فرق ومذاهب\ العدد الثلاثون - ذو الحجة 1426 هـ
الحُجّتية
الثلاثاء 9 مايو 2006
الحُجّتية
بدأت تتردد في وسائل الإعلام في الآونة الأخيرة كلمة "الحجتية" وهي جماعة أو جمعية إيرانية شيعية تأسست قبل أكثر من 50 عاماً، وسبب التركيز المتزايد على هذه الجماعة يعود إلى ما تشهده الساحة العراقية الآن من ازدياد القتل والاغتيالات وإشاعة الفوضى، وربَط البعض بين الوضع المأساوي الحالي في العراق، وبين الحجتية التي تعتقد أن عودة المهدي المنتظر عند الشيعة ستتحقق سريعاً بعد إشاعة الفوضى في الأرض.
كما ربط البعض بين الحجتية، وبين الرئيس الإيراني الحالي أحمدي نجاد، بسبب تصريحاته المتكررة عن عودة المهدي، وضرورة ترتيب الأوضاع في إيران استعداداً لعودته، معتبرين أن نجاد من المنتمين إلى الحجتية.
وهذا المقال محاولة للتعرف أكثر على هذه الجماعة، ومعرفة عقائدها، وتأسيسها، وانتشارها، وأهم شخصياتها، ووضعها الحالي، واصطدامها قديماً بفرقة البهائية بسبب النزاع حول شخصية المهدي المنتظر.
تأسيسها:
تأسست الحجتية سنة 1953 على يد محمود الحلبي، واسمه الحقيقي محمود ذاكر زاده تولايى، وهو من شيوخ الشيعة الاثنى عشرية، وكان يتخذ من مدينة مشهد في خراسان مقراً له.
 ويأتي اسم "الحجتية" نسبة إلى "الحجّة بن الحسن"، وهو أحد الأسماء الرمزية للمهدي المزعوم، أو الإمام الثاني عشر، الذي يدعي الشيعة أن اسمه "محمد بن الحسن العسكري".
أفكارها:
ويتمحور فكر هذه الجماعة حول شخصية المهدي المنتظر، إذ نفت أي ظهور للمهدي في الماضي، ودعت إلى انتظاره في المستقبل، وربطت قيامه بانتشار الفوضى والفساد في الأرض، إذ قالوا أن التعجيل بخروج الإمام الغائب يكون بإشاعة الفساد والظلم، والإكثار من القسوة، فبخروجه يملأ الأرض عدلاً، ولا يتحقق هذا إلاّ بإخلاء الأرض من أي ذرة خير وعدل، وتمكين الشر منها.
وتبعاً لذلك فقد رفضت الحجتية أي قيام لأحد قبل قيام الحجة (المهدي) وأن أي دولة تنشأ قبل قيام دولة المهدي المنتظر هي دولة طاغوتية غير شرعية، وقد استندت إلى روايات شيعية عديدة تحرم أي مظهر من مظاهر إقامة الدولة قبل قيام أو عودة المهدي المزعومة، منها: "كل راية ترفع قبل راية المهدي، فهي راية ضلالة وصاحبها طاغوت".
وبسبب هذه الفكرة عن المهدي، والاعتقاد بعدم شرعية قيام دولة للشيعة قبل ظهوره، اصطدمت الحجتية بجهتين أساسيتين:
الأولى: الحركة البابية، ومن بعدها البهائية، الذين أعلنوا أن علي بن محمد الشيرازي المعروف بـ "الباب" هو المهدي المنتظر، فكان أن توجهت جهود الحجتية لمحاربة البهائية التي انتشرت في إيران انتشاراً لافتاً، وخاصة بين طلاب الحوزة الدينية.
الثانية: أنصار فكرة "ولاية الفقيه" والخميني على وجه التحديد، فنظرية ولاية الفقيه التي أصلها الخميني وطوّرها ومارسها تقوم أساساً على أنه لا بد أن يؤسس فقهاء الشيعة الدولة نيابة عن الإمام الغائب، ويمارسوا دوره السياسي، كما يمارسون دوره الفقهي والاجتماعي، كما كان الخميني يعتقد بأنه لا يجوز أن يظل الشيعة في مرحلة انتظار لا تُعرف مدتها،ولذلك كان يرى أن الحجتية حجر عثرة في مشروعه وخططه للسيطرة على الحكم في إيران، وإقامة الدولة الشيعية هناك.
الحجتية وشاه إيران
لكن في المقابل، وجدت الحجتية أو (الجمعية الخيرية الحجتية المهدوية) كما هو اسمها الرسمي، دعماً وتأييداً من بعض الجهات، أهمها:
1ـ علماء الحوزة الذين سرّهم أن يتجه محمود الحلبي ورفاقه لمحاربة فرقة البهائية التي بدأت تنتشر بين طلابهم، حيث أخذوا ينظمون لهم الاجتماعات والمحاضرات والمناظرات، وزودوهم بالمعلومات، وأعطوهم من الزكاة والخمس.
2ـ شاه إيران السابق محمد رضا بهلوي، الذي كان يخوض صراعاً مع بعض رجال الدين الشيعة، وكان يرى أن اعتقاد الحجتية بعدم جواز إقامة الدولة قبل قيام المهدي المنتظر، في صالحه، وتؤيده، لأنها تؤدي إلى قبول رجال الدين الشيعة بدولة بهلوي، وعزوفهم عن التفكير بتأسيس دولة شيعية يحكمها رجال الدين.
ومما جعل شاه إيران يدعم هذه الجماعة، أنها كانت حركة ثقافية، وليست سياسية، وأنها لم تكن تعتقد بجواز العمل الثوري بالنيابة عن المهدي المنتظر، إضافة إلى أنها كانت تحارب البهائية، والشيوعية الذين كان الشاه يكن لهم العداء أيضا.
وقد سمح لها الشاه بالتحرك والتنظيم، حتى في صفوف الجيش. أما التيار المعارض للشاه، والذي كان يقف على رأسه الخميني، فكان يعادي هذه الجماعة ويعتبرها من المثبطين، ومنفذي سياسات الشاه، خاصة وأنهم كانوا من مقلدي الخوئي، وليس الخميني، قبل انتصار الثورة.
الحجتية والثورة
وعندما قامت الثورة الإيرانية سنة 1979، وتمكن الخميني من إقامة دولة ولاية الفقيه، خلافاً لما يؤمن به الحجتية، جاء محمود الحلبي إلى الخميني مهنئاً، واعتبر انتصار الثورة تمهيداً لخروج الإمام الغائب، ومقدمة له، وأعرب عن وضع جميع كوادر حركته في خدمة الثورة، وخاصة العسكريين منهم، فقبل الخميني ذلك بشرط أن يحل تنظيمه.
 وقد ساهم عددٌ من أتباعه بتعزيز أركان النظام الجديد، وعلى رأسهم الجنرال قرني، رئيس الأركان الأول في عهد الثورة، والدكتور علي أكبر ولايتي وزير الخارجية الأسبق، والدكتور برورش وزير التربية الأسبق، وآخرون.
وقد عبرت الحجتية عن سياستها ومواقفها الجديدة بتعديل ميثاقها، الذي جاء بعد التعديل كما يلي: "إن الجمعية رغبة في استمرار نظام الجمهورية الإسلامية حتى ظهور المهدي المنتظر ـ أرواحنا فداه ـ نجد من واجبنا أن نقوم بأي خدمة في المجالات السياسية والاجتماعية اتباعاً لتوجيهات الزعيم العالي القدر، حيث يستطيع أفراد الجمعية الاشتراك في أي نشاط إعلامي أو سياسي أو عسكري أو اجتماعي، تحت إشراف أو موافقة مراجع الشيعة العظام".
وبالرغم من هذا النهج الجديد بعدم قيام الثورة، إلاّ أن أنصار الخميني ظلوا ينظرون بريبة إلى الحجتية، وظلوا يتذكرون عزوفها عن مقاومة نظام الشاه، خلافاً لرجال الدين الآخرين، وكان هاشمي رفسنجاني، الرئيس الأسبق، يقول فيهم: "إن زعماء جمعية الحجتية كانوا يرون الكفاح المسلح أمراً سيئاً وكانوا يعتقدون أن الحكومة الخالصة في عهد إمام الزمان يمكن أن تقوم، ونظراً لعدم تحققها الآن، فقد استنتجوا أنه من الأفضل عدم الكفاح المسلح ضد النظام والقيام بتشكيل هذه الحكومة، وقد أسعد هذا الموقف نظام الشاه لأنه لا يصطدم به، بل وشجع مثل هذه الجمعيات وحاول استمالتها".
في حين رأى البعض أن تعديل الحجتية لميثاقهم يدل على الرغبة في الاشتراك في الحكم، ومن هؤلاء الرئيس الأسبق محمد علي رجائي الذي قال: "بينما كان الأخوة والأخوات يصرخون من وطأة التعذيب، كان هؤلاء الحجتية يعملون على إثبات بطلان البهائية، وكانوا يعارضون الكفاح المسلح، وهاهم يظهرون الآن ويعقدون الاجتماعات ويتحدثون. هذا انحراف واضح وحاسم ومؤكد".
ومن الاعتراضات التي أخذها هؤلاء على الحجتية رغم تعديل اتجاههم:
1ـ أنهم كانوا يتبعون قبل نجاح الثورة المرجع الخوئي في النجف، وليس الخميني، وأنهم ظلوا مدة من معارضي آراء الخميني في أبعاد ولاية الفقيه وحدودها.
2ـ أنه لم يرد في تعديل اللائحة ما يشير إلى الخميني بوصفه (الولي الفقيه)، إنما الإشارة إلى مراجع الشيعة العظام.
3ـ اتخاذ الحجتية خط المواجهة الفكرية والسياسية ضد الماركسية واليسارية، بعد تقلص خطر البهائية، الأمر الذي يخالف توجه الخميني وأفكاره ونزعاته الماركسية.
الحجتية والخميني
ومما كان يتميز به الحجتية آنذاك إطلاقهم الشعار التالي: "إلهي إلهي احفظ لنا الخميني حتى ظهور المهدي" الذي كانوا يهتفون به عقب كل صلاة، وفي المحافل العامة، كما كانوا يركزون بشكل ملفت على إحياء الذكرى المزعومة لولادة المهدي المنتظر في منتصف شهر شعبان من كل عام، حيث يقيمون احتفالات كبرى، ويزينون المساجد، ويوزعون الحلوى بشكل لا نظير له في إيران.
وكانوا يصرون على تسمية الخميني بنائب الإمام (المهدي)، ويرفضون إطلاق لقب الإمام عليه، لأنه ـ كما يعتقدون ـ من اختصاص الإمام المهدي.
وقد أدى العداء الذي واجهته الحجتية إلى وقف أنشطتها في شهر يوليو/ تموز عام 1984، حتى وفاة الخميني في عام 1989. وقد حاولت بعد ذلك إعادة أنشطتها، وفي سنة 1997، توفي رئيسها محمود الحلبي، ولم يتم انتخاب رئيس للجمعية بعده.
ويرصد الباحث أحمد الكاتب قبولاً متزايداً لأفكار الحجتية في الآونة الأخيرة في إيران بسبب الممارسات السيئة لرجال الدين الشيعة في الحكم، إذ يقول الكاتب: "توفي الشيخ محمود الحلبي... ولكن أفكاره لم تنقرض تماماً، رغم مضي عشرين عاماً على قيام الثورة (الثورة قامت سنة 1979)، وخاصة لدى شرائح من المتدينين الذين ينظرون بسلبية إلى ممارسات الحكام الإيرانيين، وبإحباط إلى نتائج الثورة، مما جعلهم يعيدون النظر في حركة الإمام الخميني، ويعتقدون باستحالة نجاح أية ثورة في (عصر الغيبة)، ويدعون إلى انتظار المهدي لكي يقيم الدولة الإسلامية الصحيحة".
نجاد والحجتية
ربط بعض المحللين بين الرئيس الإيراني الجديد أحمدي نجاد، وبين جماعة الحجتية بسبب حديث نجاد الملفت عن الإمام الغائب، وعودته، وضرورة تهيئة الأوضاع انتظاراً لمجيئه، وعقب انتخابه في شهر يونيو / حزيران 2005، وجّه نجاد كلمة إلى الإيرانيين، بدأها بقوله: "اللهم عجل لوليك الفرج والعافية، والنصر واجعلنا من أعوانه وأنصاره"، واختتمها بالدعاء بأن يحظى بـ "فضل الله المتعال، وعنايات حضرة ولي العصر".
كما قال نجاد في كلمة أمام خطباء الجمعة: "إن المهمة الرئيسية لثورتنا هي تمهيد الطريق لظهور الإمام المهدي الثاني عشر... لذلك يجب أن تكون إيران مجتمعاً قوياً متطوراً ونموذجاً إسلامياً".
كما نقلت الصحف الإيرانية عنه قوله: "اليوم.. يجب أن نعرف سياساتنا الاقتصادية والسياسية استناداً إلى سياسة عودة الإمام المهدي".
حتى في خطابه الذي ألقاه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، احتوى على مقتطفات مطولة حول المهدي. وقد تناقل الإيرانيون أخبار مفادها بأن نجاد أمر وزراءه بكتابة خطاب إلى الإمام المزعوم، وإلقائه في بئر قرب مدينة قم التي يقدسها الشيعة، ويزورها الآلاف منهم كل أسبوع.
وسواء ثبت انتماء نجاد للحجتية أم لا، فإنه من الثابت أنه يتبنى الفكر والعقيدة الشيعية بقوة وسياساته تنطلق منها وعليه فإن إغفال هذا العامل في دراسة سياسة نجاد الداخلية والخارجية هو من قصر النظر والجهل السياسي.
للاستزادة
1ـ مجلة مختارات إيرانية ـ العدد 39 ـ أكتوبر 2003.
2ـ تاريخ إيران السياسي بين ثورتين ـ د. آمال السبكي.
3ـ مقال: الصراع بين البهائية والحجتية والخمينية حول المهدي المنتظر ـ أحمد الكاتب.
4ـ مقال: إيران ولعبة الحجتية في العراق ـ رشيد الخيون.
5ـ تقرير: آراء الرئيس الإيراني الدينية تثير الاهتمام ـ بول هيوز ـ رويترز.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: