سطور من الذاكرة\العدد الرابع والثلاثون - ربيع الثاني 1427هـ
مناظرة شيخ الإسلام ابن تيمية للرفاعية
السبت 6 مايو 2006

مناظرة شيخ الإسلام ابن تيمية للرفاعية

كان لشيخ الإسلام ابن تيمية،رحمه الله، صولات وجولات مع أهل البدع والانحرافات، يناظرهم ويرد على باطلهم، ويتحداهم، وفي المقابل يشرح عقيدة أهل السنة والجماعة التي ابتعد عنها أتباع الفرق والمذاهب المنحرفة.

ومن جملة الذين اهتم ابن تيمية ببيان بدعتهم: الصوفية، الذين كان لهم في زمنه الانتشار اللافت، كما هو الحال اليوم، إضافة إلى علاقاتهم الوطيدة ببعض السلاطين والأمراء. وما نشير إليه في هذا العدد، ليس مؤلفاً كتبه ابن تيمية في بيان عقائد الصوفية وانحرافها، إنما "مناظرة" حيّة دعا إليها شيخ الإسلام زعماء الطريقة الرفاعية في زمنه، المعروفين بالبطائحية، ثم دوّن شيخ الإسلام رحمه الله ما جرى بينه وبين الرفاعية، نصحاً للأمة وبياناً لباطل هؤلاء الذين دأبوا على تحدي الناس بالدخول إلى النار، واللعب بالحيّات زعماً أن هذا من كراماتهم.

والمناظرة التي دوّنها شيخ الإسلام رحمه الله في نحو عشرين صفحة، ونشرت بعد ذلك في كتابه "الفتاوى"جرت في التاسع من جمادى الأولى سنة 705هـ، في عهد السلطان المملوكي، الناصر محمد بن قلاوون، ذلك أن الإمام ابن تيمية رأى افتتان الناس ـ فضلاً عن بعض الأمراء ـ بالرفاعية الذين زعموا أن الله ألان لهم الحديد، وأزال لهم فاعلية السموم والنيران، وأخضع لهم طغاة الجن، فتحداهم وبين لهم ما يدعونه كذب ودجل، وليس من الولاية في شيء.

أما الذي دعا ابن تيمية إلى كتابة أمر هذه المناظرة، ، هو ما حظيت به من اهتمام آنذاك، وحرص الذين لم يشهدوها على معرفة تفاصيلها و "لِما حصل بها من عز الدين، وظهور كلمته العليا، وقهر الناس على متابعة الكتاب والسنة، وظهور زيف من خرج عن ذلك من أهل البدع المضلة والأحوال الفاسدة والتلبيس على المسلمين".

وقد أشار شيخ الإسلام قبل تلك المناظرة إلى نقاشات كانت تدور بينه وبين أتباع هذه الطريقة، فيقول: "وقد تقدمت لي معهم وقائع متعددة بيّنت فيها لمن خاطبته منهم ومن غيرهم  بعض ما فيهم من حق وباطل، وأحوالهم التي يسمونها (الإشارات)، وتاب منهم جماعة، وأدب منهم جماعة من شيوخهم، وبينت صورة ما يظهرونه من المخاريق: مثل ملابسة النار والحيات، وإظهار الدم، واللاذن والزعفران وماء الورد والعسل والسكر وغير ذلك، وإن عامة ذلك عن حيل معروفة وأسباب مصنوعة".

وفي مجلس من المجالس، سأل البطائحيةُ الرفاعيةُ ابنَ تيمية إن كان يريد أن يرى كراماتهم المزعومة، فأجاب على ذلك قائلاً: "إن عملتموها بحضور من ليس من أهل الشأن، من الأعراب والفلاحين، أو الأتراك أو العامة أو جمهور المتفقهة والمتفقرة لم يحسب لكم ذلك.

فمَن معه ذَهَبٌ قليأتِ به إلى سوق الصرف، إلى عند الجهابذة الذين يعرفون الذهب الخالص... لا يذهب إلى عند أهل الجهل بذلك. فقالوا لي: لا نعمل هذا إلاّ أن تكون همتك معنا، فقلت: همتي ليست معكم، بل أنا معارض لكم مانع لكم، لأنكم تقصدون بذلك إبطال شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كان لكم قدرة على إظهار ذلك فافعلوا. فانقلبوا صاغرين".

وكان لابن تيمية رحمه الله نقاشات عديدة مع هؤلاء، يبين فيها منهج أهل السنة، ويحذرهم من البدع، وخطورة الاستمرار على فعلها، فيعود أقوام منهم إلى الحق، ويصر آخرون على باطلهم. ولما رأى هؤلاء المبتدعة من الرفاعية، ما عليه ابن تيمية من قوة الحجة والمنطق، وثباته على الحق، وتحديهم بأن ما يقومون به من السحر والحِيل أمر باطل، تجمعوا "وخرجوا من المسجد الجامع في جموعهم إلى قصر الإمارة... مظهرين الضجيج والعجيج والإزباد والإرعاد، واضطراب الرؤوس والأعضاء، والتقلب في نهر بردى، ,إظهار التوله الذي يخيلوا به على الردى، وإبراز ما يدعونه من الحال والمحال، الذي يسلمه إليهم من أضلوا من الجهال".

ولما وصل هذا الجمع الحاشد إلى قصر الإمارة، ورآه الأمير، هاله ذلك المنظر، وسأل عنهم، فقيل له إنهم جاءوا يشتكون، فأدخل بعضهم عليه، وأخذ شيخهم يشتكي ابن تيمية، ويدّعي أنه اعتدى عليهم، وطلب شيخ الصوفية من الأمير أن يقف في صفهم، فرفض الأمير قائلاً أنه سيشهد من الحق سواء كان معهم أو مع ابن تيمية، وأرسل في طلب ابن تيمية بناءً على طلب شيوخ الصوفية.

يقول ابن تيمية عن الأمير: "فأرسل إلي بعض خوّاصه من أهل الصدق والدين ممن يعرف ضلالهم، وعرفني بصورة الحال، وأنه يريد كشف أمر هؤلاء. فلما علمت ذلك ألقي في قلبي أن ذلك لأمر يريده الله من إظهار الدين، وكشف حال أهل النفاق المبتدعين، لانتشارهم في أقطار الأرضين. وما أحببت البغي عليهم والعدوان".

وقبل الذهاب إلى اللقاء أو الاجتماع الموعود بحضرة الأمير، أخذ ابن تيمية بالتفكير بذلك اللقاء والفائدة المرجوة منه، ويقول: "فاستخرت الله تعالى تلك الليلة واستعنته، واستنصرته واستهديته، وسلكت سبيل عباد الله في مثل هذه المسالك، حتى ألقي في قلبي أن أدخل النار عند الحاجة إلى ذلك، وأنها تكون برداً وسلاماً على من اتبع ملة الخليل، وأنها تحرق أشباه الصابئة أهل الخروج عن هذه السبيل".

أما الرفاعية، فأخذوا يستعدون لتلك المناظرة، واتصلوا بعدد من القادة كي يقفوا في صفهم "وطافوا على عدد من أكابر الأمراء، وقالوا أنواعاً مما جرت به عادتهم من التلبيس والافتراء، الذي استحوذوا به على أكثر أهل الأرض من الأكابر والرؤساء، مثل زعمهم أن لهم أحوالاً لا يقاومهم فيها أحد من الأولياء، وأن لهم طريقاً لا يعرفه أحد من العلماء... وأن المنكر عليهم هو آخذ بالشرع الظاهر، غير واصل إلى الحقائق والأسرار".

وعند وصول ابن تيمية إلى مكان الاجتماع، وجد النفوس"في غاية الشوق من هذا الاجتماع، متطلعين إلى ما سيكون طالبين للاطلاع".

وبدأ ابن تيمية حديثه ببيان أن هؤلاء "كذابون مبتدعون قد أفسدوا من أمر دين المسلمين ودنياهم ما الله به عليم". ثم أخذ يذكر تلبيسهم على بعض الأمراء، "وأنهم لبّسوا على الأمير المعروف بالأيدمرى، وعلى قفجق نائب السلطنة، وعلى غيرهما. وقد لبسوا أيضاً على الملك العادل كتبغا في ملكه، وفي حالة ولاية حماة، وعلى أمير السلاح ـ أجل أمير بديار مصر ـ وضاق المجلس عن حكاية جميع تلبيسهم.

فذكرت تلبيسهم على الأيدمري، وأنهم كانوا يرسلون من النساء من يستخبر عن أحوال بيته الباطنة، ثم يخبرونه بها عن طريق المكاشفة، ووعدوه بالملك، وأنهم وعدوه أن يروه رجال الغيب، فصنعوا خشباً طوالاً وجعلوا عليها من يمشي كهيئة الذي يلعب بأكر الزجاج، فجعلوا يمشون على جبل المزة، وذاك يرى من بعيد قوماً يطوفون على الجبل وهم يرتفعون على الأرض، وأخذوا منه مالاً كثيراً، ثم انكشف له أمرهم...

وأما قفجق، فإنهم أدخلوا رجلاً في القبر يتكلم، وأوهموه أن الموتى تتكلم، وأتوا به في مقابر باب الصغير إلى رجل زعموا أنه الرجل الشعراني الذي بجبل لبنان، ولم يقربوه منه، بل من بعيد لتعود عليه بركته وقالوا: إنه طلب منه جملة من المال، فقال قفجق: الشيخ يكاشف وهو يعلم أن خزانتي ليس فيها هذا كله، وتقرب قفجق منه وجذب الشعر فانقلع الجلد الذي ألصقوه على جلده من جلد الماعز".

وبعد أن ذكر ابن تيمية شيئاً من أكاذيبهم وحيلهم التي احتالوا بها على عدد من كبار الأمراء مثل الأيدمري، وقفجق الذي كان حينها نائب السلطنة بحماة، وغيرهما تحداهم بدخول النار معهم، ويوجه كلامه للأمير قائلاً:

"هم يزعمون أن لهم أحوالاً يدخلون بها النار، وأن أهل الشريعة لا يقدرون على ذلك، ويقولون لنا: هذه الأحوال التي يعجز عنها أهل الشرع، ليس لهم أن يعترضوا علينا، بل يسلم إلينا ما نحن عليه، سواء وافق الشرع أو خالفه.

وأنا قد استخرت الله سبحانه أنهم إن دخلوا النار أدخل أنا وهم، ومن احترق منا ومنهم فعليه لعنة الله. وكان مغلوباً، وذلك بعد أن نغسل جسومنا بالخل والماء الحار.

فقال الأمير: ولم ذلك. قلت: لأنهم يطلون جسومهم بأدوية يصنعونها من دهن الضفادع وباطن قشر النارنج وحجر الطلق، وغير ذلك من الحيل المعروفة لهم، وأنا لا أطلي جلدي بشيء، فإذا اغتسلت أنا وهم بالخل والماء الحار بطلت الحيلة وظهر الحق.

فاستعظم الأمير هجومي على النار، وقال: أتفعل ذلك؟ فقلت له: نعم، قد استخرت الله في ذلك، وألقي في قلبي أن أفعله. ونحن لا نرى هذا وأمثاله ابتداءً، فإن خوارق العادات إنما تكون لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، المتبعين له باطناً وظاهراً، لحجة أو حاجة، فالحجة لإقامة دين الله، والحاجة لما لا بد منه من النصر والرزق الذي به يقوم دين الله".

ولما رأى بعض الرفاعية قوة حجة ابن تيمية "جعلوا يطلبون من الأمير الإصلاح وإطفاء هذه القضية، ويترفقون. فقال الأمير: إنما يكون الصلح بعد ظهور الحق".

ومع تكرار ابن تيمية تحديه للرفاعية بدخول النار هم وهو، ومن احترق فهو مغلوب، يذكرهم بأن ما يصنعونه من الحيل والأباطيل التي زعموا أنها كرامات، ليست دليلاً على صواب منهجهم ومسلكهم، ويخاطبهم قائلاً:

"ومع هذا فلو دخلتم النار وخرجتم منها سالمين حقيقة، ولو طرتم في الهواء، ومشيتم على الماء، ولو فعلتم ما فعلتم، لم يكن في ذلك ما يدل على صحة ما تدعونه من مخالفة الشرع ولا على إبطال الشرع، فإن الدجال الأكبر يقول للسماء أمطري فتمطر، وللأرض أنبتي فتنبت، وللخربة أخرجي كنوزك فتخرج كنوزها تتبعه، ويقتل رجلاً ثم يمشي بين شقيه، ثم يقول له قم فيقوم، ومع هذا فهو دجال كذاب ملعون، لعنه الله، ورفعت صوتي بذلك، فكان لذلك وقع عظيم في القلوب".

وحاول شيوخ الرفاعية التنصل من التحدي الذي أراده ابن تيمية لإثبات باطلهم "ومشايخهم الكبار يتضرعون عند الأمير في طلب الصلح، وجعلت ألح عليه في إظهار ما ادّعوه من النار مرة بعد مرة وهم لا يجيبون".

وقد كان لدعوة شيخ الإسلام رحمه الله ،هؤلاء المبتدعة للمناظرة، وتحديهم الأثر الكبير على الناس وعلى الأمراء وعلية القوم، إذا بادر هؤلاء الرفاعية إلى طلب الصفح، والإقرار بالتزام الكتاب والسنة، وهو ما كان يصر عليه ابن تيمية، ذلك أنه لم يكن يسعى من وراء مناظرتهم إلى مكسب شخصي، أو طموح فردي. يقول رحمه الله: "فلما ظهر للحاضرين عجزهم وكذبهم وتلبيسهم، وتبين للأمراء الذين كانوا يشدون منهم أنهم مبطلون رجعوا.

وتخاطب الحاج بهادر، ونائب السلطان وغيرهما بصورة الحال، وعرفوا حقيقة المحال، وقمنا إلى داخل ودخلنا وقد طلبوا التوبة عمّا مضى.

وسألني الأمير عمّا تطلب منهم، فقلت: متابعة الكتاب والسنة، مثل أن لا يعتقد أنه لا يجب عليه اتباعهما، أو أنه يسوغ لأحد الخروج من حكمهما ونحو ذلك....

قالوا: نحن ملتزمون الكتاب والسنة. أتنكر علينا غير الأطواق؟ نحن نخلعها. فقلت: الأطواق وغير الأطواق، ليس المقصود شيئاً معينا، ,إنما المقصود أن يكون جميع المسلمين تحت طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. فقال الأمير: فأي شيء الذي يلزمهم من الكتاب والسنة؟ فقلت: حكم الكتاب والسنة كثير لا يمكن ذكره في هذا المجلس، لكن المقصود أن يلتزموا هذا التزاماً عاماً، ومن خرج عنه ضربت عنقه...".

ومن جملة ما طلبه ابن تيمية من هؤلاء، إقامة الصلوات الخمس في أوقاتها "فإن من هؤلاء من لا يصلي، ومنهم من يتكلم في صلاته،...".

كما يشير رحمه الله إلى أهمية دور السلطان في محاربة البدع، فعندما سأله هؤلاء المبتدعة عمّا يبطل هذه "الأحوال" وادّعاء الكرامات، قال: "بهذه السياط الشرعية".

فأعجب الأمير وضحك وقال: أي والله، بالسياط الشرعية تبطل هذه الأحوال الشيطانية، كما قد جرى مثل ذلك لغير واحد، ومن لم يجب إلى الدين بالسياط الشرعية فبالسيوف المحمدية.

وأمسكت سيف الأمير وقلت: هذا نائب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغلامه، وهذا السيف، سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن خرج عن كتاب الله وسنة رسوله ضربناه بسيف الله".

ومن الذين كان لهم الجهد الكبير في بيان أباطيل الصوفية وغيرها من الفرق، الشيخ إحسان إلهي ظهير رحمه الله.

وفي كتابه "دراسات في التصوف" يخصص فصلاً للرفاعية، ويتحدث عن عقائدهم وخرافاتهم التي أسموها كرامات، ويشير إلى مناظرة ابن تيمية للرفاعية، وإلى أن شيئاً قريباً مما حصل لابن تيمية، حصل له هو، إذ يقول رحمه الله: "وقد حدث لنا شخصياً سنة 1965 في مدينة سامراء المليئة بالرفاعيين، في بيت أحد السادة الأشراف مثل ما حدث لشيخ الإسلام بعدما كان سؤالي على أحد زعمائهم في تلك المدينة: "إن كان السلاح والرماح والسكاكين لا تؤثر فيكم، فلماذا لا تذهبون إلى جبهة القتال؟ والعراق في أشد الحاجة وأمسّها إلى أمثال هؤلاء الذين لا يؤثر فيهم الرصاص وغيرها من الأشياء.

كما نازلته وتحديته بأنه لو أعطاني المسدس، وأطلق الرصاص بنفسي، فأرى بأنه يؤثر أو لا يؤثر، فلم يسعه إلاّ الفرار والإنكار. وذلك القول الذي قالوه أمام شيخ الإسلام بأن هذه الكرامات لا تظهر أمام المنكرين"([1]) .

للاستزادة

1ـ مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ، مجلد ( التصوف ) .

2ـ الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة ـ الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق.

3ـ دراسات في التصوف ـ الشيخ إحسان إلهي ظهير.

 



[1]) ـ دراسات في التصوف ص 232.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: