فرق ومذاهب\ العدد الخامس والثلاثون - جمادي الأولى 1427هـ
الحداثة
الأحد 18 يونيو 2006
الحداثـة
تحدثنا في العدد الماضي من الراصد، عن الزندقة، التي هي مجموعة من الأفكار والعقائد التي تشكك في الدين، وتهزأ بالعبادات، وتنشر الإلحاد والمجون، وكانت قد ظهرت كحركة منظمة في بدايات العصر العباسي، واستخدمت حركةُ الزندقة الشعرَ والأدبَ وسيلة لنشر أفكارها، كما تمثل ذلك في أشعار أبي نواس وبشار بن برد، وأبي العتاهية، وغيرهم، كما أن عدداً كبيراً من الزنادقة اندسّوا في صفوف الفرق المنحرفة كالصوفية والشيعة لمّا عجز بعضهم عن المجاهرة بزندقته وإلحاده.
وقد لبست حركة الزندقة لكل عصر لباسه، واستخدمت أدواته، مع احتفاظها بهدفها المتمثل بمحاربة الدين وإضعاف المسلمين ونشر الفاحشة والرذيلة، وقد تمثلت في العصر الحديث بصور عديدة، أهمها "الحداثة" التي نتناولها في هذا العدد، فإن الحداثة التي استندت أساساً إلى الشعر والأدب، ليست إلاّ واحدة من صور الزندقة الحديثة، وواحدة من المذاهب المنحرفة التي ناصبت الإسلام العداء، وتطاولت على المقدسات. كما أنها شنت هجمة مقصودة على اللغة العربية وحطّت من شأنها بحجة التجديد ومحاكاة الحضارات والثقافات الأخرى.
تعريف
الحداثة مذهب فكري أدبي علماني، ولد ونشأ في أوربا، وقام على الأفكار اليهودية الإلحادية مثل الماركسية والوجودية والفرويدية والدراوينية، ووصلت إلى شكلها النهائي على يد اليهودي (عزرا باوند) وقام الشيوعيون بنقلها إلى المسلمين غالباً.
الحداثة عند الغربيين
يذهب معظم الذين أرّخوا للحداثة الغربية أو الأوروبية، إلى أن تاريخها يبدأ منذ أواخر القرن التاسع عشر، على يد الشاعر الفرنسي شارل بودلير([1]) ، صاحب ديوان أزهار الشر، الذي يعتبره الحداثيون "نبي الحداثة".
ولمعرفة شخصية هذا الشاعر، نورد ما ذكره عنه مصطفى السحرتي، في مقدمة ترجمة ديوانه "أزهار الشر"، إذا يقول عن بودلير: "لقد كانت مراحل حياته منذ الطفولة نموذجاً للضياع والشذوذ، ثم بعد نيل الثانوية قضى فترة في الحي اللاتيني، حيث عاش عيشة فسوق وانحلال، وهناك أصيب بداء الزهري، وعاش في شبابه عيشة تبذل وعلاقات شاذة مع مومسات باريس، ولاذ في المرحلة الأخيرة من حياته بالمخدرات والشراب"([2]).
ومن رواد الحداثة الغربيين بعد بودلير، الشاعر الفرنسي آرتور رامبو، وعلى آثاره كان مالارميه وبول فاليري، ووصلت الحداثة في الغرب إلى شكلها النهائي على يد الأمريكي اليهودي عزرا باوند، والإنجليزي توماس إليوت،... ثم واصلت الحداثة رحلتها حين قادها مجموعة من الشيوعيين، مثل: نيرودا، ولوركا، وأراجون، وناظم حكمت، ويفتشنكو، أو من الوجوديين مثل: بول سارتر، وعشيقته سيمون دو بوفوار، وألبير كامو([3]).
وبالرغم من أن الحداثة في الغرب بدأت منذ أواخر القرن التاسع عشر، إلاّ أن هذا لا يعني أنها ظهرت من فراغ([4])، بل إنها تظل إفرازاً طبيعياً من إفرازات الفكر الإلحادي المتمرد على الدين، والذي نشأ بعد ظهور الرأسمالية والعلمانية، في بداية ما يسمى عصر النهضة في القرن الخامس عشر الميلادي، حين انفصلت المجتمعات الأوروبية عن الكنيسة، وثارت على سلطتها الروحية، ونشأت النزعات التحريرية والقومية بدون أي ضابط، إلاّ العمل على الكسب المادي المبني على الفكر المادي الإلحادي([5]).
ويجب الانتباه إلى أن الحداثة هي شكل من أشكال الإلحاد، والذي شجع عليه وهيأ المناخ له هو انتشار الفكر الماركسي، وضعف التمسك بالدين المسيحي بين سكان أوروبا بسبب نشاط التنظيمات اليسارية الأوروبية.
لذلك فمن الخطأ الكبير اعتبار الحداثة امتدادا للتيارات المسيحية الأصولية كالمحافظين الجدد بل هم على عداء كبير في قضايا الإلحاد والإباحية مع الاتفاق على مسائل مثل الحرية السياسية والثقافية، ولذلك فإن جميع منظري الحداثة في العالم هم من الماركسيين والشيوعيين.
الحداثة العربية
ارتبطت حركة التحول الحديثة في فن الشعر عند العرب، ببواكير النهضة العربية الحديثة([6]) والذي تولى جلبها لنا هم الشيوعيون العرب.
ويصف الأستاذ جمال سلطان هذه النهضة بـ "الطرق المروع على أذني نائم، مهدود البنية، مكدود الخاطر، مخدر النفس، فكانت نتيجتها الطبيعية، الفزعة القوية الحادة"([7]).
وبسبب القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية والفكرية التي كان يتمتع بها الشرق والغرب آنذاك، انجذبت جموع من هذه الأمة إلى ما عند الغرب، وتشبثوا في تبعيته له أكثر من أهله أنفسهم([8]).
وأخيراً، "انتقل وباء الحداثة إلى ديار العرب على أيدي المنهزمين فكرياً"([9]). وقد حاول هؤلاء "المنهزمين" أن ينقلوا إلى المجتمعات الإسلامية، والعربية على وجه الخصوص، كلّ ما احتوته الحداثة الشرقية والغربية من إباحية ومجون، مع فارق واحد هو كتابتها بأحرف عربية.
وقد أكد كتاب وشعراء الحداثة العرب كثيراً على الارتباط الوثيق بين حداثتهم، وبين الحداثة الشرقية والغربية، وعلى الانسلاخ من الأدب العربي القديم، إذ يقول أحد رموزهم (غالي شكري): "إن المفاضلة بين الشعر التقليدي والشعر الحديث، تصبح غير ذات موضوع، لأنهما لا يملكان في حقيقة الأمر من عناصر الأرض المشتركة سوى اللغة"([10]).
ويقول غالي شكري أيضاً: "وعندما أقول الشعراء الجدد، وأذكر كبار شعراء الحركة الحديثة من أمثال: أدونيس، وبدر شاكر السياب، وصلاح عبد الصبور، وعبد الوهاب البياتي، وخليل حاوي... عند هؤلاء سوف نعثر على إليوت، وإزرا باوند، وربما على رواسب من رامبو، وفاليري، وربما على ملامح من أحدث شعراء العصر في أوروبا وأمريكا، ولكنا لن نعثر على التراث العربي"([11]).
ويؤكد أدونيس، وهو من أكبر رموزهم المعاصرين، على الارتباط بين الحداثة العربية والغربية بقوله: "قد تكون علاقتي بسوفو كليس، أو شكسبير، أو رامبو، أو مايا كوفسكي، أو لوركا، أعمق من علاقتي بأي شاعر عربي، دون أن يعني ذلك أنني خارج على التراث الشعري العربي"([12]).
إذاً، حاول مجموعة من الأدباء والشعراء العرب المتأثرين بالإباحية الأوروبية والمجون والانحلال نقل هذه الأفكار إلى الأمة بحذافيرها، إلاّ أن ذلك جوبه برفض المسلمين، الذين يغارون على دينهم، ويعترضون على الإساءة إليه، خاصة أن الحداثة، مبدأ غربي وافد على الأمة، ولا يعقل على الحداثيين أن يواجهوا جماهير المثقفين المسلمين في البداية بفكرة غربية ولباسها غربي، فبحثوا عن ثوب عربي يلبسونه الفكرة الغربية، حتى يمكنها أن تتسلل إلى العقول في غيبة يقظة الإيمان والأصالة"([13]).
وهذا الثوب "العربي" الذي حاول الحداثيون إلباسه لمذهبهم الجديد، لم يكن سوى "الزندقة" التي شاعت في بدايات الدولة العباسية، وفي فترات أخرى، وأخذوا ينقبون للحداثة عن أي أصول لها في التاريخ العربي، "لعلها تكتسب بذلك الشرعية، وتحصل على جواز مرور إلى عقول أبناء المسلمين"([14]).
وهكذا بدأ الحداثيون ينبشون كتب التراث، ويستخرجون كلّ شاذ ومنحرف من الشعراء والأدباء والمفكرين، مثل بشار بن برد، وأبي نواس، لأن في شعرهم الكثير من المروق على الإسلام، والتشكيك في العقائد، والسخرية منها، والدعوة للانحلال الجنسي([15]).
وقد اعتبر الشاعر أدونيس أن ما يجذبه ويجذب الحداثيين إلى شعر الزنادقة كأبي نواس وعمر بن أبي ربيعة، هو تدنيس المقدسات الذي يسميه الانتهاك، فيقول: "إن الانتهاك هو ما يجذبنا في شعرهما، والعلة في هذا الجذب، أننا لا شعوريّاً نحارب كل ما يحول دون تفتح الإنسان، فالإنسان من هذه الزاوية ثوري بالفطرة، الإنسان حيوان ثوري"([16]).
وإضافة إلى الزنادقة من شعراء العصر العباسي، فقد اتجه الحداثيون إلى مؤلفات أتباع الفرق المنحرفة كالصوفية، وأثنوا عليهم خيراً وألفوا في مدحهم القصائد والمسرحيات، وعلى رأسهم الحلاّج والبسطامي وابن عربي([17]).
 
أبرز ما نادى به الحداثيون
يعد أدب الحداثة امتداداً لفكر الزندقة، ولقد "ساهم الشعر الحديث في إشاعة الإلحاد، والتطاول على المقدسات الإسلامية، ونشر أدب الفجور والانحلال بشكل ليس له نظير، محتمين بالقوانين العلمانية، ومحاربة الإسلام في دياره، ومَن أمن العقاب أساء الأدب"([18]).
كما أن اللافت للنظر، أن غالبية رموز الحداثة العربية هم من أصحاب الفكر الشيوعي، ومن أصحاب التوجه اليساري الملحد([19]) إضافة إلى أن كثيراً منهم بالأصل ينتمون إلى النصرانية، وإلى بعض الفرق المنحرفة كالنصيرية. ولكن شيوعيتهم هي الدافعة لهم على نشر الحداثة.
وإذا كان زعماء الحداثة من الشيوعيين، فلا عجب أن يحمل هذا المذهب الأدبي أفكار الإلحاد والمجون والفحش. وفيما يلي بيان لأهم ملامح هذا المذهب، وأهم ما نادى به وتناوله:
1ـ استبعاد الدين تماماً من معاييرهم وموازينهم، بل ومصادرهم، إلاّ أن يكون ضمن ما يسمونه بالخرافة والأسطورة([20]). وقد نقل الشيخ عوض القرني عن إحدى الحداثيات قولها: "إن التوجهات الأساسية لمفكري العشرينات، تقدم خطوطاً عريضة تسمح بالقول إن البداية الحقيقية للحداثة من حيث هي حركة فكرية شاملة، فقد انطلقت يومذاك، فقد مثل فكر الرواد الأوائل قطيعة مع المرجعية الدينية والتراثية كمعيار ومصدر وحيد للحقيقة، وأقام مرجعين بديلين: العقل والواقع التاريخي"([21]).
وينقل عن الكاتبة نفسها (خالدة سعيد) قولها أيضاً: "عندما كان طه حسين وعلي عبد الرزاق يخوضان معركة النموذج (الإسلام)، بإسقاط صفة الأصلية فيه، ورده إلى حدود الموروث التاريخي، فيؤكدان أن الإنسان يملك موروثه ولا يملكه هذا الموروث، ويملك أن يحيله إلى موضوع للبحث العلمي والنظر، كما يملك حق إعادة النظر في ما اكتسب صفة القداسة، وحق نزع الأسطورة عن المقدس، وحق طرح الأسئلة والبحث عن الأجوبة"([22]).
2ـ الاستهزاء بالمقدسات الإسلامية، والتطاول على الله تعالى وعلى أنبيائه وكتبه وشريعته، ومن ذلك قول نزار قباني، وهو من أبرز شعراء الحداثة: "من بعد موت الله مشنوقا... على باب المدينة لم تبق للصلوات قيمة... لم يبق للإيمان أو للكفر قيمة"([23]).
وقول الشاعر عبد الوهاب البياتي، والعياذ بالله:
الله في مدينتي يبيعه اليهود
الله في مدينتي مشرد طريد
أراد الغزاة أن يكون
لهم أجيراً شاعراً قواد
يخدع في قيثاره المذهّب العباد
لكنه أصيب بالجنون([24]).
3ـ شن الحرب على اللغة العربية، كونها لغة القرآن الكريم، والتقليل من شأنها، وربطها بالتخلف والجمود. وفي المقابل تعظيم شأن الثقافات والديانات واللغات الأخرى، وكذلك اللهجات العاميّة. ولقد دعا ميخائيل نعيمة إلى هجر اللغة العربية، والبحث عما أسماه "لغة عالمية موحدة، تتجمع حولها الشعوب كلها"([25]).
وفي لبنان، تبنى الشاعر سعيد عقل الدعوة إلى العاميّة، التي يسميها اللغة اللبنانية، ووصل به التطرف إلى كتابة هذه اللغة بحروف لاتينية، وله صحيفة أسبوعية محدودة الانتشار، تطبع بالحروف اللاتينية([26]).
وقد صرح أحد مؤسسي الرابطة القلمية (عبد المسيح حداد) بأن أعضاء الرابطة من أدباء الحداثة كانوا يعتبرون الأدب العربي، الوجه الآخر للعقيدة الإسلامية([27]).
4ـ الدعوة إلى الانحلال الجنسي، والفحش والمجون، ويقف على رأس الحداثيين في ذلك، الشاعر السوري نزار قباني، الذي كرّس حياته وشعره لهدم كيان الأسرة، وكانت معظم دواوينه في وصف جسد المرأة، والدوران حول قضايا الجنس، وقد قال: لو كنت حاكماً لألغيت مؤسسة الزواج، وختمت أبوابها بالشمع الأحمر"، وقال : "العري أكثر حشمة من التستر"([28]).
5ـ الغموض، فإن من يقرأ أدب الحداثة يقع في حيرة من أمره، بحيث يجزم بأن هذه الأشعار ليست من لغة العرب، سواءً في مفرداتها أو تراكيبها، وقد طغى الغموض حتى على عناوين قصائدهم وكتاباتهم([29]).
والغموض في شعر الحداثة أمر متفق عليه بينهم، لغايات سيأتي بيانها، وينقل الشيخ عوض القرني عن أحمد كمال زكي في كتابه "شعراء السعودية المعاصرون" ص 18 قوله: "ولو أننا وقفنا عند ظاهرة واحدة من ظواهر الشعر الجديد، وهي الغموض، وقد أصّله سعيد عقل، وأدونيس، أحد شيوخ المجددين، لرأينا العجب العجاب"([30]).
وينقل عن سعيد السريحي في كتابه "الكتابة خارج الأقواس" ص 17، قوله: "إن ظاهرة الغموض التي من شأنها أن تعد السمة الأولى للقصيدة الجديدة، نتيجة حتمية أفضت إليها سلسلة من التطورات التي طرأت على العلاقة المتوترة بين الشاعر المبدع والقارئ المتلقي"([31]).
ويعتبر الأستاذ جمال سلطان أن إغراق عامة النتاج الشعري الحديث في متاهات الرمز والغموض يعتبر من أهم الأسباب التي عمّقت الانقطاع بين الشعر الحديث ووجدان الأمة([32]).
ويعدد الشيخ القرني بعض الأسباب التي تدفع شعراء الحداثة للغموض، منها:
ـ رغبتهم بالانطلاق بلا ضوابط وبلا معايير في كل شيء.
ـ كسر الإطار العام للغة العربية، وتحويلها مع مرور الزمن والأيام، ومن خلال استبدال مفرداتها وتراكيبها ومعانيها إلى لغة جديدة، لا صلة لها باللغة العربية الفصحى.
ـ إيجاد واقع فكري جديد، منفصل عن واقع الأمة الفكري، وماضيها العلمي والعقلي والأدبي، في الشكل والمضمون، إذ لجأ الحداثيون إلى الرموز الوثنية والإشارات الإلحادية، وضمنوها في أشعارهم.
مراحل الحداثة
مرت حركة الحداثة بعدة مراحل، كان لكل مرحلة أفرادها، وسماتها المميزة، وقد لجأ الحداثيون إلى إنشاء الروابط والنوادي الأدبية، وإصدار الصحف والمجلات.
والحداثة في الثقافة العربية تدرجت وتنوعت في المقاصد بين مجموعات انتسبت للماسونية أو مجموعات تأثرت بالشكل الخارجي للأدب مثل "جماعة الديوان" وشخصيات انتهى تأثيرها على مسار الحداثة العربية وبين التيار الرئيسي في الحداثة اليوم، وهو التيار الشيوعي الماركسي الذي يسيطر على أغلب منابر الأدب والثقافة العامة.
المرحلة الأولى: البداية التي يرجح أنها كانت على يد خليل مطران (1872 ـ 1949م)، حيث بدأ مطران في نشر مفاهيم جديدة، ورؤية محدثة للأدب عامة، وللشعر بوجه الخصوص، عبر صفحات مجلته "المجلة العصرية" التي أصدرها عام 1900م، وفيها يقول: "للعرب عصرهم، ولنا عصرنا، ولهم آدابهم وأخلاقهم وعلومهم وحاجاتهم.... ولهذا وجب أن يكون شعرنا ممثلاً لتصورنا وشعورنا".
وقد حاول مطران محاكاة الأدب والشعر الفرنسي، ورغم أنه يعتبر رائد الحداثة الأول، إلاّ أن محاولاته كانت محدودة وحذرة، ولم تشكل ظاهر عامة في شعره.
المرحلة الثانية:في مطلع العقد الثاني من القرن العشرين، حيث ظهر في مصر في تلك الفترة جماعة أطلق عليها جماعة "الديوان" وتشكلت من عبد الرحمن شكري، وعباس العقاد، وإبراهيم المازني.
وقد كانت هذه الجماعة وزعيمها شكري متأثرة إلى حد كبير بالمدرسة الإنجليزية في الشعر، وسرعان ما دبت الخلافات بين أفرادها، ولم تستطع أن تخلف تياراً ثابتاً وواعياً لمنهجها في الشعر العربي، أو أن تكون مدرسة لها تمتد بعد زعمائها الأوائل.
المرحلة الثالثة: وقد جاءت متزامنة ومواكبة لجماعة الديوان في مصر، لكن هذه المرحلة نشأت في المهجر، وتحديداً في أمريكا، وقادها أمين الريحاني (1876ـ 1940)، وجبران خليل جبران، (1883ـ 1931) وميخائيل نعيمة (1889ـ     ) مؤسسين لـ "الرابطة القلمية" في نيويورك سنة 1920، وقد اشترك في تأسيسها عدد من مسيحيي لبنان في المهجر مثل : إيليا أبي ماضي ونسيب عريضة وإلياس عطا الله وعبد المسيح حداد.
وكان على رأس هذه المرحلة جبران، الذي كان منذ نعومة أظفاره يكره العرب، وكل ما يتصل بالعربية، حيث كان نزّاعاً إلى الغرب الأوروبي.
"وفي الإجمال، فقد صرح بعض الباحثين، بأن المصدرين الرئيسيين، اللذين أثرا على التكوين الفكري والأدبي لشعراء الرابطة القلمية، هما: الثقافة المسيحية وما انتهى إليها من فلسفات الشرق وأديانه، والثقافات الأجنبية وما اطلعوا عليه من آداب الغرب وفلسفاته"([33]).
المرحلة الرابعة: ممثلة بجماعة "أبوللو" التي نشأت في مصر في أوائل العقد الرابع من القرن الماضي، على يد د. أحمد زكي أبو شادي    (1892ـ      ) كحركة أدبية اجتماعية.
وقد ضمت "أبوللو" عدداً من الشباب الموهوبين، أمثال إبراهيم ناجي، وعلي محمود طه، وأبي القاسم الشابي، وصالح جودت، وحسن الصيرفي، وغيرهم، وقد كان مؤسس هذه المدرسة "د. أبو شادي" وصاحب مجلتها "أبوللو"، غربي النشأة والتكوين النفسي والمزاج.
وعلى الرغم من أن عمر جماعة أبوللو لم يتجاوز السنتين، إلاّ أنها استطاعت أن تخلف على الساحة الأدبية جيلاً، تعدت آثاره إلى البلاد العربية الأخرى، ولعدة عقود تالية.
المرحلة الخامسة: وهي التي برز فيها العراقيون، مع نهايات العقد الخامس، وعلى رأسهم "نازك الملائكة" التي دعت إلى نوع جديد من النظام الشعري، أطلقت عليه اسم "الشعر الحر" لا يلتزم بالقافية، ولا بأوزان العرب المعروفة، وقد كان ديوانها الثاني "شظايا ورماد" الصادر عام 1949، أول ديوان شعري يحمل لواء هذه الدعوة.
وقد حملت نازك بقسوة على الشعر العربي، ومن أقوالها:
ما لطريقة الخليل؟ وما اللغة التي استعملها آباؤنا منذ عشرات القرون؟ ألم تصدأ لطول ملامستها الأقلام والشفاه، منذ سنين وسنين؟ ألم تألفها أسماعنا، وترددها شفاهنا، وتعلكها أقلامنا حتى مجتها وتقيأتها؟!([34]).
وكان من رواد هذه المرحلة: بدر شاكر السياب (1926ـ 1964)، و عبد الوهاب البياتي من العراق، وصلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي من مصر.
المرحلة السادسة: وفيها انتقلت حيوية الحركة الشعرية إلى لبنان خلال العقدين السادس والسابع، بفعل ثلاث بؤر أدبية ناشطة، تحلقت حول ثلاث مجلات وهي على التوالي: الآداب، وشعر، وحوار.
وكان الخط الفكري والنفسي متقارباً إلى حد بعيد بين البؤر الثلاث، مجملاً في الدعوة إلى "أيديولوجية وجودية، مبدؤها العدم، والغثيان والكينونة، وحرية الوجود الفردي"([35]).
ومن الحداثيين البارزين في تلك المرحلة: يوسف الخال، وشوقي أبو شقرا، وعلي أحمد سعيد "أدونيس"، ونذير العظمة.
وقد كانت هذه المجلات الثلاث تتبنى بوضوح عملية تغريب الشعر العربي، تغريباً تاماً، حتى اعتبر النقاد أن شعرهم كأنه مترجم عن الشعر الأجنبي.([36])
الأدب الشيوعي
ويلفت بعض الباحثين النظر إلى أن الاشتراكية أو الشيوعية شكلت تياراً بارزاً في الشعر العربي منذ نهاية العقد الخامس وبدايات السادس، وطرحت مفاهيم جديدة، ومعاني محدثة.
وقد ولد هذا التيار في أحضان الحركة الشيوعية المصرية، وعبر نفر من شبابها، أمثال: كمال عبد الحليم، وكيلاني سند، وعبد الرحمن الخميس، وعبد الرحمن الشرقاوي، وأحمد عبد المعطي حجازي.
ويؤكد أ.جمال سلطان: أن ميلاد هذا التيار الجديد في مصر، كان غريباً ومهملاً، ولا يكاد يلتفت إليه أحد، على مستوى الحركة الأدبية العامة حتى وقع له التحول الكبير وواسع النطاق مع نجاح ثورة يوليو سنة 1952، وظهور تحولاتها الاشتراكية في الحكم والفكر والأدب، وسرعان ما امتدت هذه الروح الجديدة، لتعم معظم بلدان العرب الأخرى([37]).
وهذه المرحلة "كان من رموزها: سلامة موسى ولويس عوض وأنور المعداوي ومحمود أمين العالم وحسين مروة وغائب طعمة وبدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش ومعين بسيسو وسميح القاسم وتوفيق زياد وأدونيس وغيرهم"([38]).
ورافق هذا التيار الاشتراكي، بل كان رديفاً له، تيار يأخذ بالفكر الوجودي، يمثله يوسف الخال، وخليل حاوي وأمثالهم([39]).
للاستزادة
1ـ الحداثة في ميزان الإسلام ـ عوض بن محمد القرني.
2ـ أدب الردة ـ جمال سلطان.
3ـ التيارات الفكرية والعقدية في النصف الثاني من القرن العشرين ـ محمد فاروق الخالدي.
4ـ المذاهب والتيارات المعاصرة ـ د. محمود إبراهيم الخطيب.
 

[1]) ـ الحداثة للقرني ص 20.
[2]) ـ المصدر السابق ص 23.
[3]) ـ المصدر السابق ص 23ـ 24.
[4]) ـ المصدر السابق ص 20.
[5]) الحداثة ص 20، والمذاهب والتيارات المعاصرة ص 140ـ141.
[6]) ـ أدب الردة ص 10.
[7]) ـ المصدر السابق ص 10.
[8]) ـ المصدر السابق ص 10.
[9]) ـ الحداثة ص 27.
[10]) ـ المصدر السابق ص 18.
[11]) ـ المصدر السابق ص 19.
[12]) ـ أدب الردة ص 37.
[13]) ـ الحداثة ص 27.
[14]) ـ المصدر السابق ص 27.
[15]) ـ المصدر السابق ص 28.
[16]) ـ المصدر السابق ص 28 نقلاً عن "الثابت والمتحول".
[17]) ـ الحداثة ص 29، وأدب الردة ص 29.
[18]) ـ التيارات الفكرية والعقدية ص 305.
[19]) ـ المصدر السابق ص 348.
[20]) ـ الحداثة للقرني ص 29.
[21]) ـ المصدر السابق ص 29ـ 30.
[22]) ـ المصدر السابق ص 31، نقلاً عن مجلة فصول.
[23]) ـ التيارات الفكرية والعقدية ص 336، نقلاً عن الأعمال الكاملة لقباني.
[24]) ـ الحداثة ص 93، نقلاً عن ديوان (كلمات لا تموت) للبياتي.
[25]) ـ أدب الردة ص 81 ـ 82، نقلاً عن النثر المهجري لعبد الكريم الاشتر.
[26]) ـ التيارات الفكرية والعقدية ص 321.
[27]) أدب الردة ص 28، نقلاً عن النثر المهجري.
[28]) ـ المصدر السابق ص 339، نقلاً عن الصحافة والأقلام المسمومة لأنور الجندي.
[29]) ـ الحداثة ص 35.
[30]) ـ المصدر السابق ص 38.
[31]) ـ المصدر السابق ص 39.
[32]) ـ أدب الردة ص 104.
[33]) ـ أدب الردة ص 28.
[34]) ـ المصدر السابق ص 34.
[35]) ـ المصدر السابق ص 36.
[36]) ـ انظر حول هذه المراحل: أدب الردة ص 19ـ39.
[37]) ـ المصدر السابق ص 40.
[38]) ـ الحداثة ص 31.
[39]) ـ المصدر السابق ص 31.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: