فرق ومذاهب\العدد الرابع والثلاثون - ربيع الثاني 1427هـ
الزندقـة
السبت 6 مايو 2006
الـزنـدقــة
الزندقة لفظ فارسي معرّب، وقد كانت تطلق في البداية على من يؤمن بكتاب المجوس المقدس (الزندافست)، ثم ما لبثت الكلمة أن شاعت منذ العصر العباسي الأول، وتوسع في استعمالها على كل إنسان يتشكك في الدين، أو يجحد شيئاً مما ورد فيه، أو يتهاون في أداء عباداته أو يهزأ بها، أو يتجرأ على المعاصي والمنكرات ويعلن بها، أو يقول بمقالة بعض الكفار، ويؤمن ببعض عقائدهم، وعلى كل من يتأثر بالفرس في عاداتهم ويسرف في العبث والمجون([1]).
ويعرف د. مصطفى السباعي الزندقة بـ "كراهية الإسلام دينا ودولة"([2]).
وبالرغم من أن ظهور الزندقة في المجتمع الإسلامي، كان في بدايات الدولة العباسية، إلاّ أن تناولها حالياً يكتسب أهمية لجملة أسباب منها:
1ـ أن الأفكار التي جاءت بها حركة الزندقة ما يزال لها وجود في الوقت الحاضر، في معظم المجتمعات الإسلامية، فضلاً عن بقية دول العالم، وتتمثل في الأفكار الإلحادية والإباحية التي تروجها الشيوعية، وأدب وأشعار الحداثة.
2ـ أن الزنادقة قاموا عبر العصور الإسلامية بثورات سياسية وأعمال تخريبية، كما أنهم أثروا على معتقدات بعض الفرق، وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى أن الرفض ومذهب الشيعة بات مأوى للزندقة والزنادقة الذين لم يستطيعوا الجهر بأفكارهم وإلحادهم([3]).
3ـ دفاع بعض الفئات كالمستشرقين والأدباء عن أفكار الزندقة والإلحاد، بحجة حرية الفكر والإبداع. وقد كتب بعض المستشرقين دراسات عن بعض الزنادقة فأثنوا عليهم خيراً، ودافعوا عن انحرافاتهم وباطلهم.
4ـ أن بعض الذين كتبوا عن الزندقة وانتقدوها، انطلقوا منطلقاً قوميّاً، دفاعاً عن القومية العربية، بسبب ارتباط حركة الزندقة بالشعوبية([4]) الفارسية المناهضة للقومية العربية([5]).
عقائد الزنادقة
يقول د. عبد العزيز العبد اللطيف: "إن عقائد الزنادقة قد تضمنت كمّاً هائلاً من صنوف الكفر البواح، والردّة الظاهرة: كقولهم بالحلول، وتأليه البشر، وتشبيه الله ـ تعالى ـ بخلقه، وإنكار النبوة أحياناً، وادّعاء النبوة أحياناً أخرى، والقول بالتناسخ، وإنكار القيامة والجنة والنار، واستحلال المحرمات، وجحد الواجبات"([6]).
وقد أطلق العلماء لفظة الزندقة والزنديق على عقائد وأفكار مختلفة:
ـ فقد اعتبر مختار الصحاح للرازي (ص 276)، أن الزنديق من الثَّنَوِيّة([7]).
ـ وأطلق الإمام ابن تيمية اسم الزنديق على "الذي تكلم الفقهاء في قبول توبته في الظاهر، فالمراد به عندهم المنافق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر".
ـ وأطلقه الإمام ابن القيم الجوزية على: من لا يؤمن بالله واليوم الآخر.
ـ ويقول الحافظ ابن حجر العسقلاني: "ثم أطلق الاسم على كل من أسرّ الكفر وأظهر الإسلام، حتى قال مالك: الزندقة ما كان عليه المنافقون، وكذا أطلق جماعة من الفقهاء الشافعية وغيرهم أن الزنديق هو الذي يظهر الإسلام ويخفي الكفر".
ـ وأطلقه الإمام الدارمي وغيره على الجهمية، الذين ينفون صفات الله سبحانه وتعالى.
ـ ووصف الإمام أحمد بن حنبل المعتزلة بالزنادقة.
ـ كما أن صاحب المجون والفحش يُرمى أحياناً بالزندقة([8]).
وأيّا كانت العقائد والأفكار والممارسات التي تبناها الزنادقة، فإن من الثابت أن الزندقة أطلقت عند الفرس في بادئ الأمر على المانوية([9])، وفي الإسلام ظل استعمالها يطال المانوية، ذلك أن أفكارها وعقائدها عاشت إلى العصر العباسي، وتسربت إلى بعض الفرق الضالة ([10]).
"فالزندقة كانت تعني في أول الأمر المانوية، ثم تطورت دلالتها، وأصبحت تستغرق كافة أصحاب الديانات الفارسية، كالديصانية، والمرقونية، والمزدكية، ثم اتسعت دلالتها، وصارت تشمل كل الملحدين والمتشككين في الدين.
وهذه المعاني هي التي كان الخاصة يريدونها عندما كانوا يستعملون كلمة زنديق، أما العامة وأشباههم، فكانوا يسمون المستهتر الماجن زنديقاً"([11]).
وقد عدّ الإمام عبد القاهر البغدادي (ت سنة 429هـ) عشرين فرقة، من الفرق التي انتسبت للإسلام، وليست منه، ممن ينطبق عليها وصف الزندقة، فقال: "والفرق المنتسبة إلى الإسلام في الظاهر مع خروجها عن جملة الأمة عشرون فرقة هذه ترجمتها: سبئية، وبيانية، وحربية، ومغيرية، ومنصورية، وجناحية، وخطّابية، وغرابية، ومفوضية، وحلولية، وأصحاب التناسخ، وخابطية، وحمارية، ومُقنعيّة، ورزاميّة، ويزيدية، وميمونية، وباطنية، وحلاجية، وعذافرية، وأصحاب إباحة. وربما انشعبت الفرقة الواحدة من هذه الفرق أصنافاً كثيرة"([12]).
غاياتهم وأساليبهم
هدف الزنادقة إلى هدم الإسلام، وتدمير دولته، واتبعوا لتحقيق ذلك عدة وسائل:
1ـ بعث الديانات الفارسية القديمة، والسعي إلى نشرها عن طريق ترجمتها إلى اللغة العربية([13]) ذلك أن معظم الزنادقة كانوا من الفرس الذين هالهم أن يروا سقوط دولتهم على أيدي المسلمين، إضافة إلى أن الديانات الفارسية احتوت على صنوف الكفر والإلحاد والإباحية.
2ـ تشويه الدين الإسلامي بالطعن فيه، والدسّ عليه، ومكنهم من ذلك أنهم أجادوا العربية، وتفقهوا بعض التفقه في الدين([14]).
"لقد كانت قوة الإسلام السياسية والعسكرية غالبة قاضية لم تبقِ لدى أولئك الزعماء والأمراء والقواد (من الشعوب غير المسلمة) أملاً ما في استعادة سلطانهم الزائل ومجدهم المنهار، فلم يجدوا أمامهم مجالاً للانتقام من الإسلام إلاً إفساد عقائده، وتشويه محاسنه، وتفريق صفوف أتباعه وجنوده"([15]).
وقد كانت السنة النبوية، أكثر المجالات التي امتدت إليها يد الزنادقة بالتحريف والتشويه والدسّ والزيادة "وكان التزيد في السنة أوسع ميادين الدس والإفساد لديهم، فجالوا فيه وصالوا، متسترين بالتشيع أحياناً، وبالزهد والتصوف أحياناً، وبالفلسفة والحكمة أحياناً، وفي كل ذلك إنما يتوخون إدخال الخلل في بناء ذلك الصرح الشامخ الذي أقامه محمد صلى الله عليه وسلم"([16]).
"ومن أمثلة ما وضعوه ليفسدوا به الدين: ... (إن الله اشتكت عيناه فعادته الملائكة)...و (النظر في الوجه الجميل عبادة)... و(الباذنجان شفاء من كل داء)... وهكذا دسّ هؤلاء الزنادقة آلافاً من الأحاديث في العقائد والأخلاق والطب والحلال والحرام، وقد أقرّ زنديق أمام الخليفة المهدي بأنه وضع مائة حديث تجول في أيدي الناس، ولما قُدِّم عبد الكريم بن أبي العوجاء للقتل، اعترف بأنه وضع أربعة آلاف حديث يحرم فيها الحلال، ويحلل فيها الحرام"([17]).
3ـ إغراء الشباب في المجتمع العربي الإسلامي بالفجور والعهر وإدمان الخمر، وطلب اللهو واللذة، والاستهتار بالتغزل بالمذكر، واللواط بالغلمان، واستباحة الحرمات، وانتهاك الأعراض. وقامت عصابات الزنادقة المجان بذلك كله([18]).
ولعلنا نكتفي هنا بذكر بيتين للشاعر أبي نواس، أحد أبرز الزنادقة إذ يقول:
يا أحمدُ([19])المرتجى في كل نائبةٍ          قُم سيدي نَعصِ جبّار السماوات
ويقول عن الخمر:
ألا فاسقني خمراً وقل لي هي الخمر      ولا تسقني سرّاً إذا أمكن الجهر
 
الزندقة والفرق المنحرفة
وجد الزنادقة في الفرق المنحرفة أرضاً خصبة لنشر أفكارهم، خاصة عندما كانوا يجدون صعوبة في ذلك "متسترين بالتشيع أحياناً، وبالزهد والتصوف أحياناً، وبالفلسفة والحكمة أحيانا" ([20]).
وقد أشار الإمام عبد القاهر البغدادي إلى أوجه شبه عديدة بين المجوسية وديانات ما قبل الإسلام من جهة، وبين معتقدات الفرق المنحرفة التي انتسبت للإسلام، ويقول: "وذكر أصحاب التواريخ أن الذين وضعوا أساس دين الباطنية([21]) كانوا من أولاد المجوس، وكانوا مائلين إلى دين أسلافهم، ولم يجسروا على إظهاره خوفاً من سيوف المسلمين، فوضع الأغمار*[22]) زعمت أن النور والظلمة صانعان قديمان، والنور منهما فاعل الخيرات والمنافع، والظلام فاعل الشرور والمضار... وذكر زعماء الباطنية في كتبهم أن الإله خلق النفس، فالإله هو الأول، والنفس هو الثاني، وهما مدبرا هذا العالم، وسموهما الأول والثاني، وربما سموهما العقل والنفس، ثم قالوا: إنهما يدبران هذا العالم بتدبير الكواكب السبعة والطبائع الأول"([23]). منهم أسُساً مَن قَبِلها منهم صار في الباطن إلى تفضيل أديان المجوس، وتأولوا آيات القرآن وسنن النبي عليه السلام على موافقة أسسهم. وبيان ذلك أن الثنوية(
والبغدادي يشير في كلامه السابق إلى اتفاق المجوس، والفرق الباطنية في اعتقادهم بالله والخلق، ويقول عن الباطنية: "وقولهم إن الأول والثاني (العقل والنفس) يدبران العالم، هو بعينه قول المجوس بإضافة الحوادث لصانعين، أحدهما قديم والآخر محدث، إلاّ أن الباطنية عبّرت عن الصانعين بالأول والثاني، وعبرّ المجوس عنهما بيَزدان وأهرَمن"([24]).
وبعد أن أورد الأمثلة الكثيرة لمشابهة عقائد الباطنية بالمجوس، ودخول عقائد الزندقة المجوسية في أفكار الفرق التي انتسبت إلى الإسلام، يقول البغدادي: "الذي يصح عندي من دين الباطنية أنهم دُهرية([25]) زنادقة، يقولون بقدم العالم، وينكرون الرسل والشرائع كلها"([26]).
والشواهد كلها تدل على تأسيس وانضمام الزنادقة المتأثرين بأفكار وعقائد المجوس، بالفرق الضالة التي انتسبت للإسلام، وعلى رأسها الإسماعيلية والرافضة والقرامطة والصوفية. وفي مقدمة هؤلاء الزنادقة، عبد الله بن سبأ، مؤسس مذهب الرافضة، "الذي غلا في علي رضي الله عنه، وزعم أنه كان نبيّا، ثم غلا فيه حتى زعم أنه إله، ودعا إلى ذلك قوماً من غلاة الكوفة"([27]).
ويقول البغدادي بعد أن أورد شيئاً من زندقة ابن سبأ: "وقال المحققون من أهل السنة: إن ابن السوداء كان على هوى دين اليهود، وأراد أن يفسد على المسلمين دينهم بتأويلاته في عليّ وأولاده، لكي يعتقدوا فيه ما اعتقدت النصارى في عيسى عليه السلام، فانتسب إلى الرافضة السبئية حين وجدهم أعرق أهل الأهواء في الكفر، ودلّس ضلالَتََه في تأويلاته"([28]).
ويبين شيخ الإسلام ابن تيمية الخطر الذي أحدثه الزنادقة بدخولهم إلى مذهب الشيعة بقوله: "ومنهم من أدخل على الدين من الفساد ما لا يحصيه إلاّ رب العباد، فملاحدة الإسماعيلية والنصيرية، وغيرهم من الباطنية المنافقين من بابهم دخلوا، وأعداء المسلمين من المشركين وأهل الكتاب بطريقهم وصلوا، واستدلوا بهم على بلاد الإسلام، وسبوا الحريم، وأخذوا الأموال، وسفكوا الدم الحرام، وجرى على الأمة بمعاونتهم من فساد الدين والدنيا ما لا يعلمه إلاّ رب العالمين"([29]).
ويقول: "وأكثر ما تجد الرافضة، إما في الزنادقة المنافقين الملحدين، وإما في جهّال ليس لهم علم، لا بالمنقولات ولا بالمعقولات"([30]).
ويقول أيضاً: "والعلماء دائماً يذكرون أن الذي ابتدع الرفض كان زنديقاً ملحداً، مقصده إفساد دين الإسلام. ولهذا صار الرفض مأوى الزنادقة الملحدين من الغالية والمعطلة، كالنصيرية والإسماعيلية ونحوهم"([31]).
كما كان للزنادقة المجوس الدور الكبير في تأسيس فرقة الإسماعيلية، التي انفصلت عن الشيعة بعد وفاة إمامهم السادس، جعفر الصادق، يقول البغدادي: "وقد حكى أصحاب المقالات أن الذين أسسوا دعوة الباطنية([32]) جماعة: منهم ميمون بن ديصان، المعروف بالقداح، وكان مولىً لجعفر بن محمد الصادق، وكان من الأهواز، ومنهم: محمد بن الحسين الملقب بدندان، اجتمعوا كلهم مع ميمون بن ديصان في سجن والي العراق، فأسسوا في ذلك السجن مذاهب الباطنية، ثم ظهرت دعوتهم بعد خلاصهم من السجن"([33]).
واستطاع أحد أحفاد ميمون بن ديصان، وهو عبيد الله المهدي، تأسيس الدولة العبيدية الفاطمية سنة 297هـ التي تعتبر الحركة الإسماعيلية الأصلية، وينقل الشيخ إحسان إلهي ظهير عن المؤرخ المقريزي قوله في هؤلاء: "فعبيد الله ـ الملقب بالمهدي ـ هو سعيد بن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن ميمون القداح بن ديصان الثنوي الأهوازي، وأصلهم من المجوس"([34]).
ولا يختلف الأمر عند الصوفية، فهذه الفرقة غدت هي الأخرى مرتعاً للزنادقة، الذين تظاهروا بالزهد والتقشف، ونشروا الكفر والإلحاد، ومن هؤلاء الزنادقة الذين بلغوا في التصوف شأناً كبيراً، الحلاّج([35])  الذي "كان في بادئ أمره مشغولاً بكلام الصوفية... وكان يدّعي أنواع العلوم، على الخصوص والعموم... وقد اختلف فيه المتكلمون والفقهاء والصوفية، فأما المتكلمون فأكثرهم على تكفيره، وعلى أنه كان على مذهب الحلولية... وقال عمرو بن عثمان: كنت أماشيه يوماً فقرأت شيئاً من القرآن، فقال: يمكنني أن أقول مثل هذا"([36]).
"والذين نسبوه إلى الكفر وإلى دين الحلولية حكَوا عليه أنه قال: من هذّب نفسه في الطاعة، وصبر على اللذات والشهوات، ارتقى إلى مقام المقربين، ثم لا يزال يصفو ويرتقي في درجات المصافاة حتى يصفو عن البشرية، فإذا لم يبق فيه من البشرية حظ، حلّ فيه روح الإله، الذي حلّ في عيسى بن مريم، ولم يرد حينئذ شيئاً إلاّ كان كما أراد، وكان جميع فعله فعل الله تعالى"([37]) .
أهم شخصياتهم
ظهر في بدايات العصر العباسي([38]) عدد كبير من الزنادقة، الذين استخدموا الشعر والأدب، لنشر أفكارهم. وبالرغم من أن بعض أفكار الإلحاد والزندقة ظهرت قبل ذلك، إلاّ أن بدايات العصر العباسي شهد الزندقة، كحركة منظمة يدعمها عدد من الوزراء والكتاب والأدباء.
ومن أبرز الزنادقة في تلك الفترة:
1ـ أبو دلامة. ومن أشعاره في ذم شهر رمضان وليلة القدر:
جاء شهر الصوم يمشي      مشية ما أشتهيها
قائـداً لـي ليلة القـد       رِ كأني أبتغيهـا
2ـ مطيع بن إياس. الذي يقول فيه الأصفهاني "كان ماجناً متهماً في دينه بالزندقة". ويروى المسعودي المؤرخ أنه كان يصنف الكتب مع رفاقه من الزنادقة في تأييد المذاهب المانية والديصانية والمرقونية.
كما أن ابن إياس "كان ميّالاً إلى غلاة الشيعة، فقد كان يكفر أبا بكر وعمر، ويخفي تكفيره لهما، إبقاءً على حياته"([39]). وكان مصاباً بالشذوذ الجنسي، يلاط به، ويلوط بالغلمان، ويدعو إلى ارتكاب الموبقات، ومن أشعاره:
نـعم لنا نبـيذ      وعندنا حماد
وكلنا من طرب     يطير أو يكاد
3ـ حمّاد عَجرد. يقول فيه ابن المعتز: "كان بالكوفة ثلاثة نفرٍ يقال لهم الحمادون: حماد عجرد، وحماد الراوية، وحماد الزبرقان، يتنادمون على الشراب، ويتناشدون الأشعار، ويتعاشرون معاشرة جميلة، وكانوا كأنهم نفس واحدة، يرمون بالزندقة جميعاً".
4ـ بشار بن برد. ومن أشعاره التي تظهر تقديسه للنار، وتفضيله إبليس على آدم:
الأرض مظلمة والنار مشرقة       والنار معبودة مذ كانتِ النار
إبليس خـير مـن أبيكم آدم        فتنبهوا يـا معشـر الفجـار
إبليـس من نارٍ وآدم طينـة       والأرض لا تسمو سُمُو النار
5ـ أبو نواس. وقد سبق ذكر شيء من شعره في الثناء على الخمر، والدعوة إلى الفاحشة.
ومن الزنادقة البارزين في تلك الفترة: صالح عبد القدوس، وعلي بن الخليل، وسَلمٌ الخاسر، وأبان بن عبد الحميد، والبَةُ بن الحُباب، وأبو العتاهية، وآدم بن عبد العزيز، ويحيى بن زياد([40]).
دور الحكام في محاربة الزندقة
اجتهد حكام المسلمين في محاربة الزنادقة، حفاظاً على الدين وأهله، وللإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه السبق في ذلك عندما أحرق الذين غلوا فيه، وقالوا بألوهيته من دون الله، ونفيه لآخرين، وعلى رأسهم عبد الله بن سبأ([41]).
وقد كان للمنصور، ثاني الخلفاء العباسيين الجهد الكبير في محاربتهم، ثم جاء بعده المهدي وجدّ في تعقبهم. ويروي الإمام ابن كثير شيئاً من ذلك فيقول في حوادث سنة 167هـ "وفيها تتبع المهدي جماعة من الزنادقة في سائر الآفاق فاستحضرهم وقتلهم صبراً بين يديه".
ووصّى المهدي ابنه موسى الهادي ـ الخليفة من بعده ـ بذلك، وقد أنفذ الهادي تلك الوصية، إذ يقول ابن كثير في حوادث سنة 169هـ: "وسعى الهادي في تطلب الزنادقة من الآفاق، فقتل منهم طائفة كثيرة واقتدى في ذلك بأبيه".
ومما أورده ابن كثير في أخبار الزنادقة، أنه في سنة 311هـ: "أحرق المقتدر بالنار مائتين وأربعة أعدال من كتب الزنادقة، منها ما كان صنفه الحلاّج وغيره، فسقط منها ذهب كثير كانت محلاّة به"([42]).
وبالرغم من جهود الخلفاء من محاربة الزنادقة، إلاّ أن بعضهم كان يغض الطرف عنهم، بل ويقربهم، فقد كان أبو نواس نديماً للخليفة العباسي "الأمين"([43]).
والمهدي، وبالرغم من تشدده مع الزنادقة، إلاّ أنه كان متساهلاً مع بعض الوضّاعين في الحديث([44]).
وكانت مقاومة الحكام للزندقة تأخذ أحياناً الطابع السياسي. يقول د. السباعي: "وإذا كنا نذكر لهم فضل تعقبهم للزنادقة الذين أفسدوا دين الإسلام، فإننا لا ننكر أن من الدوافع التي حملتهم على تعقبهم بالقتل، هو أنهم كانوا خارجين على حكمهم بدليل أننا لم نرهم فعلوا بالكذابين والوضاعين الذين تقربوا إليهم بالكذب على رسول الله إرضاءً لأهوائهم، عُشر ما فعلوه مع الخارجين على حكمهم"([45]).
للاستزادة:
1ـ الفرق بين الفرق ـ الإمام عبد القاهر البغدادي.
2ـ منهاج السنة النبوية ـ شيخ الإسلام ابن تيمية.
3ـ السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ـ د. مصطفى السباعي.
4ـ الزندقة والشعوبية في العصر العباسي الأول ـ د. حسين عطوان.
5ـ مقالات في المذاهب والفرق ـ د. عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف.
6ـ موقف العقيدة الإسلامية من الزندقة ـ د. زيد بن محمد الرماني.
7ـ الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة ـ إصدار الندوة العالمية للشباب الإسلامي.
8ـ موسوعة الأديان (الميسرة) ـ إصدار دار النفائس.
9ـ الإسماعيلية تاريخ وعقائد ـ الشيخ إحسان إليه ظهير.
 

 

 


 

[1]) ـ الموسوعة الميسرة ص 1075، وموسوعة الأديان ص 284.
[2]) ـ السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ص 83.
[3]) ـ منهاج السنة النبوية 7/219، ومواضع أخرى.
[4]) ـ الشعوبية: حركة ثقافية حضارية مناهضة للعرب، كان العراق مسرحها، لأنه كان ملتقى العنصر العربي الغالب بالعنصر الفارسي المغلوب. وعندما استطاع العباسيون تأسيس دولتهم، اعتمدوا على الموالي الفرس، واستعملوهم في المراكز الهامة، وأسندوا إلى بعضهم مسؤولية الحكم، وأطلقوا لهم الحرية، فأحسوا بذواتهم وتسلطت عليهم النزعة القومية، وتحولت إلى ما يشبه المنظمات التي كان يشرف عليها ويدبرها عدد من الوزراء والأدباء والكتاب والشعراء من الموالي الفرس.
ولم تشع الشعوبية بين الموالي الفرس فقط، بل امتدت إلى بعض المجتمعات التي فتحها المسلمون العرب مثل النبط والقبط والأندلسيين والزنج (الزندقة والشعوبية في العصر العباسي الأول للدكتور عطوان ص 149).
[5]) ـ مقالات في المذاهب والفرق ص 23ـ24، وموقف العقيدة الإسلامية من الزندقة ص 16ـ17.
[6]) ـ مقالات في المذاهب والفرق ص 28ـ 29.
[7]) ـ الثنوية: مذهب ديني فلسفي قديم يمثل أحد أطوار الديانة المجوسية، ويقوم على أساس أن العالم مركب من أصلين قديمين أزليين وممتزجين هما: النور والظلمة (الموسوعة الميسرة ص 1042).
[8]) ـ مقالات في المذاهب والفرق ص 26ـ 28.
[9]) ـ المانوية: أتباع ماني (المولود سنة 216م) والذي ادّعى النبوة، ظهر في بلاد فارس أيام حكم سابور بن أردشير. وقد كان مذهب المانوية ثورة على الزرادشتية التي تمثل دين الدولة الرسمي. وقد تبنى سابور مذهب ماني القائم على الثنوية، أو أن أصل العالم كونان أحدهما النور والآخر الظلمة (موسوعة الأديان ص 435، والزندقة والشعوبية ص 12).
[10]) ـ موسوعة الأديان الميسرة ص 435.
[11]) ـ الزندقة والشعوبية ص 15ـ 16.
[12]) ـ الفرق بين الفرق ص 232ـ 233.
[13]) ـ الزندقة والشعوبية ص 23.
[14]) ـ المصدر السابق ص 23.
[15]) ـ السنة للسباعي ص 84.
[16]) ـ المصدر السابق ص 84.
[17]) ـ المصدر السابق ص 84ـ 85.
[18]) ـ الزندقة والشعوبية ص 24.
[19]) ـ المقصود بأحمد في هذا البيت: أحمد بن أبي صالح، وهو غلام كان أبو نواس يعشقه.
[20]) ـ السنة للسباعي ص 84.
[21]) ـ الباطنية: تطلق على الفرق التي ادّعت أن للإسلام ظاهراً وباطناً، وبذلك صرفوا آيات القرآن وأحكام الشريعة عن مرادها. ويأتي على رأس هذه الفرق: الإسماعيلية والنصيرية والدروز.
*) ـ جاء في مختار الصحاح، ص 480: "رجل غُمرٌ، بسكون الميم وضمها، أي لم يجرب الأمور".
[22]) ـ سبق التعريف بها.
[23]) ـ الفرق بين الفرق ص 284ـ 285.
[24]) ـ المصدر السابق ص 285.
[25]) ـ الدُّهري هو الملحد (مختار الصحاح للرازي ص 213).
[26]) ـ الفرق بين الفرق ص 294.
[27]) ـ المصدر السابق ص 233.
[28]) ـ المصدر السابق ص 235. ويلاحظ أن البغدادي جعل ابن سبأ، غير ابن السوداء. والمعروف عند العلماء والمؤرخين أنهما شخص واحد.
[29]) ـ منهاج السنة النبوية 1/10ـ11.
[30]) ـ المصدر السابق 2/81.
[31]) ـ المصدر السابق 7/ 219.
[32]) ـ المقصود بالباطنية هنا: الإسماعيلية، كونها أولى الدعوات الباطنية التي ظهرت في الإسلام.
[33]) ـ الفرق بين الفرق ص 282.
[34]) ـ الإسماعيلية، تاريخ وعقائد ص 89.
[35]) ـ أبو المغيث، الحسين بن منصور الحلاج، أصله من البيضاء، من بلاد فارس، ونشأ بواسط والعراق. وفي سنة 309هـ، أمر الخليفة المقتدر العباسي بقتله بسبب زندقته وآرائه الإلحادية.
[36]) ـ الفرق بين الفرق ص 260ـ 262.
[37]) ـ المصدر السابق ص 263.
[38]) ـ تأسست الدولة العباسية سنة 132هـ، بعد انتصارها على الدولة الأموية، وانتهت على يد المغول سنة 656هـ.
[39]) ـ الزندقة والشعوبية ص 34.
[40]) ـ للمزيد عن سير هؤلاء الزنادقة وأشعارهم: الزندقة والشعوبية لعطوان.
[41]) ـ الفرق بين الفرق ص 233.
[42]) ـ مقالات في المذاهب والفرق ص 33، نقلاً عن البداية والنهاية للإمام ابن كثير.
[43]) ـ الزندقة والشعوبية ص 87.
[44]) ـ السنة للسباعي ص 88ـ89.
[45]) ـ المصدر السابق ص 89.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: