سطور من الذاكرة\ العدد الخامس والثلاثون - جمادي الأولى 1427هـ
قـراقـوش
الأحد 18 يونيو 2006
 قـراقـوش
بهاء الدين قراقوش هو أحد القادة البارزين زمن صلاح الدين الأيوبي، وأحد مساعديه، وأحد الذين خاضوا الحروب ضد الصليبيين الغزاة، كما أنه قدم خدمات جليلة لمدينة القاهرة عمرانياً من خلال إقامة الأسوار والقلاع والقناطر وكان له الجهود الكبيرة في القضاء على الدولة الفاطمية الشيعية، وإعادة مصر إلى مذهب أهل السنة... ومع ذلك يرتبط اسمه ـ زوراً ـ بالظلم والقسوة والأحكام الغريبة، وتحيط به الافتراءات، وتنسج حوله النوادر والحكايات.
وفي هذه السطور نعرض شيئاً من حياة هذا الأمير القائد، وأعماله جهاده، وحملة الافتراء والتشويه التي تعرض لها، كمثال على ما تتعرض له الشخصيات السنيّة من ظلم وتشويه.
وبهاء الدين قراقوش([1])تركي، كان في بادئ أمره، خادماً عند أسد الدين شيركوه ـ عم صلاح الدين ـ ثم اتصل بخدمة صلاح الدين بعد موت عمه، فأعتقه، وقربه إليه، وبدأ يوكل إليه المهمات.
ومن أولى المهمات الجسيمة التي أوكلها صلاح الدين إلى قراقوش، تعيينه متوليّاً على القصر الفاطمي، عندما قام صلاح الدين بإنهاء الدولة العبيدية الفاطمية، سنة 567هـ (1171م)، وأعاد مصر إلى مذهب أهل السنة، وإلى دولة الخلافة العباسية، كما كانت عليه قبل قدوم العبيديين إلى مصر.
واستطاع قراقوش التعامل بحكمة وحزم مع المؤامرات التي كان يحيكها بقايا الفاطميين في مصر، بعد سقوط دولتهم، وموت آخر خلفائهم "العاضد" فازدادت ثقة صلاح الدين بقراقوش، ومن المهمات الكبرى التي أوكلها إليه، أن ولاّه مدينة عكا لمّا فتحها صلاح الدين ، وطلب منه تحصينها بأسوار تمنع عودة الصليبيين إليها، لكنّ عكا سقطت بعد حصار دام سنتين، ووقع قراقوش في الأسر، ففداه صلاح الدين من الأسر بعشرة آلاف دينار، وفرح بعودته فرحاً شديداً، مقدراً الخدمات التي قدّمها للسلطان والإسلام والمسلمين.
وقد شارك قراقوش صلاح الدين في حروبه ضد الصليبيين، كما شارك في الفتوحات التي انطلقت تجاه المغرب العربي، وحقق فيها المسلمون انتصارات مهمة، وغنموا أموالاً كثيرة.
وقد أجمع المؤرخون على شجاعة قراقوش، وبسالته وهمته، إذ يقول ابن خلكان: "... ولما استقل صلاح الدين بالديار المصرية، جعله زمام القصر، ثم ناب عنه مدة بالديار المصرية، وفوّض أمورها إليه، واعتمد في تدبير أحوالها عليه، وكان رجلاً مسعوداً وصاحب همة عالية"([2]).
ويقول الإمام ابن كثير: "الأمير بهاء الدين قراقوش، الفحل الخصي أحد كبار كتاب أمراء الدولة الصلاحية، كان شهماً شجاعاً فاتكاً، تسلم القصر لما مات العاضد، وعمّر سور القاهرة"([3]).
وإضافة إلى قدراته العسكرية والسياسية، فقد كان لقراقوش منجزات معمارية هامّة، ما يزال بعضها حاضراً إلى اليوم في مصر، إذ أمر صلاح الدين وهو في غمرة قتاله مع الصليبيين بتحصين مصر، والقاهرة على وجه الخصوص بالقلاع والأسوار، وولّى على هذه المهمة، قراقوش، الذي أبدع في بناء سور القاهرة، وقلعة المقطم، كما أنشأ الجسور والقناطر والترع، مستفيداً من أساليب الفرنج في هندستها، ويروي الإمام ابن كثير في حوادث سنة 573هـ أن فيها، "أمر الملك الناصر (صلاح الدين) ببناء قلعة الجبل، وإحاطة السور على القاهرة ومصر فعمر قلعة للملك لم يكن في الديار المصرية مثلها ولا على شكلها، وولّى عمارة ذلك الأمير بهاء الدين قراقوش"([4]).
وبعد وفاة صلاح الدين سنة 589هـ، حمل قراقوش جزءاً من العبء والمسؤولية، وعني بأبنائه وإصلاح ذات بينهم، وظل على ذلك إلى أن توفي سنة 597هـ "وكانت وفاته في مستهل رجب سنة سبع وتسعين وخمسمائة بالقاهرة، ودفن في تربته المعروفة به بسفح المقطم بقرب البئر والحوض اللذين أنشأهما على شفير الخندق رحمه الله تعالى"([5]).
وبالرغم مما قدمه قراقوش من خدمات للإسلام والمسلمين، إلاّ أن سيرته تعرضت للتشويه والافتراء، من قبل الشيعة أولاً، الذين ساءهم أن يساعد قراقوش صلاح الدين في القضاء على الدولة العبيدية، ثم من قبل الحاسدين الذين رأوا صلاح الدين يقرب قراقوش، ويوكل إليه المهمات، فألّف الوزير الأسعد بن مماتي (ت سنة 606هـ ـ 1209م) كتاباً أسماه "الغاشوش في أحكام قراقوش"، نسب فيه إلى قراقوش أحكاماً قضائية عجيبة "أقرب إلى الجور والظلم والتعجل في إصدار الحكم، منها إلى المنطق والعدل والتأني في البحث عن الحق"([6]).
وقد شكك العلماء والمؤرخون بالأحكام التي نسبها ابن مماتي لقراقوش، فقد قال ابن العماد الحنبلي: "الأمير الكبير الخادم بهاء الدين الأبيض فتى الملك أسد الدين شيركوه، وقد وضعوا عليه خرافات لا تصح، ولولا وثوق صلاح الدين بعقله لمّا سلّم إليه عكا وغيرها، وكانت له رغبة في الخير وآثار حسنة"([7]).
ويقول ابن خلكان عن كتاب الغاشوش: "وفيه أشياء يبعد وقوع مثلها منه، والظاهر أنها موضوعة، فإن صلاح الدين كان معتمداً في أحوال المملكة عليه، ولولا وثوقه بمعرفته وكفايته، ما فوضها إليه"([8]).
"ويبدو أن سياسته في القاهرة كانت حكيمة وحازمة في إزالة آثار الفاطميين وتضييق الخناق على بقاياهم، لذلك لم يجدوا سبيلاً لمحاربته إلاّ بالإشاعات وتشويه السمعة، حيث وضعوا عنه كتاباً أسموه (الفاشوش)... وهي الإشاعات التي يرددها معاصرونا بغباء"([9]).
للاستزادة:
1ـ وفيات الأعيان ـ الإمام ابن خلكان.
2ـ البداية والنهاية ـ الإمام ابن كثير.
3ـ هكذا ظهر جيل صلاح الدين ـ الدكتور ماجد الكيلاني.
4ـ قراقوش ـ الدكتور عبد اللطيف حمزة.
5ـ الموسوعة الفلسطينية.


[1]) ـ يقول ابن خلكان: "وقراقوش بفتح القاف والراء، وبعد الألف قاف ثانية ثم واو وبعدها شين معجمة. وهو لفظ تركي تفسيره بالعربي العقاب الطائر المعروف، وبه سمي الإنسان والله أعلم" وفيات الأعيان 4/92.
[2]) ـ وفيات الأعيان 4/91.
[3]) ـ البداية والنهاية 13/31.
[4]) ـ المصدر السابق 12/297.
[5]) ـ وفيات الأعيان 4/92.
[6]) ـ الموسوعة الفلسطينية 3/554.
[7]) ـ شذرات الذهب 2/331.
[8]) ـ وفيات الأعيان 4/92.
[9]) ـ هكذا ظهر جيل صلاح الدين للكيلاني ص 304.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: