علاقة حزب البعث العربي الاشتراكي بالشيعة في العراق
الأحد 27 مايو 2012

 

عبد الهادي علي – كاتب عراقي

 

نشأة حزب البعث:

تأسس حزب البعث في دمشق سنة 1947 على يد نصراني ومسلم هما: ميشيل عفلق وصلاح البيطار، وسيطر هذا الحزب الذي جمع بين القومية العربية والاشتراكية على السلطة في سوريا سنة 1963 وفي العراق سنة 1968.

والبعث حزب قومي اشتراكي علماني انقلابي له طروحات فكرية متعددة، والرابطة القومية عنده هي الرابطة الوحيدة القائمة في الدول العربية والتي تَكُفل الانسجام بين المواطنين وانصهارهم في بوتقة واحدة، وتكبح جماح سائر العصبيات المذهبية والطائفية والقبلية والعرقية والإقليمية، وأما الاشتراكية في فكرِه فهي تعني تربية المواطن تربية اشتراكية علمية تعتقه من كافة الأطر والتقاليد الاجتماعية الموروثة والمتأخرة لكي يمكن خلق إنسان عربي جديد بعقل علمي متفتح، ويتمتع بأخلاق اشتراكية جديدة ويؤمن بقيم جماعية.

ويعتبر الحزبُ الرجعيةَ الدينية([1]) إحدى المخاطر الأساسية التي تهدد الانطلاقة التقدمية في المرحلة الحاضرة؛ ولذلك توصي القيادة القومية بالتركيز في النشاط الثقافي بالعمل على علمانية الحزب، خاصة في الأقطار التي تشوّه فيها الطائفية العمل السياسي، وإن أفضل سبيل لتوضيح فكرتها القومية هو شرح وإبراز مفهومها التقدمي العلماني، وتجنب الأسلوب التقليدي الرومنطيقي في عرض الفكرة القومية ولذلك سيتركز النضال في هذه المرحلة حول علمانية الحركة ومضمونها الاشتراكي لاستقطاب قاعدة شعبية لا طائفية من كل فئات الشعب، وبهذا تكون فكرة حزب البعث عربية الإطار والمظهر، شيوعية الحقيقة والمخبر، وقد استهتر الحزب بالقيم حتى قال قائلهم: 

آمنت بالبعث رباً لا شريك له                   وبالعروبة ديناً ما لــه ثان

لذا كان الحزب مأوى يتجمع فيه كل الناقمين على الإسلام أو الطامعين في الحكم، ففي سوريا: انتبه النصيريون إليه ودخلوه ليكون سلّما إلى دولتهم النصيرية، ودخل فيه الإسماعيليون مثل: سامي الجندي وعبدالكريم الجندي، والدروز: مثل سليم حاطوم، واليهود: مثل أحمد رباح الذي كان رئيسا للحزب في دمشق وإيلي كوهين الجاسوس الإسرائيلي الشهير، كما أن غالب مؤسسي الحزب ليسوا مسلمين أصلا، فزكي الأرسوزي نصيري ملحد، وميشيل عفلق مسيحي- حتى قيل إنه يهودي يوناني الأصل.  

أما في العراق فقد تأسس البعث في الناصرية والنجف سنة 1952 على يد فؤاد الركابي (أمين السر)، وقد لقي حزب البعث دعماً كبيراً من المرجع محسن الحكيم، المرجع الشيعي الأعلى وقتها، وكان عضو الارتباط بين حزب البعث والحكيم هو حسين الصافي.

وكان الشيعة هم الغالبية فيه كما أن لهم الحصة الأكبر في قيادته إلى سنة 1963([2]).

صحيح أن حزب البعث ليس له دين، بل هو حزب اشتراكي علماني، الولاء للحزب هو الأساس، لكن جذور الإنسان تعيده إلى أصوله؛ فمثلا الشيعي مهما حمل من ثقافات بعثية أو شيوعية يبقى تراث المظلومية والشعور بالإقصاء يعيش في دمه بينما لا يمتلك السني مثل هذا الشعور.

 وحزب البعث بعد تسنمّه السلطة سنة 1968 كانت الأسماء الشيعية هي الأشد سطوعا في المسؤولية ومنها: ناظم كزار، مدير الأمن العام والأشد سطوة في عالم التعذيب والقتل، وعلي وتوت، وهو حاكم عسكري وهو الذي حكم على مهدي حكيم بجرم الخيانة العظمى، وجعفر قاسم حمودي، وسعد قاسم حمودي، وحمزة الزبيدي رئيس الوزراء الشيعي والذي تلاه أيضا رئيس وزراء شيعي آخر وهو سعدون حمادي ثم صار رئيساً للبرلمان طوال فترة الحكم، وهاني الفكيكي، وحسن علوي، وعدنان حمداني، وحسن علي العامري، ومزبان خضر هادي، وعزيز صالح النومان ومحمد سعيد الصحاف.

 ومعلوم أن قوة الحزب الضاربة من الشيعة فناظم كزار أكبر مجرم في تاريخ العراق تولى مديرية الأمن ومساعده علي رضا باوة (كردي أفيلي أي شيعي)، ومدير التحقيقات علي الخاقاني. 

 

نسبة الشيعة في حزب البعث العراقي والجيش وأجهزة الدولة:

   *  نسبة الشيعة في كادر الحزب وفي القيادات الوسطية: 75%، و50 % من أعضاء القيادة القطرية شيعة.

   * نسبة الشيعة في الجيش 80% وتصل إلى 60% بين الضباط.

   * نسبة الشيعة في الحرس الجمهوري 60% من الجنود، و50% من الضباط.

   * نسبة الشيعة في الحرس الخاص 30% من الجنود، و20% من الضباط.

   * نسبة الشيعة في المخابرات 60%.

   * نسبة الشيعة في الأمن العام 75% من الجنود، و40% من الضباط.
   * نسبة الشيعة في الدوائر الحكومية 80% من الموظفين، و60% من المدراء العامين.
   * نسبة الشيعة في مجلس القيادة القطرية (مجلس الوزراء) 55%.

   * القائمة التي أعلنها الغزاة الأمريكان (قائمة الـ 55 مطلوبا) 35 منهم شيعة و14 سنة وواحد مسيحي.

 

هل البعث يعادي الشيعة؟

ليس لحزب البعث موقف مبدئي بمعاداة الشيعة، فالحزب كان قد احتضن الخميني وهو معمم وعالم شيعي؛ ولو كان حزب البعث ضد الشيعة كطائفة لما استضاف الخميني أكثر من عشر سنوات، وأقاموا له إذاعة بالفارسي وابنه مصطفى الخميني كان الوسيط بين أبيه وحزب البعث، وقد دعم البعث العراقي الخميني ومجموعته حتى منحهم جوازات عراقية للتنقل، بل دربوا عسكريا بمعسكرات خارج النجف وكان المسؤول عنهم يزدي زادة.

 والخميني كانت له صلات قوية بالبعثيين، فقد كان الخميني يتوسط عند صدام في القضايا المتعلقة به وكان رجاؤه يقبل حتى في المناسبات الخطيرة كما حدث في عام 1970 عندما حكمت محكمة الثورة على حسن الشيرازي بالإعدام لاتهامه بالتجسس لصالح دولة أجنبية، فتوسط الخميني عند صدام حسين الذي كان آنذاك نائبا لرئيس مجلس قيادة الثورة يطلب الرحمة والعفو عن المتهم، فقبل رجاءه وأعفى عن الشيرازي وأطلق سراحه بعد شهرين، وعندما توفي ابنه مصطفى قدم الخميني رجاءً  إلى الرئيس العراقي يطلب إصدار الأمر بدفن ابنه في الروضة الحيدرية (بصورة استثنائية) الأمر الذي كان ممنوعا إلا بقرار من مجلس قيادة الثورة، فقبل رجاؤه ودفن ابنه حيثما أراد الخميني.

وطلب أحمد ابن الخميني من الحكومة العراقية حماية أبيه من عمليات السافاك، وتم تخصيص حماية له، وعندما غادر الخميني العراق إلى الكويت ولم تسمح له السلطات الكويتية بالدخول إلى أراضيها بقي في الحدود الكويتية حيران لا يدري ماذا يفعل فعلمت حكومة العراق بذلك فوافقت على عودته إلى العراق، وقيل له إنه يستطيع العودة إلى النجف والعيش فيها إذا شاء على شرط أن يحترم قوانين العراق([3]).

فلو كان حزب البعث ضد الشيعة لما فعل ذلك بل البعث لا يفكر بشيعة وسنة وإنما يهتم بمصالحه العلمانية وله رؤيته الخاصة، وقد أثبتت الأيام فيما بعد أنها رؤى ضيقة وغير مدروسة.

ولأن حزب البعث حزب لا يؤمن بالتعددية، فهو حزب إقصائي لا يؤمن إلا بفكرِه ، فهو يحارب بكل ما أوتي من قوة وبطش كل من يريد أخذ السلطة منه، سواء كانوا سنة أو شيعة أو شيوعيين أو ناصريين؛ لذا عندما قاد الشيعة عدة مؤامرات على نظام البعث واجهها بكل قوة، ولكن ليس لأنهم شيعية، ولكن لأنهم نافسوه على السلطة التي يعتبرها حقا قدريا وأنه هو قدر الأمة، ومن أشهر هذه المحاولات:

1- محاولة عبد الغني الراوي (سني) بمؤازرة من جهاز السافاك (المخابرات) الإيراني.
2- محاولة اغتيال صدام في الدجيل سنة 1982، مما عرض الدجيل لانتقام صدام، والتي بسببها أُعدم صدام حسين لاحقاً.

 3- مظاهرات خان النص، نتيجة إحساس المرجعيات بأن البعث سيقص أجنحتها تباعا([4]).

 

وكذا كانت هناك محاولات سنية للانقلاب على البعث قابلها البعث بالبطش أيضاً، بل إن كل محاولات الانقلاب بعد احتلال العراق للكويت (في التسعينات) كانت سنية بامتياز، ومنها:

1- محاولة اغتيال صدام في العرض العسكري من أفراد عشيرة الجبور (السنة منهم).

2- محاولة انقلاب راجي التكريتي وبشير الطالب وجاسم مخلص التكريتي التي كشفهاالأمريكان لصدام حسين.

3- محاولة اللواء الطيار محمد مظلوم الدليمي.

4- انشقاق حسين كامل وانشقاق حامد الجبوري وهشام الشاوي.    

 

موقف الحزب بعد الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)

في الحرب العراقية الإيرانية تكشفت أمورٌ كثيرة، فقد أظهرت الأحزاب الشيعية الدينية ومنها حزب الدعوة وجهها الحقيقي الشيعي المذهبي، ومارست العمل ضد العراق كدولة وليس ضد البعث كحزب لصالح إيران، فقد جرت محاولات لتفجير الجسور وإثارة الفوضى - وهو نفس ما تعمله القاعدة اليوم- وكان حزب الدعوة قد تدرب في إيران على التخريب ومحاربة الجيش العراقي،  وهم مواطنون عراقيون وبلدهم في حالة حرب مع إيران، وأقلها أن يقف المرء على الحياد في هذه الحرب!!

   فلماذا يدّعى الآن أن حزب الدعوة والشيعة حوربوا لأنهم شيعة؛ أي حوربوا من أجل المذهب؟

وإن كان الشيعة وحزب الدعوة في خلاف وصراع مبدئي ومنهجي مع حزب البعث، فلماذا يصطفون مع حزب البعث السوري اليوم؟

في الحرب العراقية الإيرانية تكشفت لحزب البعث حقائق ووثائق خطيرة حول شيعة العراق وأن التيار الديني الشيعي ومرجعياته هم رهينة إيرانية نتيجة للمذهب، ولكن الحزب تهرب من مواجهة الحقيقة وفسّر هذا السلوك على أنه عداء قومي بين إيران والعرب، أي عداء فارسي عربي بسبب منظوره العلماني القومي،  لذا كان اختيار موضوع ومسألة الشعوبية تفسيرا لسلوك الشيعي وإيران وأنه هو المحرك الأساس لإيران ضد العرب ومنهم العراق، وأن التشيع هو المُستغل والمطية للحركة الشعوبية؛ وهو تفسير قومي قديم ومعروف في العراق منذ أيام ساطع الحصري، إذ أن التيار القومي يرفض التكلم في المذهب (الشيعي) بل يفسّر سلوك التشيّع من منطلق قومي شعوبي، وهو تفسير يتناسب وطريقة تفكير حزب البعث، والبعثيون ليومنا هذا يفسّرون سلوكيات الأحزاب الشيعية وإيران ذاتها على أنها سلوك قومي وليس دينياً؛ وهو جزء من الحقيقة في نظرنا ولكنه الجزء الأقل أهمية!!

وحزب البعث اضطر إبان الحرب العراقية الإيرانية أن يجند كل طاقاته الفكرية والفنية (الإذاعة والتلفزيون والجرائد والمجلات) ضد إيران كون منطلقها فارسياً شعوبياً، ولكن تورط أصحاب المذهب ومراجعهم والكشف عن تورط شيعي مذهبي حقيقي بالقضية؛ جعل البعث يتوجه لمحاربة الفكر الشعوبي ثقافيا؛ فألف البعثي الشيعي حسن علوي كتاب (دماء على نهر الكرخة) باسم مستعار هو: حسن السوداني، وهو نقد للسلوك الصفوي الشيعي، وتبنى بعض الكتّاب بشكل أعمق فكرة الكاتب الإيراني علي شريعتي في مؤلفاته التي تبنت تفسير سلوكيات الشيعة اليوم على أنه تشيّع صفوي دخيل على التشيع العلوي الحقيقي.  

وكتب الدكتور محمد البنداري - اسم مستعار للدكتور بشار عواد معروف - كتابه) التشيع بين مفهوم الأئمة والمفهوم الفارسي) لأنّ الوثائق الأمنية كانت تبين للقيادة العراقية تورط الشيعة في خيانة البلد كمذهب، وتعاطف بعض أعضاء حزب البعث (الشيعة) مع إيران؛ لذا أصبح التقييم للرجال - ومنذ الأيام الأولى للحرب العراقية الإيرانية-  ومواقفهم عند حزب البعث على أساس الموقف من الحرب ، وقد وجد الحزب أن العشائر العربية السنية في الدرجة الأولى ليس لها ولاء إلا للعراق وأنهم يستشعرون عداء إيران التاريخي للعراق، وهم أكثر اندفاعا من غيرهم لمحاربة هذا الخصم اللدود، وكذا كان موقف العشائر العربية الشيعية ضد إيران ولكن بنسبة أقل.

وظهر للقيادة أن الشخص الشيعي لابدّ من التأكد من ولائه الحقيقي بخلاف السني؛ لأن الشيعي إذا تديّن أصبح أقل ولاء من السني لبلده العراق سيما في هذه الحرب، وأكد هذه النظرة وصدقها فيما بعد الانتفاضة الشعبانية سنة 1991؛ فعندما ثار الشيعي كان التحرك يحمل صبغة طائفية في الجنوب، فقد كان الهتاف باللهجة العراقية: ماكو ولي إلا علي وإنريد حاكم جعفري) هذا الشعار كانت دلالاته كبيرة وانعكاسته في الوجدان الشيعي بما يحمل من قوة روحية تعبئ وتحرك الشارع الشيعي العراقي حتى قال أحد الشيعة: إن هذا الشعار كان غائباً 1400 سنة بعد أن غُيبنا واضطهدنا وقتلنا وشردنا وظلمنا ويُتمنا وغصب حقنا ودفنا في مقابر جماعية ونحن أحياء نتنفس التراب العراقي.

في هذه الانتفاضة ثار أغلب الشيعة ضد الحكومة العراقية ومؤسساتها، نعم كان كل العراقيين حانقين على سلوكيات حزب البعث وصدام حسين الحمقاء يوم أن دخل الكويت وحمّل الشعب العراقي تبعات سيئة نعيش ليومنا هذا في نتائجها، لكن السُنة في الغالب لم يكونوا ليثوروا والأمريكان يدكّون بغداد ومدن العراق بالقنابل ويهدمون البنى التحتية للدولة العراقية، لكن إيران كانت تنتظر بالمرصاد هذا اليوم، وتحريك الشيعة من قبل إيران عمل تمارسه إيران بسهولة ويسر مُستغلة تركيبة المذهب في الجنوب.

والسؤال: لماذا تستطيع إيران أن تحرك الشيعة ولا تحرك السنة؟

 والجواب واضح؛ لأنها تستغل المذهب الشيعي وما يحمله من أفكار من مثل المظلومية والثأر والعيش في التاريخ وإقصاء الآخر وتكفيره.

يومها أحست القيادة العراقية أن نَفَساً جديداً بدأ يتولد في المجتمع العراقي وبالتحديد في الوسط والجنوب، وأن كل التثقيف البعثي والقومي والوطني يتبخر في لحظة ويعود بالفرد الشيعي إلى هويته المذهبية وإلى مظلوميته المزعومة؛ لذا رأت القيادة أن سحق هذه الانتفاضة لابد أن يكون بأيدٍ سنية لا شك في ولائهم للبلد وليس للطائفة، وشاركهم بعض البعثيين الشيعة بعد ذلك كحمزة الزبيدي وغيره.

الحزب بعد سنة 1991 ومرحلة الحصار:

دخل العراق وحكومته طورا جديدا، فقد حُكم على العراق بالحصار منذ سنة 1990 ودمّرت البُنى التحتية للبلاد ودخلت مشاكل الحصار والفقر والضغوط الدولية، وتوجه الحزب بالتدريج  إلى محاربة المحتكرين إضافة إلى محاربة الفكر السلفي (الوهابي) وبدأ يتقرب بالتدريج نحو تيارات دينية أخرى (فقد أعطى جماعة الإخوان المسلمين حرية أكبر من السلفيين لكن الحرية أعطيت للتيار الصوفي بالدرجة الأولى)، وكان الشعب العراقي في حالة كراهية تجاه الحزب وصدام حسين لما سببه دخوله الكويت من مآسٍ للشعب، وظهرت عدة محاولات سنية للتخلص من صدام وحكومته كما ذكرنا سابقا، لكن كيف كان سلوك الشيعة الديني في مرحلة الحصار تلك؟

لقد تحولت الكيانات الشيعية الدينية إلى مكونات معارضة في أوربا وأمريكا وسوريا وإيران وبالتحالف مع الأكراد وقليل من السنة القوميين والوطنيين وغيرهم، ودعمتهم بشكل غبي الدول العربية؛ لأن همّ الدول العربية وقتها كان التخلّص من نظام صدام دون النظر إلى عواقب ومآلات هذا التغيير، فالبديل القادم لا تُعرف ماهيته بوضوح وهو مجهول؟

وكان همّ المعارضة هو جلب الاحتلال بغية الحصول على حكم شيعي؛ لذا ومنذ ذلك التاريخ بدأ الربط بين السُنة وحكم البعث والزعم بأن البعث هو حزب سُني، وأن الأكثرية الشيعية مظلومة وهكذا.

وممن رسخ هذه المفاهيم المغلوطة الشعوبي الشيعي الهندي الأصل حسن عليوي هندش في كتابه الخبيث (الشيعة والدولة القومية) الذي ألفه سنة 1990([5])، وابن هندش هو وأمثاله من البعثيين المنافقين رسخوا أفكاراً طائفية ذميمة خلاصتها: أن حزب البعث بل الحكم في العراق هو حكم سني منذ سنة 1921 واتهم السُنة بالخيانة والعمالة لبريطانيا، واستخدم هذا الكتاب لبث سمومه التحريضية التقسيمية.

 

في ذات الوقت ظهرت حوادث كثيرة في محافظات الوسط والجنوب تؤكد تصرفات جزء من الكوادر الحزبية البعثية بشكل طائفي لكن هذه الأمور كان يُغض الطرف عنها من قبل القيادة العليا، في الوقت الذي قامت فيه الحكومة العراقية بحملة قوية لمطاردة التيار السلفي (الوهابي) باعتباره خطراً على العراق، وساهم في ذلك أن بعض أعضاء الحزب  المقربين من التيار الصوفي (مثل عزة الدوري) بدأ يحارب التيارات السلفية بشكل حاد، وهو ما استغله كثير من الشيعة في الحكومة والحزب لضرب التيار السلفي والذي وقف بوجه مخططات الشيعة في البلاد، وهو كان من أعرف أهل العراق بها، واستطاع خلال فترة الثمانينات إلى الاحتلال الأمريكي عام 2003 تحويل أكثر من نصف مليون شيعي إلى مذهب أهل السنة.

كما أن التيار الشيعي بدأ يعيد تأسيس خلاياه ونشاط أحزابه بالعودة والعمل داخل العراق، وأثمر ذلك محاولة اغتيال عدي ابن الرئيس العراقي صدام حسين سنة 1996، والذي أصيب من يومها بالشلل، كما أن تحركاتهم في الجنوب أصبحت قوية وواضحة، ومنذ ذلك الوقت برز التيار الصدري، وحزب الدعوة والمجلس الأعلى وحزب الله، في ذات الوقت كان الشيعة في الخارج يحرضون الدول الكبرى على إسقاط صدام ونظامه عسكريا.

البعث بعد الاحتلال:

الاحتلال زلزال مرّ بالعراق ودمره بالقوى الأنكلوسكسونية التي استدعتها القوى الكردية والشيعية لا لتحتل العراق وحسب بل لتدمره وتقلبه رأسا على عقب، وتحطم جهد 80 عاما من بناء الدولة العراقية الحديثة، والتي بنيت على أيدي رجال أكفياء (وأكثرهم سنة)، كان الاحتلال بالنسبة لحزب البعث كارثة أخرى فقد أزيح الستار عن حكم دام 35 عاما وكأنها إزاحة إلى الأبد، فقد بهت الحزب لوضعه الجديد ولم يعرف ما هي الخطوة التالية، وهم يواجهون منذ أول أيام الاحتلال مطاردات من هنا وهناك لبعض الرفاق وتخرج قائمة المطلوبين بـ (55 شخصاً) من القيادات البعثية، ثم صدر قانون اجتثاث البعث.

كانت الحملة الأولى في التصفيات من قبل الأحزاب الشيعية الدينية هي من نصيب البعثيين فلغاية الشهر الثامن سنة 2003 كان هناك تقرير عن مقتل 3000 بعثي كلهم سنة سوى ثمانية أو تسعة شيعة، وبرز دور الأحزاب الطائفية واضحا في ذلك، وبدأ أعضاء الحزب يهربون شيئا فشيئا خارج العراق، وانقسم الحزب إلى جماعة يونس الأحمد التي ارتمت نوعا ما في أحضان النظام السوري (النصيري) وجماعة عزة الدوري وهي الجماعة الأكبر، وظل الحزب لسنين يحلم بالعودة أو الحاجة إليه، لكن الأمور سارت بخلاف ما يريد فقد تكونت حكومة شيعية بقيادة إبراهيم الجعفري ومن ثم نوري المالكي إلى يومنا هذا والحزب مطلوب ومطارد إلا أن كثيرا من الشيعة البعثيين اليوم يعملون وبمناصب عليا وفي أحزاب شيعية([6]) ومنهم من رجع إلى وظيفته في حين أن أغلب البعثيين السنة بقوا مشردين في مصر واليمن والأردن وسوريا وفي أوربا.

واقع حزب البعث ومستقبله:

أفكار الحزب والتي كان من المفترض أن يكون أعيد النظر فيها لم تتغير بل تحجّرت على مفاهيم قديمة تشبه مرحلة السبعينات من القرن العشرين، ولا تمتلك رؤى صحيحة تفسر ما حدث في العراق سابقا ولا حلول واقعية للأمة.

ورغم أن كثيرا من أفراد الحزب تركوه كفكر بحكم السن، وفشل كثير من نظرات ونظريات الحزب، وتحولوا إلى شخصيات ملتزمة دينيا نوعاً ما، وخفت لهجة العلمانية عندهم([7]).

وبدأ كثير من البعثيين السُنة يشعرون أن الشيعة كمذهب هم أحد مصادر السوء في العراق لا سيما بعد تغوّل إيران في العراق وتمدد التشيع، وأن هذا التعاون مع إيران غير مبرر، إضافة إلى أن سلوكهم كأفراد  كان سلوكا مشينا، ومحاولات تشييع بغداد الديمغرافي بل والعراق كله واضحة للجميع، وسكوت الشيعة الوطنيين على هذا السلوك واضح إلا ما ندر (والنادر لا اعتبار له)، بل اكتشف الحزب أن الكثير من البعثيين يعملون مع الأحزاب الشيعية كجواسيس ضد أتباعهم مع الأسف، وتركت المبادئ في ليلة وضحاها وعادت الأمور إلى جذورها.

 اليوم يحاول أهل السُنة أن يجمعوا قواهم من جديد لمواجهة ما يحصل في البلاد، وتكوين قوى وطنية أو قوى مدافعة للاحتلال أو مرجعيات سنية، وطبعا الحزب هو أحد المكونات التي ينتمي له السنة لذا فهم يحاولون جلب وكسب الحزب معهم لأن الحزب لا زال يمتلك أكبر قاعدة داخل العراق كحزب عراقي، لكن ينبغي على أهل السُنّة أن يعرفوا أن الحزب هو في أيام غروبه وفي أيام خريفه؛ لأنه وبعد سقوط نظام بشار العلوي – بإذن الله- وسقوط حزب البعث السوري سيكون حزب البعث بشقيه العراقي والسوري خلف أسوار التاريخ، فقد مكنه الله سبحانه ردحة من الزمن حكم فيها بلدين وتركهما خرابا يبابا، فضلا عن أن حزب البعث لم يعد يمتلك فكرا جديدا يساير به الواقع الجديد، وثبت أنه حزب إقصائي من الصعب أن  يتعايش مع الآخر إلا حين يكون خارج السلطة.

وثمة قضية مهمة جدا؛ وهي أن أعضاء الحزب اليوم أصغرهم سنا هو في العقد الخامس من عمره، وحزب البعث من المعلوم توقف عن كسب أعضاء جدد، وهو لا يستطيع ذلك فالعراقيون اليوم في واد وحزب البعث في واد آخر، وبعد عشر سنوات سيكون الحزب حزبا عجوزا من بقايا الماضي، فلا داعي لأهل السُنة أن يتمسكوا به؛ لأنه لا مستقبل لهذا الحزب عند أهل السُنة، وشيعة العراق (بعثيون وغير بعثيين) متوجهون نحو الطائفية والتخلف المذهبي؛ لذا فعلى أهل السُنة أن يعوا أن أفرادا فقط من هذا الحزب يمكن أن يُنتفع بهم وبعد أن يتخلوا عن  أفكاره؛ لأنها أفكار جامدة غير قادرة على الحياة، وأن يعيشوا في الجغرافية (الواقع) وليس في التاريخ، وأن يُنشئ أهل السُنة مكونات جديدة بعيدة عن هذا الحزب تفهم مشكلة العراق وخصوصية هذا البلد الذي يحوي عددا كبيرا من الشيعة ومجاورا لبلد مثل إيران، ولابد لعقلية رشيدة من أهل السُنة تفهم وضع العراق كي تحل مشاكله. والله من وراء القصد.

 

 

 


[1] - Reactionism ومن المؤسف أن مصطلح الرجعية عندنا أطلق على الحركات الدينية. بينما الغرب لم يعبر عنه بالدين، وهو في الغرب مصطلح سياسي يقصد منه معارضة الإصلاحات الحديثة، والتمسك بالأسس والأساليب والمبادئ القديمة، في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي أصبحت بالية، ولا تحقق الأهداف القومية، وهى عكس الليبرالية في النظام السياسى الغربي وعكس التنوير كثقافة.

[2] - المجتمع والدولة في المشرق العربي، غسان سلامة (ص 92).

[3] - من كتاب (الثورة البائسة) لموسى الموسوي.

[4] - هل الشيعة مضطهدون حقا؟ وما هي مواقعهم خلال حكم الرئيس صدام؟ د. نوري المرادي

  http://ejabat.google.com/ejabat/thread?tid=5456c780daa0a24e

[5] - بعد أن كان بعثيا مقربا من صدام وهرب إلى بريطانيا.

[6] - تذكر بعض الأخبار أنه أثناء الأسر في إيران ذكر بعض الشيعة البعثيين أنهم سيبقون في الحزب تقية وبغية اختراقه.

[7] - وهذا شيء طبيعي في التاريخ الإسلامي فقد ذابت أفكار المغول بالإسلام تدريجيا وكذا ذاب البعثيون تدريجيا بالإسلام وبقيت فيهم شوائب ومكابرة وسوف تثبت الأيام أن الإسلام بما يحمله من قوة فطرية سيجذب كل المكونات ويذيبها به فإما أن تكون مزيجا غير صحيح بأفكار تلفيقية وإما أن تترك أفكار الحزب تدريجيا.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: