سطور من الذاكرة\العدد مائة وتسعة - رجب 1433 هـ
صفحات من تاريخ الباطنية (6)
الأربعاء 23 مايو 2012

 

"أبو عبدالله الشيعي" و"عبيدالله المهدي"..

(وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا..) (2)

نوفل الجبلي – باحث يمني

خاص بالراصد

تمهيد..

تمكّن أبو عبدالله الشيعي الصنعاني من إقامة دولة شيعية في الشمال الإفريقي، ونجح في تثبيت دعائم الحكم بواسطة زعماء قبيلة كتامة([1])، وأعلن في الناس أن إمامهم الحقيقي هو عبيدالله بن ميمون، وأنه هو المهدي المنتظر الذي بشر به النبي صلى الله عليه وسلم، وضحك على عقول الناس بقوله إنه صاحب المعجزات الخارقة، والمناقب الباهرة، واستهوى قلوبهم وانخدع بأكاذيبه خلق كثير.

 

قدوم عبيد الله إلى المغرب..

أرسل الشيعي إلى عبيد الله أن يأتي إلى القيروان، ليتولى زمام الحكم، ويدير شؤون المملكة الناشئة، فخرج عبيدالله وابنه القاسم من بلدة سلمية في الشام، في العام الثاني والتسعين بعد المائتين هجرية (292 هـ).

ولكن عبيدالله لم يقرر الخروج من سلمية إلا وقد وصل أمره إلى الخليفة العباسي المكتفي، والذي قام بمطاردته ومراسلة أمراء المناطق التي سيدخلها بضرورة القبض عليه، فخرج وهو متنكر بزي التجار إلى مصر، ثم إلى برقة، ثم طرابلس، ولم يقع في قبضة أمراء هذه المناطق، حتى وصل إلى سلجماسة، وهناك وقع في أسر أميرها اليسع بن مدرار، الذي قام باعتقاله وأودعه السجن([2]).

فحشر أبو عبدالله الشيعي جنده وجهز جيشاً جراراً في العام (297هـ) ، وسار على رأس الجيش يريد استنقاذ إمامه المسجون، فهرب اليسع بن مدرار حين وصل الجيش إلى مشارف بلدته([3])، وحطّم الشيعي دولة بني مدرار وضمها إلى ملكه، وخلّص عبيدالله وابنه من السجن، وفي طريق العودة أزال هذا الجيش دولة بني رستم، وأصبح المغرب الأوسط إلى تلمسان دولة عبيدية، وسموها دولة فاطمية، نسبة إلى فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بغرض خداع الناس وتضليلهم ([4]).

 

الإمام يقصي الداعية..

لما وصل عبيد الله المهدي إلى القيروان تمت بيعته، وذلك في العام السابع والتسعين بعد المائتين (297هـ)، وبذلك انتهت فترة حكم أبي عبدالله الشيعي، والتي استمرت عشر سنوات([5]).

وما إن تمّت البيعة وانتقلت السلطات إلى يديه حتى باشر عبيدالله المهدي إدارة البلاد بنفسه، وجرّد أبا عبدالله الشيعي وأخاه أبا العباس من جميع مناصبهما السياسية ومهامهما القيادية، وأقصاهما عن شؤون القيادة والحكم، مما حزَّ كثيراً في نفس أبي العباس، فظل يقول لأخيه يحرّضه على عبيدالله: "ملكتَ أمراً، فجئت بمن أزالك عنه، وكان الواجب عليه أن لا يسقط حقك"([6]).

هذا الإقصاء أثر بشكل أو بآخر على أبي عبدالله الشيعي، فقد ذهب إلى عبيدالله المهدي وقال له: "لو كنتَ تجلسُ في قصرك، وتتركني مع كتامة آمرهم وأنهاهم، لأني عارف بعاداتهم، لكان ذلك أهيب لك في أعين الناس"([7]), وقوله هذا لا يدل على نية لديه بالانقلاب على عبيدالله، وإلى الآن لم يبدأ في التحرك ضد عبيدالله المهدي.

بينما يرى بعض المؤرخين أن الخلاف وقع بين عبيد الله المهدي, وأبي عبد الله الشيعي على الأموال التي استأثر بها النزق الكاذب عبيد الله المهدي, وبعضهم يرى أن أبا عبد الله الشيعي شك في عبيد الله المهدي بأنه ليس المهدي المنتظر([8]).

 

الداعية يشك في مهدية الإمام..

لعل سوء المعاملة التي لقيها أبو عبد الله الشيعي كشفت له حقيقة من كان يدعو إليه، وأظهرت عواره، وأبرزت قبائحه ورذائله، فتسرّب الشك إلى قلب أبي عبدالله بأن صاحبه ليس هو المهدي المنتظر.

وكانت شكوكه هذه ناتجة عن أحداث وجدها مخالفة لما يعتقدونه في المهدي، فمن ذلك مثلاً: أن المهدي يعلم الغيب، لكن عبيدالله ليس كذلك، والدليل أن عبيدالله المهدي كان له ولدان، وقد نصّ على أن الأمر بعده في أصغرهما، ولكن الصغير هذا مات بعد عشرين يوماً!

ومن المسائل التي أثارت زوبعة الشك في قلب أبي عبدالله: أن الإمام لا يلبس الحرير، ولكن عبيدالله يلبسه. وأن الإمام ليس يطأ من النساء إلا ما تحقق أمره، وعبيدالله قد وطئ نساء زيادة الله الأغلبي([9]).

وقد انتقل هذا الشك إلى قلوب بعض زعماء كتامة من خلال حديث أبي عبدالله معهم، فذهب بعضهم إلى عبيدالله المهدي يناقشونه فيما وجدوا من المسائل، فأجابهم إجابات تدل على مدى استخفافه بعقول الناس، ومن ذلك أنه قال لهم بشأن عدم علمه بالغيب وبموت طفله: إن الطفل لم يمت, وإنه أمامك, وإنما الأئمة ينتقلون, وقد انتقل لإصلاح جهة أخرى!.

وذكر لهم سبب لبسه للحرير ونكاحه لنساء الأغلبي فقال: أنا نائب الشرع أحلل لنفسي ما أريد, وكل الأموال لي, وزيادة الله كان عاصيًا([10])!.

لكنه وجد أن شكوكهم أقوى من حججه الواهية، فدفعه هواه إلى استخدام السيف في حق كل من يشك في أمره؛ حيث جاءه بعض أبناء كتامة وقال: "إن كنتَ المهدي فأظهِر لنا آية، فقد شككنا فيك" فقتله عبيدالله([11]).

 وغدر بأبي زاكي الإيكجاني([12]) -وهو أحد أبرز المشككين في عبيدالله- حيث سيّره والياً على طرابلس، وكتب إلى عاملها سراً بقتله، فقتله العامل فور وصوله وأرسل برأسه إلى عبيدالله ([13]).

 

الإمام يقتل داعتيه..

حين وجد أبو عبدالله الشيعي هذا العنف في حق كل من يشك في أمر عبيدالله المهدي، أيقن أنه قد تغير عليه وأنه قاتله لا محالة.

حان أجل أبي عبدالله الشيعي، فقد أعدّ له عبيدالله المهدي رجالاً يقتلونه وأخاه أبا العباس، ودعاهما إلى قصره فلما وصلا إلى قرب القصر حمل القوم على أبي عبدالله، فقال: لا تفعلوا!، فقالوا له: إن الذي أمرتنا بطاعته أمرنا بقتلك، فقُتل هو وأخوه في اليوم الذي قُتل فيه أبو زاكي، وذلك يوم الإثنين للنصف من جمادى الآخرة سنة ثمانٍ وتسعين ومائتين (298هـ) بمدينة رقادة([14]). فما أقبح نكران الجميل، وما أسوأ التنكُر لمن أحسن!.

وبهذا انتهت قصة الرجل الأول في الدولة العبيدية على يد مَن كافح وناضل ومكر وكذب وحرَّش واستحل الدماء من أجله. وقد صدق الله القائل في محكم تنزيله: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [الأنعام:129].

 

لفتات سريعة مما سبق..

إلى كل داعية ومصلح ومُربٍّ.. لا تدعُ إلاّ إلى ما يقره شرع الله الحكيم، وما يوافق سنة رسوله الأمين، فإن الدعوة والتربية مسؤولية ليس يتحمل آثارها إلا الداعية..

حينما يكون الأمر والحكم في أيادي أصحاب العقائد الفاسدة، فإنك لا تستغرب إن وجدت منهم كل غدر وخيانة وتنكُر لمن أحسن إليهم -فضلاً عن جرائمهم في حق من عاداهم- فما أشبه ما فعله عبيدالله المهدي بداعيته في المغرب، وما فعله أصحاب الثورات القومية والاشتراكية في القرن الماضي في مصر واليمن والعراق وسورية وغيرها، وكذلك ما فعله الخميني برفاقه في الثورة ضد الشاه، إذ ما لبثوا أن تولوا مقاليد الحكم حتى قتلوا رفاقهم، ودبروا لهم المكائد، وحاكوا ضدهم المؤامرات..

(من دعا إلى ظالم سلّطه الله عليه) سنةٌ ماضية، وحكمة ليس يخطؤها الزمان.. فلينظر الداعي إلى ما يدعو، وليتخذ العظة والعبرة من التاريخ

 

 


[1] -  من أبرز الزعماء الذين اتكأ عليهم: غزوية بن يوسف، سيد كتامة ومطاعها.

[2] - ذكرت بعض الكتب التاريخية قصصاً ملفقة عن نجاة عبيدالله من قبضة أمراء البلدان التي كان يدخلها، منها ما ذكره المقريزي في كتابيه (اتعاظ الحنفا والخطط) وغيرهما.

[3] - انظر (اتعاظ الحنفا) للمقريزي.

[4] - انظر (الدولة الفاطمية) للدكتور الصلابي.

[5] - انظر (الموسوعة المغربية) للدكتور الغنيمي.

[6] - انظر (اتعاظ الحنفا) للمقريزي.

[7] - انظر (اتعاظ الحنفا) للمقريزي.

[8] - انظر (الدولة الفاطمية) للدكتور الصلابي.

[9] - انظر (سير أعلام النبلاء) للذهبي.

[10] -  انظر (الدولة الفاطمية) للدكتور الصلابي.

[11] - انظر (اتعاظ الحنفا) للمقريزي.

[12] - هو: أبو زاكي تمام بن معارك الإيكجاني، كبير المشككين في عبيدالله المهدي كما يصفه المقريزي في (اتعاظ الحنفا).

[13] - انظر (اتعاظ الحنفا) للمقريزي.

[14] - انظر (اتعاظ الحنفا) للمقريزي.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: