سطور من الذاكرة\العدد الثاني والثلاثون صفر 1427 هـ
حمدان قرمط يتظاهر بالزهد لإضلال المسلمين!
الثلاثاء 9 مايو 2006

حمدان قرمط يتظاهر بالزهد لإضلال المسلمين!

تتنوع الأساليب التي تتبعها الفرق المنحرفة لنشر عقائدها وأفكارها تنوعاً كبيراً، فثمة من يلجأ إلى أسلوب الدعوة السرية، وبث الدعاة كما اشتهر ذلك عند بعض فرق الإسماعيلية، وثمة من لجأ إلى البطش والقوة كما هو حال القرامطة والصفويين.

وإننا هنا نشير إلى أسلوب آخر اتخذته بعض الفرق، وهو التظاهر بالزهد والصلاح، والتقرب إلى الناس من خلال ذلك، لاستقطاب الأتباع،وتشكيل قوة عسكرية منهم فيما بعد،ثم الانقضاض على السلطة ومحاربة المسلمين.

ونتحدث بشكل خاص عن تجربة في اصطناع الزهد والصلاح، لحمدان قرمط الذي ينتسب إليه القرامطة الإسماعيلية، الشيعة. وبالرغم من أن القرامطة اعتمدوا القوة لنشر عقائدهم واقترفوا في سبيل ذلك مذابح يندى لها الجبين، إلاّ أن التظاهر بالزهد "الذي نحن بصدد تناوله كان حاضراً في ذهن هذه الجماعة للنفاذ إلى قلوب الناس واستقطاب المريدين.

تعود التجربة إلى القرن الثالث الهجري، وتحديداً إلى سنة 278هـ، وهو العام الذي شهد التحرك العسكري للقرامطة الإسماعيلية، الذين أرهبوا القوافل، ونشروا الخوف والذعر عند الناس، وقتلوا حجاج بيت الله الحرام، واقتلعوا الحجر الأسود من مكانه، وأخفوه سنوات طويلة، ونشروا الإباحية والفساد.

ويروى ابن سنان في كتابه "تاريخ أخبار القرامطة" أن ابتداء أمر القرامطة كان على يد حمدان قرمط الذي قدم من خوزستان (بين فارس والبصرة) إلى الكوفة، فنزل بموضع يقال له النهرين، وتظاهر بالزهد والورع والتقشف، وأقام على ذلك زمناً كبيراً، وكان إذا جاءه شخص وجلس معه، تحدث معه في أمر الدين وزهده في الدنيا، وأخبره أن الصلاة المفروضة على الناس خمسون صلاة في كل يوم وليلة! حتى فشا ذلك عنه.

أما قصة هذا "الزهد"، فيذكرها الإمام ابن الجوزي في كتابه "القرامطة" ص39، وملخصها أن قرمط كان يُظهر الزهد والتقشف، ويأكل من كسبه، ويعمل عند بعض القوم حارساً أو مسؤولاً عن تمرهم الذي يتم قطفه، ولم يكن قرمط يأكل من هذا  التمر، إنما يشتري تمراً من البقال، ثم يعود إليه، ويبيعه النوى، لتقل الكلفة عليه، فظن أصحاب التمر أنه يأكل من تمرهم واستهجنوا قيامه ببيع نوى التمر، وقالوا له: "لم ترض بأن أكلت التمر حتى بعت النوى"، فأخبرهم البقال حقيقة الأمر، فندموا على ضربه، وسألوه المسامحة، فازداد بذلك نبلاً عند أهل تلك القرية.

وذكر الإمام ابن الجوزي ص44، أن حمدان كان من أهل الكوفة ويميل إلى الزهد، فصادفه أحد دعاة الباطنية في الطريق وهو متوجه إلى قرية، وبين يديه بقر يسوقها، فقال حمدان لذلك الداعي وهو لا يعرفه أين تقصد؟ فسمّى قرية حمدان.

فقال له: اركب بقرة من هذا البقر لتستريح من المشي.

فقال: إني لم أؤمر بذلك.

قال: كأنك لا تعمل إلاّ بأمر؟ قال: نعم.

فقال حمدان: وبأمر من تعمل؟

قال: بأمر مالكي ومالكك ومالك الدنيا والآخرة.

قال: ذلك الله عز وجل: قال: صدقت

قال: وما غرضك في هذه البقعة؟

قال: أمرت أن أدعو أهلها من الجهل إلى العلم، ومن الضلال إلى الهدى، ومن الشقاوة إلى السعادة، واستنقذهم من ورطات الذل والفقر، وأملكهم ما يستغنون به عن التعب والكد.

فقال له حمدان: أنقذني أنقذك الله، وأفض عليّ من العلم ما تحييني به فما أشد حاجتي إلى ذلك.

فقال الداعي: ما أمرت أن أخرج السر المكنون إلى أحد إلاّ بعد الثقة به والعهد إليه.

قال حمدان: فاذكر عهدك فإني ملتزم به.

فقال: أن تجعل لي وللإمام على نفسك عهد الله وميثاقه، أن لا تخرج سر الإمام الذي ألقيه إليك، ولا تفشي سري أيضا.

فالتزم حمدان عهده، ثم اندفع الداعي في تعليمه فنون جهل حتى استدرجه واستغواه، واستجاب له في جميع ما دعاه إليه.

ثم أعلمهم أنه يدعو إلى إمام من أهل البيت، فأقام على الدعاية حتى اجتمع حوله جميع كبير... ثم دعا أهل القرية إلى اعتناق مذهبه فأجابوه، وكان يأخذ من كل رجل ديناراً ويزعم أنه للإمام، واتخذ منهم أثنى عشر نقيباً، وأمرهم أن يدعوا الناس إلى نحلته، وقال لهم أنتم كحواريي عيسى....

وكان من نتيجة دعوته أن أهمل المزارعون والعمال أعمالهم بسبب ما زعمه قرمط من وجود خمسين صلاة في اليوم والليلة، وكان لوالي الكوفة مزارع وضياع، ورأى إهمال المزارعين والفلاحين لها، فلمّا سأل عن السبب، أخبر أن رجلاً قدم عليهم فأظهر لهم مذهبا من الدين، وأعلمهم أن الله عز وجل قد افترض عليهم خمسين صلاة في اليوم والليلة وقد اشتغلوا بها. فوجّه إليه، فجيء به، فسأله عن أمره، فأخبره بقصته، فحبسه في بيت وحلف أن يقتله، وأقفل عليه الباب، وترك المفتاح تحت وسادته، ونام، فرّقت له جارية فأخذت المفتاح، وفتحت وأخرجته، ثم أعادت المفتاح إلى موضعه، فلما أصبح الوالي فتح الباب فلم يجده. فشاع ذلك الخبر بين الناس، فاغتر به أهل تلك المنطقة، وقالوا: قد رفع!

الزهد ثم النساء

كان الزهد أو اصطناع الزهد المصيدة الأولى التي يجند فيها الباطنية القرامطة الأتباع، ثم بدأ هؤلاء باتباع طريقة أخرى هي "النساء" مستغلين وجود أعداد كبيرة من الشباب الذين هم في سن العمل أو ممن له تطلعات نحو النساء من الذين كانوا يعملون في المزارع وغيرها والقادمين من مناطق مختلفة، وقد ابتعدوا عن زوجاتهم، وعن رقابة مجتمعاتهم، وكان الجهل يطغى على أكثر أولئك المزارعين، الأمر الذي يجعل الوازع عندهم ضعيفاً فيمكن إيقاعهم في الحبائل، وجعل النساء لهم شركاً عظيماً يندفعون وراءه ليحققوا رغباتهم.

ويقول الأستاذ محمود شاكر في كتابه "القرامطة" ص51: "لذا كانت النساء المصيدة الأولى والسلاح الماضي الذي استعمله القرامطة بل والزنج من قبلهم في المنطقة نفسها، إذ دخلوا البصرة وارتكبوا فيها أبشع أنواع الجرائم وهتك الأعراض.

لهذا أمر قرمط الدعاة بأن يجمعوا النساء في ليلة عيّنها، ويخلطوهن بالرجال حتى يتراكبن، وقال هذا من صحة الود والألفة، كما أن سعيد الجنابي أحد رؤوس القرامطة قد أدخل  زوجه على ضيفه وطلب منها ألاّ تمنعه من نفسها. كما أباح القرامطة للمقاتلين أن يرووا غرائزهم من نساء أهل القرى والمدن والقوافل التي يستبيحونها دون أي احتراز أو إمهال لمدة كما يدعي المسلمون".

 

 

 

 

 

للاستزادة:

1ـ الحركات الباطنية في العالم الإسلامي ـ د. محمد أحمد الخطيب ص 135.

2ـ تاريخ الجمعيات السرية والحركات الهدّامة ـ د. محمد عبد الله عنان ص30.

3ـ القرامطة ـ محمود شاكر ص 12.

4ـ القرامطة ـ للإمام عبد الرحمن بن الجوزي، بتحقيق محمد الصباغ ص39.

5ـ فضائح الباطنية ـ أبو حامد الغزالي ص12.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: