سطور من الذاكرة\العدد مائة وثمانية - جمادى الأخرة 1433 هـ
صفحات من تاريخ الباطنية (5)
السبت 26 مايو 2012

 

"أبو عبدالله الشيعي" و "عبيدالله المهدي"..

(وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا..)

نوفل الجبلي – باحث يمني

 

خاص بالراصد

تمهيد

سعى أصحاب الفكر الشيعي الإسماعيلي أمثال عبيد الله بن ميمون([1]) إلى إقامة دولة شيعية تنتهج النهج الإسماعيلي الباطني، تناهض الخلافة العباسية، وتدين بالولاء لهم حيث زعم عبيدالله أنه المهدي المنتظر؛ فأرسل الدعاة إلى أقطارٍ عدةٍ من البلاد المسلمة يدعون بدعوته، ويبشِّرون تحت رايته الضالة، وكان من أبرزهم: أبو عبدالله الشيعي، الذي أُرسل إلى بلاد المغرب.

وفي هذا المقال سنتعرف على أبي عبدالله الشيعي، ونورد أبرز الأحداث: بدءاً برحلته إلى المغرب، ومروراً بنضاله وكفاحه الضال لإرساء دعائم الدولة الفاطمية، وانتهاءً بمقتله على يد من كان يدعو ويكافح من أجله، وسنحاول استخلاص العبر والعِظات، فإن التاريخ مدرسة لإعداد الحاضر والمستقبل..

 

من هو "أبو عبد الله الشيعي"؟..

"هو الحسن بن أحمد بن محمد بن زكريا الشيعي، من أهل صنعاء اليمن([2])، ولي الحِسبة في بغداد، ثمّ سار إلى ابن حوشب([3]) باليمن، وصار من كبار أصحابه"([4]).

أما عن صفاته، قال عنه ابن الأثير: "كان على علم وفهم ودهاء ومكر"([5])، وقال المقريزي: "وكان له علم وفهم وعنده دهاء ومكر"([6]).

وقد سخّر كل هذه الملَكات التي حباهُ الله بها في الدعوة إلى الضلالة، وفي سبيل نشر العقائد الفاسدة بين المسلمين، حيث يُعدُّ المؤسِّس الأول لدولة العبيديين الفاطميين – سيئة السمعة التاريخية- في بلاد المغرب، وهو الذي أرسى دعائمها قبل تولِّي عبيد الله مقاليد الحكم.

وقد كانت فترة دعوته في نهاية القرن الثالث وبدايات القرن الرابع الهجري.

 

رحلته إلى المغرب..

ظل أبو عبدالله في بلاد اليمن ملازماً لمنصور بن حوشب، حتى جاءت الأخبار بأن سفيان والحلواني قد ماتا، "واللذين تم إرسالهما إلى طرابلس وتونس لنشر المذهب الشيعي, واستطاعا أن يتوغلا بأفكارهما في قبائل البرانس ذات القوة والشكيمة والعدة والعتاد"([7]).

فوجد ابن حوشب أن أبا عبدالله هو الشخصية المناسبة للقيام بالدعوة الشيعية في تلك البلاد، وقال له: "إن أرض كتامة([8]) في بلاد المغرب قد حرثها الحلواني وسفيان, وقد ماتا, وليس لك غيرها فبادر فإنها موطّأة ممهدة لك"([9]).

واختار موسم الحج موعداً لخروجه من اليمن، وخرج مع وفد الحجيج اليمانيين، وعند وصوله إلى مكة بدأ بالبحث عن وفود المغاربة، واستطاع أن يتعرف على حجيج كتامة، وظل في ركابهم بعد أن وجد لديهم بذراً من ذلك المذهب  الشيعي، فقد وجد منهم من يذكرهم بفضائل آل البيت([10])، ولعل ذلك التشيع كان بسبب دعوة الحلواني ورفيقه..

"وتقرّب الشيعي إلى حجيج كتامة بما أظهره لهم من زهد وفقه وعلم, وتمكّن هذا الداعية من قلوب الشيوخ الكتاميين, وبعد انتهاء موسم الحج رجع معهم موهمًا إياهم أنه يريد مصر لتعليم الأولاد القرآن, فعرضوا عليه الذهاب معهم إلى المغرب, فأظهر عدم الرغبة, ثم بسياسته الماكرة لبّى طلبهم"([11]).

وفي طريق رحلته إلى المغرب استطاع أن يرسم في مخيلته صورة للبلاد التي سيَقدُم عليها والتي لم يعرفها من قبل، وذلك من خلال أسئلته للكتاميين بين الفينة والأخرى عن أحوال الحكم هناك. واستطاع أن يعرف أنهم شعب قبَلي لا يخضع لسلطان، وليسوا تحت تأثير حكم معين، وليسوا على قدر كبير من الاهتمام بتعاليم الإسلام؛ حيث سألهم: إلى من يرجع أمركم؟

 فأجابوا: كل رجل منا في نفسه عزيز، ولنا أكابر منا في كل قبيلة وعندنا قوم نظروا في شيء من العلم، ومعلمون نستفتيهم في أمر ديننا ونتحاكم إليهم فيما يكون بيننا، فمن حكموا عليه ألزم نفسه ما ألزموه، وإن من عنَدَ عن ذلك قامت الجماعة عليه، وما وجب من أموالنا من عشر وصدقة أخرجناه نحن لأنفسنا فدفعناها إلى الفقراء فينا.

قال الشيعي: فلا سبيل للسلطان عليكم في ذلك؟ فأجابوا: لا.

ثم سألهم عن قبيلتهم فأجابوا: يجمعنا اسم كتامة، ثم نفترق قبائل وأفخاذاً وبيوتات، وما بيننا كثير تباعد.

 وقد عرف أنهم قبيلة ذات شكيمة وقوة وذلك حين سألهم: فإن دهمكم غيركم تجتمعون؟  فأجابوا: ما رام ذلك منا أحد قط؛ لكثرة عددنا وامتناع بلدنا.

قال: فعندكم الخيل والسلاح؟ فقالوا: ذلك أكثر كسبنا، وبه نفتخر وإياه نعتدُّ، لحاجتنا إليه([12]).

وبعد هذه الأسئلة تأكّد أن الفكر الشيعي قابل للانتشار في أوساطهم، وأنهم الشعب القوي الذي سينتصر بهم.

 بقي عليه استخدام مكره وخُبثه ومحاولة السيطرة على كل هذا العدد والعتاد، وهو ما سعى إليه بشكل جاد بمجرد وصوله إلى المغرب..

 

وصوله إلى بلاد المغرب..

كان وصول أبي عبدالله الشيعي في العام الثامن والثمانين بعد المائتين للهجرة (288هـ) ([13])، وكان أول نزوله في مدينة القيروان عاصمة حكم الأغالبة، وظل فيها يتحسس مواطن الضعف في دولتهم، ويبحث عن المكان المناسب لانطلاق دعوته وإظهارها، حتى انطلق إلى جبل يقال له إيكجان([14])، وظل فيه يدّعي الزهد، ويعلم الناس مبادئ العقيدة الشيعية، حتى ذاع صيته، واشتهر ذكره بين الناس. وعمل على نشر الثقافة الشيعية في الحكم والسياسة، وإبراز فضل العلويين، وأنهم الأحق بملك البلاد وحكم العباد.

هذه أولى مراحله التي اتخذها، ونلاحظ فيها أنه إلى الآن لم يُظهر دعوته للمهدي. وظل كذلك حتى اجتمعت حوله القبائل الكتامية والبربرية، ووصل خبره للأمير إبراهيم بن أحمد بن الأغلب([15])، فأرسل إلى عامله على مدينة ميلة يسأله عن أمر أبي عبدالله، فصغّر العامل من أمره، وهوّن من شأنه "وذكر أنه يلبس الخشن، ويأمر بالخير والعبادة، فسكت الأمير عنه"([16]).

 

تكوين الدولة.. الوسائل والعوامل..

بعد أن تشكلت لدى أبي عبدالله الشيعي القاعدة الجماهيرية التي تمكنه من بدء العمل السياسي انتقل إلى حصن منيع في جبال الأوراس في بلدة تازروت، ومن هناك كان يوجّه الضربات المتتالية لدولة الأغالبة، واستمر في إغاراته وحروبه وانتصاراته عليهم حتى ضمّ إلى ملكه المدائن التي بينه وبين القيروان مثل: مجّانة وتيفاش ومسكيانة ووتبِسَّة([17])، حتى دخل مقر ملكهم، فبعد سقوط مدينة الأريس على أيادي قواته - وهي المدينة التي تعدُّ مفتاحاً للقيروان- تمكّن من دخول مدينة القيروان في جمادى الأولى من العام السادس والتسعين بعد المائتين للهجرة (296هـ) ([18]).

وكان اعتماده في هذه المرحلة على عدة وسائل وسياسات، من أبرزها:

* استخدام سياسة التحريش بين الكتاميين والأغالبة، واللعب بورقة التراكمات والأحقاد الموجودة بينهم، وإشعال نار الحقد والكراهية في نفوس الكتاميين.

* استخدام سياسة التشهير والتكفير في حق الأغالبة, وبيان أن حكمهم خارج عن الإسلام وشريعة الرحمن.

* استخدام سياسة الإغراء وقطع العهود والمواثيق لأتباعه، وأن المستقبل والدولة والتمكين لهم، وشراء ولائهم بإعطائهم المناصب والهبات.

* استخدام سياسة المناظرة والإقناع، ولكن هذه السياسة لم تفلح كثيراً، فقد تصدى لها علماء القيروان أمثال سعيد بن الحداد([19])، الذي أنهك حجتهم، وأخرس أفواههم، فاستخدموا القوة مع العلماء، حتى أمر الشيعي بإيقاف المناظرة والمجادلة، كما حدث في عصرنا حيث حرم مراجع الشيعة المناظرة مع أهل السنة بعد فضيحتهم على الفضائيات.

وبهذه السياسات والأوراق خضعت له القبائل وتوالت المدن في السقوط على يدي جيشه, وغنم غنائم عظيمة واشتد حماس أتباعه.

وقد ساعدته عوامل، من أبرزها:

- انحلال وضعف دولة الأغالبة وانغماسهم في الترف, وانشغال أمرائها بالملذات والشهوات.

- تذمُّر الناس من أمراء الدولة الأغلبية ومن ظلمهم.

- استحواذ ثقافة (أن المنتصر هو المُحق) على عقول الناس، وإيمانهم بالمهدي المنتظر الذي بشّر به الرسول صلى الله عليه وسلم. وهذا الذي دفع بالكثير للانضمام إلى جيشه.

- المكر والدهاء الذي كان يتمتع به أبو عبدالله الشيعي، وإظهار الحزم والشجاعة والمقدرة السياسية والكفاءة العسكرية، وهذا ما جعله ثقة لمن حوله من القادة والجنود([20]).

 

الكشف عن الإمام الحقيقي..

بعد أن تهيأت الأجواء واستقامت الأوضاع لأبي عبد الله الشيعي، قرر الإعلان عن فحوى دعوته، وجوهر حركته، وصار يقول: "المهدي يخرج في هذه الأيام، ويملك الأرض، فيا طوبى لمن هاجر إليّ وأطاعني"([21]). وظل يبشر بالمهدي ويذكر كراماته ومعجزاته "وأنه يحيي الموتى، ويرد الشمس من مغربها، ويملك الأرض بأسرها"([22]). وأي شرك وأي ضلال أكبر من هذا، إلا أن جهل الناس بالعقيدة الصحيحة في المهدي المنتظر كان السبب في تقبلهم لمثل هذه الأقاويل والافتراءات..

وأعلن في الناس أن الإمام الحقيقي لهم هو عبيد الله المهدي، وأنه في انتظار قدومه من الشرق، وأنه سيقيم العدل والمساواة، فانضم الكثير من الناس إلى جيشه، نتيجة لإيمانهم بالمهدي المنتظر الذي بشر به الرسول صلى الله عليه وسلم، وانضم إليه بعض قادة الأغالبة أيضاً، وصار للدولة الشيعية في بلاد المغرب جيش يزيد عدده عن مائتي ألف مقاتل([23]).

 

في العدد القادم – إن شاء الله- سنناقش رحلة عبيدالله المهدي وتوليه مقاليد الحكم، وكيف كانت نهاية أبي عبدالله الشيعي..

 

لفتات سريعة مما سبق:

* الظلم ليس يجني إلا على صاحبه، ولولا ظلم الأغالبة وإمعانهم في اللهو والإسراف والترف لما زال ملكهم، فعلى كل من ولي من أمر المسلمين في حاضر أو مستقبل، أن يعلم أن مناط بقاء ولايته هو العدل..

* استغلال بعض العقائد الإسلامية بشكل خاطئ لا ينطلي إلا على جهلاء الناس، أما من أخذ بحظ من العلم الشرعي - خصوصاً علم العقيدة - فليس يضيره في ذلك شيء. ولنا أن نستغرب انجرار بعض المجتمعات وتصديقهم لكل كذبة يقولها مرجع أو شيخ، دون أدنى عرض لما يُقال على كتاب الله وسنة رسوله.. فلو تعلموا لما انجروا وراء كل ناعق..

* إن الأَحرى بولاة الأمور أن يتخلصوا من كل ما يشوب علاقتهم برعاياهم من حقد وغل وكراهية، فإنها تمثل الشرخ الذي يستطيع من خلاله أن يتسلل ضعفاء النفوس لتحقيق أغراضهم..

* ضرورة الالتفاف حول العلماء الربانيين المصلحين، فإنهم أدرى الناس بإقبال الفتن، وإن العوام تؤثر عليهم بعض العوامل غير المنطقية المبنية على قلة الإدراك والانجرار خلف التهويل والكذب. وكما قيل: إن الفتنَةَ إذا أقبلتْ؛ لا يعرفُها إلا العُلماء، وإذا أدبَرتْ؛ عرفَها الجُهلاء..

 

 

 


[1]-  اشتهر باسم: عبيد الله المهدي، أول ملوك الدولة الفاطمية. 

[2]- اختلف المؤرخون في ذكر موطنه الأول، ولكن أكثرهم على أنه صنعاني.

[3]-  سبق التعريف بابن حوشب، انظر (علي بن الفضل وابن حوشب يبشران بالباطنية في اليمن 1،2)، في الأعداد السابقة من مجلة الراصد.

[4]- انظر (المواعظ والاعتبار في ذكر الخطب والآثار) للمقريزي، و(العبر) لابن خلدون. وقد اختلفوا في اسمه الأول، فمنهم من يذكر أن اسمه: الحسين. انظر (اتعاظ الحنفا) للمقريزي.

[5]-  انظر (الكامل) لابن الأثير.

-[6]  انظر (المواعظ والاعتبار في ذكر الخطب والآثار) للمقريزي.

-[7] انظر: (الدولة الفاطمية) للدكتور الصلابي.

-[8] كتامة: أحد أهم وأقوى بطون القبائل الموجودة في الشمال الإفريقي، يقول عنها ابن خلدون: "قبيلة كتامة واحدة من أهم بطون البرانس من قبائل الأمازيغ أو البربر".

[9]- انظر (اتعاظ الحنفا) للمقريزي.

[10]-  انظر (اتعاظ الحنفا) للمقريزي.

-[11] انظر (الدولة الفاطمية) للدكتور الصلابي.

[12]- ذكر المقريزي في (اتعاظ الحنفا) جزءاً من هذا الحوار، وذكره كاملاً قاضي الدولة الفاطمية النعمان في (رسالة بداية الدعوة).

-[13] انظر (اتعاظ الحنفا) للمقريزي، و(العبر) لابن خلدون. بينما يرى ابن الأثير في (الكامل) أنه وصل في العام (280هـ).

[14]- يقع بالقرب من مدينة قسنطينة، وهو مستقر لقبائل كتامة. انظر (الدولة الفاطمية) للدكتور الصلابي.

 -[15]أحد أمراء دولة الأغالبة، حكم بين عامي 261هـ - 289هـ، ويسمى عبدالله الثاني.

[16]- انظر (اتعاظ الحنفا) للمقريزي.

[17]-  المرجع السابق.

-[18]  انظر (الدولة الفاطمية) للدكتور الصلابي.

-[19]  انظر (سعيد بن الحداد يناظر العبيديين الفاطميين) في العدد الرابع والسبعين من مجلة الراصد.

    أو اضغط على هذا الرابط http://www.alrased.net/site/topics/view/1415 .

[20]-  انظر (الدولة الفاطمية) للدكتور الصلابي.

[21]-  انظر (اتعاظ الحنفا) للمقريزي.

[22]-  المرجع السابق.

[23] - انظر (الدولة الفاطمية) للدكتور الصلابي.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: