فرق ومذاهب\العدد الثامن و العشرين - شوال 1426هـ
فرقة الجمهوريين في السودان
السبت 13 مايو 2006
فرقة الجمهوريين في السودان
في العدد الماضي من الراصد، تحدثنا عن فرقة القرآنيين التي ظهرت في الهند، في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، ومنها إلى بعض الدول الإسلامية، ويقوم فكرها أساساً على نبذ السنة النبوية، واستبعادها كمصدر من مصادر التشريع، أو اعتبارها المصدر الثاني للشريعة الإسلامية بعد القرآن الكريم قائلين أنه يكفي الاعتماد على القرآن الكريم، ولا حاجة لنا بما سواه.
ونتيجة لذلك المنهج، جاءت أفكار وتصورات القرآنيين مشوشة مضطربة، بعيدة عن مرادها، فأدخلوا في الدين ما ليس منه، وضلوا وأضلوا.
وفي هذا العدد نعرِّف بفرقة أخرى تتقاطع في بعض أفكارها وأسلوب تفكيرها مع القرآنيين ألا وهي فرقة الجمهوريين في السودان التي يمثلها (الحزب الجمهوري) الذي أسسه محمود محمد طه سنة 1945.
تبنى هذا الحزب فهماً خاصاً للقرآن والإسلام، امتزج بالأفكار الاشتراكية، والصوفية الغالية، والفلسفات المختلفة، مع شيء من الغموض، ليخرج بالنتيجة التي خرج بها القرآنيون من قبل، صرف آيات القرآن وأحكام الإسلام عن مرادها، وإنكار كثير مما علم من الدين بالضرورة.
نشأتها وتطورها:
الفرقة الجمهورية في السودان يمثلها الحزب الجمهوري الذي تأسس في 26/ 10/1945م، على يد المهندس محمود محمد طه، المختلف في سنة ولادته([1]) وقد اختير طه أول رئيس للحزب الذي نشأ في زمن الاحتلال البريطاني للسودان.
وكانت بداية هذه الجماعة مشابهة للظروف التي أسهمت في ظهور الأحزاب السياسية السودانية، لكن هذه الفرقة أو الجماعة كانت علمانية الاتجاه بصورة واضحة. وقد أعلن زعيمها محمود طه في كتاباته الأولى أن الإسلام ليس بمفلت من التشكيك، ويجب أن يوضع على منضدة البحث العلمي لرفض ما لا يتناسب مع العصر، عن طريق تأويل النصوص التي لا تتماشى مع القرن العشرين كنصوص الجهاد والعبادة - حسب اعتقاده-.
ومع أن اتجاه هذه الجماعة كان واضحاً منذ البداية، إلاّ أن زعيمها حاول أن يصبغها بصبغة دينية حتى يجد سنداً شعبياً في بلد يدين معظم أهله بالإسلام، وينتشر فيه التصوف، لذلك كان لافتاً استدلاله بالآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، فيما يدعو إليه، محاولاً تكييفها تكييفا يناسب منهجه وأفكاره.
وظهرت فرقة الجمهوريين باتجاهها الباطني([2]) المخالف للإسلام سنة 1965، وهو العام الذي أعلن فيه زعيمهم بأنه استقام له أمر نفسه، وأصبح على مشارف الوصول للمعية بالذات([3]).
وعندها خرج من جماعة الجمهوريين عدد من الأشخاص بعد أن أصبحت فرقة باطنية، كما دخل فيها آخرون إعجاباً بتأويله للخطاب الديني. وقد نجح طه في ملء فراغ أتباعه الفكري، بفكره التلفيقي الذي جمعه من أفكار وفلسفات الفرق الباطنية في القديم والحديث، ومن الفلسفات الإلحادية والمذاهب المعاصرة.
وكانت نهاية زعيم الجماعة أن أعدم في 18/1/1958 بتهمة الردّة والزندقة، بعد أن أمهل ثلاثة أيام ليتوب من أفكاره المنحرفة، لكنه لم يتب، وقد انحسر عدد أتباعه بعد إعدامه، إضافة إلى انتشار الصحوة الإسلامية في السودان.
وكان طه قد ألف عدداً من الكتب التي تبين منهج فرقته، ورؤيته للإسلام، منها:
1ـ قل هذه سبيلي، وهو أول مؤلفاته، صدر سنة 1952م.
2ـ أسس دستور السودان، صدر سنة 1955، قبيل استقلال البلاد، ونادى فيه بقيام جمهورية رئاسية، فيدرالية، ديمقراطية، اشتراكية. وهو كتاب نادر الوجود إذ يعمل الجمهوريون على إخفائه من الأسواق.
3ـ الإسلام، صدر سنة 1960. ويعتبرونه الكتاب الأم "للدعوة الإسلامية الجديدة" .
4ـ طريق محمد، ورسالة الصلاة، والرسالة الثانية من الإسلام. وقد صدرت هذه الكتب الثلاثة خلال عامي 1966ـ 1967.
5ـ التحدي الذي يواجه العرب، وكتاب "مشكلة الشرق الأوسط"، ويفتخر الجمهوريون بأن زعيمهم محمود في كتابه الأخير كان "أول من دعا العرب للدخول في سلام مع إسرائيل ليوجدوا هدنة يبحثون في أثنائها أسباب مشكلتهم الحقيقية بدلاً من الدخول في عداوات لا طاقة لهم بها مع إسرائيل ومع الغرب مما يدفعهم في أحضان الشيوعية الدولية.."([4]).
أهم أفكارها:
تبنت فرقة الجمهوريين التأويل الباطني منهجاً، فصرفت الآيات عن مرادها، وابتدعت فهماً خاصاً للإسلام. وقد أخذت أفكارها من عدد من المذاهب والفلسفات.
1ـ عقيدتهم في الله: يزعم محمود طه أن اسم (الله) تبارك وتعالى يطلق على معنيين:
ـ معنى بعيد: وهو ذات الله الصرفة، وهي فوق الأسماء، ولولا أنها تنزلت في مراتب الوجود المختلفة لما عرفت. فكلمة (الله) عند الجمهوريين في معناها البعيد ليست إلاّ إشارة بسيطة غامضة، لا يمكن أن توصف، ولا تسمى ولا تعرف إلاّ بعد تنزلها.
ـ معنى قريب: هو المحدث الكامل أو الإنسان الكامل، وهي مرتبة البشر الكامل!
وقد أوّل الجمهوريون جميع الأحاديث التي تتحدث عن الرؤية، أو نزول الله إلى السماء الدنيا. فصفات الله عند الجمهوريين إنما هي صفات الإنسان الكامل أو الحقيقة المحمدية أو التعيين الأول للذات الإلهية، أو التجسد الأول.
ويعتبر طه أن الشرك هو "الكبت الذي انقسمت به النفس الإنسانية إلى عقل واع وعقل باطن بينهما تضاد وتعارض". أما التوحيد فيقول عنه: "ولا يكون الفكر مسدداً ولا مستقيماً إلاّ إذا أصاب نقطة التقاء الضدين: العقل الواعي والباطن هذا هو التوحيد".
2ـ عقيدتهم في الإسلام: الإسلام عندهم هو مذهبهم الجمهوري. فقد جاء في كتابهم ( الجمهوري والمهاجر الاكتوبري): "إن الإسلام ليس غير الفكرة الجمهورية، ذلك بأن سائر المسلمين بفرقهم المختلفة ليسوا على شيء".
ـ ويقول طه عن الإسلام: "الإسلام في أصول يحوي شريعة الإنسان، لكنه في فروعه لا يزال يحوي بعض السمات الملطفة من قانون الغابة".
ـ ويقول طه بأن مستوى شريعة الأصول هو مستوى الرسالة الثانية من الإسلام وهي الرسالة التي وظف حياته للتبشير بها والدعوة إليها.
ـ ويشير إلى أن الشيوعية تختلف عن الاشتراكية اختلاف مقدار، فكأن الاشتراكية إنما هي طور مرحلي نحو الشيوعية، ولقد عاش الرسول صلى الله عليه وسلم الشيوعية في قمتها، كما يذكر ذلك في كتابه (الرسالة الثانية) ص 147.
وقد جعل طه إحدى الأهداف التي يسعون إليها (المساواة الاقتصادية)، وهي التي تبدأ بالاشتراكية، وتتطور نحو الشيوعية.
3ـ عقيدتهم في القرآن الكريم: يعتقد الجمهوريون بأن لكل كلمة من كلمات القرآن الكريم معنى قريباً، وآخر بعيداً:
ـ المعنى القريب هو الظاهر الذي يمكن معرفته بإجادة اللغة.
ـ المعنى البعيد هو الباطن، وهو عند الرب لا يعلمه إلاّ الرسل والأنبياء، أو الذين يستطيعون أن يتلقوا شريعتهم من الله كفاحاً.
ومن أمثلة ذلك تفسير محمود طه لقوله تعالى (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء)([5]) إذ يقول: "فالنفس الواحدة في الحقيقة هي نفس الله تعالى، وآدم مشمول بخطاب (يا أيها الناس) فآدم لم يكن بداية الخلق، وإنما هو مرحلة متقدمة منه.. ثم النفس الواحدة هي نفس آدم..)([6]).
ويزعم الجمهوريون أن (النبأ العظيم) الوارد في قوله تعالى (عم يتساءلون، عن النبأ العظيم، الذي هم فيه مختلفون) ([7])، ليس هو يوم القيامة كما يظن المسلمون، وإنما هو محمود محمد طه، وقد ظلت الأرض ـ في رأي الجمهوريين ـ محتفظة بهذا السر إلى القرن العشرين، وباحت به الآن بعد أن أوقدت شمسها.
ـ يتهم طه الصحابة بأنهم لم يعلموا من معاني القرآن شيئاً، إذ يقول: "الإسلام عائد عمّا قريب بعون الله وتوفيقه، وهو عائد لأن القرآن لا يزال بكراً لم يفض الأوائل منه غير ختم الغلاف".
ـ ويقول عن القرآن الكريم: "القرآن موسيقى علوية، هو يعلمك كل شيء، ولا يعلمك شيئاً بعينه، هو ينبه قوى الإحساس، ويشحذ أدوات الحس ثم يخلي بينك وبين عالم المادة لتدركه على أسلوبك الخاص، هذا هو القرآن".
4ـ عقيدتهم في النبي صلى الله عليه وسلم وفي سنته: أثبت محمود محمد طه لنفسه كثيراً من الآيات التي نزلت صريحة في حق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
ـ أما موقفهم من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، فإنهم يؤولون ظاهرها تأويلات باطلة لا تعقل، وقد ساروا في هذه المسألة على طريق الباطنية الأوائل والثنوية([8]) والدهرية والإباحية من المنكرين للنبوة والشرائع والحشر والجنة والنار والملائكة والربوبية.
فمثلاً يقول الجمهوريون: "وكل الأحاديث النبوية التي تتحدث عن رؤية الله يوم القيامة، وهي أحاديث كثيرة، إنما تتحدث عن مقام الاسم، وليس عن الذات المطلقة، وذلك لأن القيامة زمان ومكان، والذات المطلقة لا يحويها الزمان والمكان... ولأن الرؤية لا تكون إلاّ للمحدود، والذات تتعالى أن تراها البصائر والأبصار".
وزعم طه أن النبي صلى الله عليه وسلم هو وحده الإنسان في سائر أمته، إذ كانت له شريعة خاصة قامت على أصول الإسلام، وكانت شريعة أمته تقوم على الفروع. وزعموا أن لأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم معنيين: معنى قريباً، وآخر بعيداً، كالآيات القرآنية.
جانب من آرائهم في العبادات:
1ـ الصلاة: يقول طه في كتابه (رسالة الصلاة): "صلوا كما رأيتموني أصلي"! هكذا أمر النبي في تبليغه رسالة ربه، فالصلاة معراج النبي بالأصالة ومعراج الأمة بعده بالتبعية والتقليد.. وكلمة (رأيتموني أصلي) لها معنى قريب ومعنى بعيد، ... فأما المعنى البعيد فهو أن نرى بعين البصيرة حال قلب النبي صلى الله عليه وسلم من صدق التوجه حين يقوم لصلاته، وأما المعنى القريب فهو أن نرى بعين البصر حركات النبي الظاهرة في صلاته فنتقنها أيضاً...
2ـ يرون بأن التكليف في مرحلة من المراحل يسقط عن الإنسان لاكتمال صلاحه، إذ لا داعي للعبادة حينذاك، على نحو ما يقول غلاة الصوفية.
3ـ هناك أشياء لا يعتبرونها من الإسلام مثل الزكاة والحجاب.
4ـ تشجيع الأخوات الجمهوريات على تشييع الجنائز، وإذا اضطروا للصلاة فإن المرأة الجمهورية هي التي تؤذن في حضور الرجال.
5ـ لا يضحون في عيد الأضحى، وقد أصدر الجمهوريون كتاب (الضحية ليست واجبة لا على الأغنياء ولا على الفقراء).
أهم شخصياتهم
ـ المهندس محمود محمد طه، مؤسس الفرقة، وقد سبق التعريف به.
ـ تاج الدين عبد الرزاق، خالد بكير حمزة، ومحمد صالح بشير، وعبد اللطيف عمر، وهؤلاء الأربعة كانوا من أنصار طه عند الحكم عليه بالأعدام، وحكم عليهم بالحكم نفسه، إلاّ أنهم أعلنوا جميعاً توبتهم، بعد يومين من المهلة، لينقذوا بذلك رقابهم من حبل المشنقة.
ـ صلاح محمد عثمان.
ـ الشاعر عوض الكريم موسى.
للاستزادة
1ـ الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة ـ المجلد الأول ـ إعداد الندوة العالمية للشباب الإسلامي.
2ـ مقال "سيرة الأستاذ محمود محمد طه" المنشور في موقع الفكرة.
3ـ مقال "التأويل الباطني عند الجمهوريين" ،المنشور في شبكة المشكاة الإسلامية للدكتور شوقي بشير عبد المجيد أستاذ العقيدة الإسلامية بجامعة أم درمان الإسلامية.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: