير ليس هو الذي يأتي بعد انتهاء الحياة الدنيا، بل هو: "أن نحيا في صفاء مع الله في كل آن" [12]. وينكر البعث والنشور صراحةً فيقول: "ذلك هو البعث، فهو ليس ظاهرة كيميائية غريبة يسوى بموجبها لحمنا ودمنا وعظمنا من جديدٍ. إن الأمر يتعلق بمثلٍ ضربه الله لنا، وهو اللغة الوحيدة التي اعتمدها الله المتعالي، الذي ليس كمثله شئ ليوحي إلينا بحقيقته التي لا تدركها حواسنا ولا فهمنا، فالبعث ممكن كل يوم لأن قدرتنا على تقويم ماضينا تمكننا رغم هفواتنا وذنوبنا من بعثِ إنسانٍ جديدٍ واعٍ.

إن البعث والحياة الحقيقية هو ذلك الإسلام اللا مشروط لهذا التعالي الإلهي، والرابطة الجماعية التي أوكل لنا الله مهمة إرسائها [13].

5- إنكاره لحجية السنة النبوية: يقول جارودي: "إن سنة النبي لم توضع لأجل المستقبل، لما بعد وفاة محمد فحسب، إذ أن الله يذكر رسوله في عدة مناسبات أن من الواجب عليه، خارج الوحي الذي يبلغه في القرآن، أن يقول: {إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} [الكهف: 110] {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ} [الغاشية: 21-22] في القرآن أمر بطاعة النبي، لا بتقليده، اللهم إلا في إيمانه وعقيدته" [14].

وقد حاول جارودي أن يحدد الدوافع التي جعلته لا يرى التقيد بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، ومن الأمور التي ذكرها:

المسوغ الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم رغب أن لا تدون أحاديثه. قال جارودي: "لم يشأ النبي صلى الله عليه وسلم أن تدون أقواله الشخصية، بل أراد فقط أن تكتب آيات القرآن حتى لا يخاطر بالخلط بينها وبين كلام الله" [15].

قلت: وهذه شبهة باطلة، وإنما كان هذا في أول الإسلام ثم كتب بعض الصحابة حديثه بإذنه وإقراره بل وبأمره كما في حديث أبي شاهٍ، عند البخاري وغيره.

المسوغ الثاني: زعم جارودي أن النبي صلى الله عليه وسلم: "كان يرى أن تفسيراته الشخصية لا أهمية لها إلا عندما تسترجع إلى القرآن: "بعد وفاتي، ستتكاثر الأحاديث والروايات المنسوبة إليَّ، مثلما ينسب إلى الأنبياء السابقين عدد كثير من الأحاديث التي لم تكن صادرة عنهم. وما يشاع قوله وكأنه صادر عني يتعين عليكم أن تقارنوه بكتاب الله: فما كان متوافقاً معه فهو مني، سواء قلته في الحقيقة أم لا" [16].

قلت: وهذا حديث موضوع كما قال السَّاجي، وعلي بن المديني، وابن بطة [17]، وغيرهم من الأئمة.

المسوغ الثالث: يذكر جارودي قولاً عن النبي صلى الله عليه وسلم: "وعندما أبلغكم أمراً بخصوص الدين تقبلوه، ولكن عندما أخبركم أمراً بخصوص أمر الدنيا، فعندها لا أكون سوى بشر مثلكم" [18].

قلت: وهذا كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما قال صلى الله عليه وسلم: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" وذلك في موضوع تأبير النخل.

وفي الحقيقة إن أمر الدنيا الذي عناه الرسول صلى الله عليه وسلم هو موضوع محدد في القضية، يقاس على تأبير النخل وما في موضوعه من الأساليب الزراعية والوسائل الصناعية المحضة، دون تشريعاتها التي يجب أن تخضع للشَّرْع الإسلامي بشكل كلي.

وهذا أمر واضح -كما يرى القارئ- فهو دنيوي تماماً لا يختص بالتشريع، وثمة فرق كبير بين قول الرسول صلى الله عليه وسلم المتعلق بتقنية من تقنيات الزراعة وبين ما جاء من نصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم تنظم شؤون المسلمين بوحيٍ من الله تعالى.

المسوغ الرابع: يقول الجارودي: "لقد أُدخِلَ مفهوم السنة من خارج القرآن وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم" [19].

قلت: وهكذا يتهم هذا اليهودي المسلمين بأنهم أدخلوا مفهوم السنة من خارج القرآن، وهذا افتراء عظيم على أمة الإسلام. والقرآن الكريم نفسه يبين كذب وافتراء جارودي: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

المسوغ الخامس: تضخم الأحاديث النبوية: يقول جارودي: "وفي خلال قرنين –وبعد أحاديث صحيحة- كانت تضخم الأحاديث. كتب ابن خلدون: لم يكن كبار الأئمة يعلمون كلهم مقداراً واحداً من الأحاديث فلم يرو أبو حنيفة سوى 17 حديثاً واكتفى مالك برواية 300 حديثاً في كتابه "الموطأ". وروى ابن حنبل 30 ألف حديث في "مسنده"" [20].

قلت: وهذا اتهام واضح لأئمة الإسلام الذين دونوا السنة النبوية بأنهم ضخموا الأحاديث، وقد رد عليه الأستاذ التل رداً جيداً فليراجع.

والخلاصة: أن جارودي يدعو إلى إنكار حجية السنة، والاكتفاء بالقرآن. ويؤكد جارودي عدائه للسنة النبوية، واستخفافه بصاحبها عليه الصلاة والسلام وذلك في نصين:

الأول يقول فيه: " السنة: التراث. وهذه الكلمة غالباً ما تستعمل في القرآن بمعنى ازدرائي: فهي تدل على العادات الجاهلية التي يدعو القرآن للقطع معها. إن سنة النبي لم توضع لأجل المستقبل ...".

وهكذا فسنة النبي صلى الله عليه وسلم يمكن أن تكون -عند جارودي-: تراثاً جاهلياً داعياً للازدراء.

والثاني يقول فيه: "الشرط الأساسي لتجنب الانغلاق على التفسير الحرفي هو أن نستعيد القرآن نفسه بعيداً عن تحجر 1200 سنة من التفسير، ومن المدرسية، ومن التقليد. مهما كانت قيمة التراث: سنة النبي، أقوال كبار المفسرين، كبار الفقهاء القدماء ... ومهما كان الاحترام الذي يتوجب علينا تجاه هذا التراث لما نستمد منه من تجارب، لا يمكننا وضع القرآن –الكلام الإلهي- في مرتبة واحدة مع التراث الذي هو كلام إنساني، ولا يحق لنا ترك كلام الناس يحجب كلام الله" [21].

قلت: وهكذا يجعل جارودي سنة النبي صلى الله عليه وسلم من التراث الإنساني، ويجعلها مما يحجب كلام الله عز وجل.

6- جارودي والتشريع: يعتبر جارودي أحكام القرآن قانوناً أخلاقياً، وليست حكماً تشريعياً يجب الالتزام به، بل تشريع الأحكام الذي يسميه (الفقه) موكول إلى البشر، ولهذا يقول: "إن الشريعة أو الطريق/الشرعة تدل إذن على توجه أخلاقي شامل، وليس عدد معين من الوصايا الفقهية المرتبطة بأوضاع تاريخية تتبدل" [22].

وبما أن جارودي يؤمن بالتوراة والإنجيل على صورتهما المحرفتين الموجودتين الآن ويؤمن بالقرآن –أيضاً-، والثلاثة عنده بمنزلة واحدة، وفيها أحكام مختلفة لا يمكن الأخذ بها جميعاً، لهذا فإنه يرى في نظريته هذه حلاً لهذه الإشكالية، فجعل هذه الكتب الثلاثة مصدراً لـ "قانون الله الأخلاقي" –وصرف النظر عن الأحكام التشريعية الواردة فيها-، وهو الباب الذي يستطيع منه أن يلج إلى وحدة الأديان، والوحدة الإبراهيمية الفيديرالية، يقول جارودي تفسيراً لقوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13]:

"يعبر هذا النص بوضوح عن كون الشريعة (الطريقة) هي تلك التي تقود الإنسان إلى الله، وهذه لا يمكنها أن تكون حكماً قانونياً لأن التشريعات تتباين في التوراة والأناجيل والقرآن، بينما يشدد الله على تواصل رسالته: ينصح بالرجوع إلى أولئك الذين تلقوا الرسالة قبل القرآن، وبالتالي يوصي بالعودة إلى التوراة والأناجيل" [23].

قلت: ما أجرأك على الكذب على الله تعالى، ونحن نقرأ في القرآن نفسه –وإن رغم أنفك-: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85].

ويفسر جارودي القرآن حسب النظرية المادية التاريخية فيعتبره: "تاريخ شعب ومن ثقافته وحياته" [24].

وقد أطال الأستاذ عادل التل في هذا الفصل، فليرجع إليه.

7- الوحدة الإبراهيمية: يؤكد جارودي دائماً اتباعه لنبي الله تعالى إبراهيم، وإيمانه به، وإذا سئل عن إسلامه فإنه يبادر إلى ذكر إبراهيم عليه السلام، والهدف من ذلك واضح جداً وهو: اعتبار اليهودية والنصرانية والإسلام ديناً واحداً ضمن "الفيديرالية الإبراهيمية".

يقول: "إن الفكرة الأولى لعلاقات المسلمين مع بقية الطوائف الدينية في فكر ورأي النبي كانت إقامة ما نسميه اليوم "وحدة فيديرالية للطوائف الدينية"، لكن حصل أن هذا الأمر لم يتحقق أبداً في التاريخ، لا في المسيحية، ولا في اليهودية أو في الإسلام لكني أعتقد أن هذه المعادلة قابلة للتعايش والاستمرار، أي أن تصل بنا إلى روابط الجماعة" [25].

وهكذا يزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم سعى لإقامة الوحدة الفيديرالية، ثم يتهم النبي صلى الله عليه وسلم بالفشل في رسالته!!

ويبلغ جنون جارودي حداً لا يطاق عندما يستنبط التثليث من القرآن لايجاد التوافق بين النصرانية والإسلام فيقول: "سنضع جانباً –أيضاً- الاتهامات الموجهة من المسلمين إلى المسحيين حول سر التثليث، لأن محتوى سورة الإخلاص (قل هو الله أحد) يطابق تماما مع قول مجمع (لاتران) المنعقد عام 1215 حول التثليث "الله: آب، وابن، وروح قدس" وهذه حقيقة معنى (لم يلد ولم يولد) القرآنية" [26].

ومن هنا فإن كل من يريد التمييز بين الأديان، والفرقان بين الحق والباطل، فإنه أصولي متطرف يجب مقاومته ولهذا السبب ألف جارودي كتابه "الأصوليات المعاصرة".

ولهذا الغرض –أيضاً- أسس جارودي "المعهد الدولي للحوار بين الحضارات" في قرطبة. ولعلنا نفصل القول في هذا لاحقاً.

8- طعنه في السلف الصالح: إذا كانت جميع فرق الضلال والباطنية متواصية على مناصبة الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه العداء، والطعن فيه قديماً وحديثاً، فلا تعجب أن جارودي يشارك في نفس الجريمة [27]. ثم يتبع ذلك بالطعن في بالخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، وقبله الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، وأخيراً: شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهم الله تعالى.

ولا عجب –أيضاً- أن يثني على الماسوني: جمال الدين الأفغاني –كذباً والإيراني حقيقة- ويعتبر عمله التخريبي في الأمة: "محاولة تجديد إسلام حي في مواجهة إسلام حجرته الأصولية" [28].

9- التفسير المادي التاريخي للقرآن الكريم: وقد ظهر لنا شئ من هذا عند ذكر انكاره تشريعات القرآن كأحكام قانونية، وهنا نكتفي بنص واحد له، إذ يقول: "لغة الرسالة ليست رمزية فقط بل تاريخية أيضاً"[29]. ويقول أيضاً: "تاريخانية القرآن تستنج أيضاً من واقعة أن الوحي بالرسالة الخالدة موجه إلى شعب معين في فترة محددة من تاريخه، وبلغة تمكنه من فهمها" [30].

10- جارودي والتصوف: ويشيد جارودي بالفكر الصوفي، ويثني على غلاتهم كابن عربي، بل ويظهر اهتمامه واعجابه بالصوفية الهندية الهندوكية [31]. وهكذا يهيأ جارودي الطريق من وحدة الأديان إلى وحدة الوجود.

11- جارودي والرافضة: الباطنية جميعاً أمة واحدة وإن تعددت وجوهها، أو اختلفت في بعض المواقف والتفاصيل، وهكذا نجدها جميعاً في صف الثورة الرافضية التي فجرها كاهن النجف: الخميني، وجارودي منهم، ولذلك نجده يقول: "مع هالة الظفر الهائل للطف والقوة الروحية في مواجهة قوة الأسلحة المادية، صار الإمام الخميني القائد الباهر للبلاد باسم الأخلاقية الإلهية المقاومة لقمع "الشيطان" الأمريكي وربيبه؛ الشاه السابق" [32].

وبعد: فهذه عقيدة جارودي المصادمة لأصول وقطعيات دين الإسلام، ولا يظنن ظان أنه قد تخلى عن شيء منها، فهو في كل مناسبة يؤكد على تمسكه بها، ومضيه في الوجهة التي هو عليها، ولعل من آخر اللقاءات الصحفية التي جرت معه ما نشرته مجلة "المجلة" بعددها 839، وفيه تأكيد منه على مجمل ما تقدم.

موقف إمام العصر من جارودي

ولقد تصدى لهذا اليهودي الخبيث إمام العصر عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله، فأصدر بياناً في حكم الشرع في جارودي، نشر في مجلة البحوث الإسلامية عدد 50/ ص 361 – 371 ، وبين سماحته: "أن الجارودي لا يحكم عليه بأنه مرتد عن الإسلام، بل يقال أنه كافر أصلي، لم يدخل في الإسلام كما توهم بعضهم، وإنما هو كافر أصلي لم يدخل في الإسلام كما اعترف هو بذلك حيث يقول: "انتهيت إلى الإسلام دون التخلي عن اعتقاداتي الخاصة وقناعاتي الفكرية" انتهى.

ابن باز عالمٌ رباني، فقيه النفس، ذو اطلاع واسع على واقع وحال الأمة، وهو يبني أقواله ومواقفه على أساس العلم والعدل، أما أولئك الحركيون الإسلاميون فلا علم عندهم بالشريعة ولا فقه لديهم بالواقع، لهذا تراهم يجمعون بين الجهل والظلم.


[1]في مقال لها بصحيفة الدستور 6/7/1996.

[2]انظر مثلاً موقع مناصرة جارودي على الانترنت من قطر على هذا العنوان:

 www.garaudy.net/Arabic/whosa.htm

[3]R. Garaudy Bigrapgie du 20e siecle p.42

[4]جارودي: الحقيقة كلها، ص 207 - 208، تعريب فؤاد أيوب.

[5]MonTour du 20e siecle p.337

[6]السبيل الأردنية، العدد 104 بتاريخ 12/11/95.

[7]جريدة تشرين السورية، 25/3/84.

[8]جريدة تشرين السورية، 25/3/84.

[9]جريدة تشرين السورية، 25/3/84.

[10]جارودي: حفاروا القبور ص 89.

[11]الموقف 1984.

[12]مقدمة جارودي لكتاب: المشكلة الدينية، ص 7.

[13]مقدمة جارودي لكتاب: المشكلة الدينية، ص 8.

[14]الأصوليات المعاصرة، ص 82 لجارودي.

[15]الأصوليات المعاصرة، ص 83.

[16]الأصوليات المعاصرة، ص 83.

[17]ابن بطَّة: الإبانة 1/267.

[18]الأصوليات المعاصرة، ص 83.

[19]الأصوليات المعاصرة، ص 83.

[20]الأصوليات المعاصرة، ص 83.

[21]الأصوليات المعاصرة، ص 83.

[22]الأصوليات المعاصرة، ص 86.

[23]الأصوليات المعاصرة، ص 86.

[24]الأصوليات المعاصرة، ص 93.

[25]الموقف 1984.

[26]الإسلام الحي لجارودي، ص 18.

[27]الأصوليات ص 78.

[28]الأصوليات ص 75.

[29]الإسلام الحي، ص 68.

[30]الإسلام الحي، ص 68.

[31]وقد فصل القول في هذا الأستاذ عادل التل، وإنما غرضي هنا الإشارة المجملة.

[32]الأصوليات ص 66.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: