سطور من الذاكرة\العدد السابع والثلاثين - رجب 1427هـ
مصرع إباحيِّ سفاح
الخميس 20 يوليو 2006
من أحداث العصر العباسي: صور من التاريخ
مصرع إباحيِّ سفاح
د. محمد رجب البيومي
مجلة الأزهر العدد ـ 833 ـ جمادى الأولى 1427هـ
أرسلت السماء رعد قاصفا في أذربيجان، وكان الدوي شديدا يخرق الأسماع، فذعر الناس ذعرا شديد، ولكن جاوديان زعيم العصابة الفاجرة التي نادت بالشيوعية الإباحية، وأحلت الأعراض والأموال للناس فاستهوت نفوس الفجار من ذوي الشهوات المنحطة، هذا الزعيم الفاجر رأى أن يتخذ من ظاهرة الرعد معجزة له بين قومه، فنادى تلميذه الداهية يابك الخزمي، وقال له في حذر، سأختفي عن القوم في عار الحيل، وعليك أن تذهب إلى الناس فتقول لهم إن جاويدان صعد إلى السماء ليحاسب الرعد على تهوره الصاعق، ويطلب نزول المطر سريعا لينقذ البلاد من الجدب والبوار.
كان جاويدان يعلم أن الرعد ظاهرة ستنتهي بعد حين قريب، وأن المطر سيعقب الرعد غزيراً كعهده به من قبل، فرأى أن يستغل الظاهرة الطبيعية في تدعيم مركزه، إذ زعم للقوم أنه إله الأرض وأنه إله السماء يستجيب له في كل ما يريد! وخرج يابك يهدئ الناس، ويقول لهم إن جاويدان في السماء السابعة يحاسب الرعد على ضجته التي أصمت الأسماع، وسيطلب من إله السماء إنزال المطر فترقبوا ذلك عن قريب.
والرعاع من العامة يصدقون كل شيء، فما كاد يابك يعلن ذلك حتى اطمأنوا إلى ما سمعوه، ثم انقطع صوت الرعد، وأخذ المطر يهمي كالسيل الجارف، فانطلق الناس يشكرون إلههم جاويدان ويقولون أنه صاحب الأمر في السماء والأرض.
لم تحدث دعوة جاويدان إلى الشيوعية الفاجرة من فراغ، إذا كانت هذه الدعوة الفاسقة ثالثة الدعوات الفاحشة في بلاد فارس، وأولى هذه الدعوات ما قام به مزدك في عهد قباذ ملك الفرس حيث دعا إلى المشاركة في كل شيء يحب ويشتهي من مال ونساء وعقار، بحيث لا يتمنع أي إنسان عن تحقيق رغبته وانقاد قباذ إلى الدعوة، ورأى فيها استرضاء للعامة، ولكن الفساد انتشر على نحو أزعج الأمن وحصد الأرواح، فهبّ أنو شروان نجل قياذ لتدارك الأمر، وأعلن فساد كل ما جاء به مزدك وخاض حربا طاحنة أسالت الدماء، وحصدت آلاف الأرواح حتى استقرت الأوضاع على النهج المستقيم.
أما الدعوة الثانية فقد كانت أيام الخليفة المهدي حيث ظهر المقنع الخراساني يجدد عهد مزدك، ويدعو إلى الإباحية المطلقة في النساء والأموال بحيث لا يمنع أحد مما يريد وتبعته طوائف الرعاع من العامة واستفحل أمره، حين ادعى الألوهية، وكان أبرص دميم الوجه لا يطيق أحد أن ينظر إلى وجهه المشئوم فلبس قناعا من الذهب لا يبرز غير عينيه، ووالى المخزمة الكاذبة، فداهمته جيوش الدولة العباسية، وقامت الأهوال دامية سفكت فيها آلاف الأرواح، ولما أحس المقنع بقرب مصرعه، جمع أهله وأولاده وسقاهم السم فماتوا جميعا ثم لحق بهم، فانتهت الفتنة الطائشة بمقتله.
ولم يمض وقت طويل حتى بدأ جاويدان بدعوته في عهد المأمون، وقد استفحل أمرها فصارت أقوى وأفدح من دعوة المقنع، لأن أعمال الفسوق قد جذبت أرباب الشهوات إلى مستنقعها البغيض على نحو لم يعهد من قبل، ودعوى الألوهية في الأرض التي اخترعها جاويدان قد طمست عقول الناس، فاندفعوا وراءه كالأغنام، وإذا كان لكل شئ نهاية، فقد قرب أجل جاويدان، وأحست زوجته وشك انتهائه، وكان لها هوى جارف نحو يابك، إذ كان شابا فارعا ممتلئ الجسم، قوي العضل يفور الدم من وجهه وأعضائه، فنادته ليلا، وقالت له: ليس في عمر جاويدان إلا يوم أو يومان على الأكثر، فاذهب أنت إلى مكان بعيد بحيث لا يراك أحد، وحين أعلن وفاة جاويدان سأبعث من يبحث عنك، وأقول إن الإله قد أوصى ليابك بزعامة الناس، وأن الألوهية قد انتقلت إليه، وسيصدق الناس ما أقول، إذ أنت غائب عنهم، ولا تدري شيئا! وقد رأى يابك أن المؤامرة محكمة، ولابد من تنفيذها، فاختفى عن الأعين، حتى بحث الناس عنه، فوجدوه يهمهم بكلمات خافتة ويقول لقد حلت فيّ روح الإله، فقالوا وهذا ما تنبأ به جاويدان وأذاعته زوجته وهي تطلب لقاءك لتكون صاحب الأمر في الناس، كما حذرت من يخالف أمر جاويدان، ولم يلبث الشاب الفارع الممتلئ بالشحم واللحم، أن حضر لابسا مسوح الألوهية فخشع القوم لمرآه ، وأطلق الدعاة تسبح بحمده في كل مكان، ثم أعلن أن روح جاويدان قد زارته وأمرته أن يتزوج بزوجته لتكون له كما كانت من قبل في حياته، وبهذا اكتملت فصول المؤامرة، وأصبح يابك الزعيم المطاع، والإله الجبار، وقد أقيمت الولائم الحافلة ابتهاجا بهذا الزفاف، وأعجب ما كان من أمر هذا الاحتفال أن يابك الخزمي قد ذبح عدة أبقار، ووضع دماءها في الأواني الكثيرة، ثم مر بيده على الدماء ليباركها، ودعا الناس جميعا أن يضعوا أيديهم في الدم، ليكتسبوا القوة والعافية إذ صار الدم مقدسا بمباركته، فاندفع القوم إلى الأواني يلوثون الأيدي، ويمسحون الوجوه، وكانت حركة مضحكة لا ندري أهي مأساة أم ملهاة!.
وصلت أنباء يابك إلى بغداد، فظن المأمون في بادئ الأمر أن عصابة فاسدة تقوم بهذه الفوضى وقد وجدت من جهل العامة ما ساعدها على الفساد، فأرسل كتيبة لاستئصالها في زعمه، ولكن الجيش العباسي المحدود قد وجد طوفانا من الناس يحملون السلاح حيث لم تقتصر الفوضى على أذربيجان بل انضم إلى يابك خلق كثير من همذان وأصبهان ونيسابور، وساكني الجبال، فتكونت لديه جيوش مدججة بالسلاح والذخيرة لأنه أباح لأتباعه أن ينهبوا القوافل المدججة بالذخيرة، وأن يعمدوا إلى المدن فيجردوها من كل عتاد حربي لتكتمل له قوة ضارية، وطبيعي أن ينهزم جيش المأمون ويرتد خائبا إلى بغداد، ولم يهدأ الخليفة بل أرسل جيشا آخر كثير العدد، فلاقى مصير الجيش الأول وارتد مدحورا، وتكرر الموقف في المرة الثالثة، وكل من يرتد يعلن أن الدولة لا طاقة لها بهذا الوباء الكاسح، وكان المأمون في أيامه الأخيرة فكتب إلى المعتصم خليفته من بعده يقول له "والخزمية ذات خطر فادح، فلابد من قائد شجاع ذى حزم وصرامة فأيده بما تستطيع من الأموال والسلاح والجنود من الفرسان والرجالة وإذا طالت مدتهم فاذهب إليهم بنفسك، وتجرد لهم بمن معك من أنصارك وأوليائك، وأعمل لذلك جاهدا راجيا ثواب الله فيما تعمل".
وكان أول عمل باشره المعتصم بعد المأمون أن خلص لحرب يابك، فهيأ موارد الدولة للإنفاق على جيش كثيف مدجج بأقصى ما يتاح من السلاح الماحق، والجنود الباسلين، وقد استشار القوم فيمن يقود الجيش الزاحف فأجمع القوم على اختيار (الأفشين) وهو بطل الأبطال في الدولة، وقد سبقت له وقائع ظافرة في معارك شتى حاز فيها انتصار كبيرا، وقد رحب كل الترحيب بمهمته القاسية، وهو يعرف ما سيقوم عليه لأن اندحار الجيوش الثلاثة من قبل، يؤذن بخطورة الموقف، فجمع جنوده، وأرسل طلائعه مستخفية لتدرس جبهات القتال قبل الالتحام، وقد عرف أن الجبال الشاهقة في هذه البلاد تضم الأبطال والذخيرة وأن التقاء الجيش في معركة فاصلة لا يتيح النصر مادامت هذه الكتائب مجتمعة في الجبال، لتقوم بالهجمات المفاجئة ثم ترتد فكان من رأيه أن يتجه بكتيبة مثقلة بالعتاد إلى مخارم الجبال، لتستأصل من بها من المحاربين فإذا انتهت من موقع ذهبت إلى موقع آخر، حتى تتساقط هذه الجموع واحدة واحدة، وانتظر الذين يتأهبون للقتال من أتباع تيابك في أذربيجان أن يقدم الجيش العباسي للمعركة الفاصلة، فطال الانتظار وفقا للخطة التي رسمها الأفشين، كما علم يابك أن الجنود في الجبال يسحقون سحقا بغزوات الجيش المهاجم، ولا يمر يوم حتى تنجلي عن خسائر أليمة، مع أن اعتماده الأكبر كان مرتكزا على هجمات المختبئين في الكهوف والغيران، لذلك رأى أن يزحف بمن معه لمقابلة الجيش الرابض على ضواحي أذربيجان، وجاءت الأنباء للأفشين بما صمم عليه يابك إذ كانت له عيون يقظة أرسلها إلى يابك مدعية أنها تدين بمذهبه، وتقر بألوهيته، فبادرت بإخباره بالزحف المرتقب بعد حين قريب، وقد أعدّ القائد عدته، وأعد خير جنوده ليكونوا معه في الطليعة، وما بدت طلائع يابك حتى وجدت سيلا من الأبطال يندفع مستميتا حين ظن يابك أنه سيأخذ القوم على غرة فذهل لهول الموقف، وارتد مقهورا، وكان ارتداده باعث حمية في نفس الأفشين وأتباعه، فواصلوا الزحف خلفه في سرعة طائرة كيلا يتمكن من الفرار، وأعملوا السيوف في أدبار المنهزمين دون رحمة، وتأكد يابك أنه خسر المعركة حين لم يجد من كتائب الجبال من يشد أزره إذ أبادهم الأفشين من قبل، ثم اضطر مرغما إلى الفرار من أذربيجان إلى أرمينية ومتى فر القائد فقد هزم الجيش.
لم يكتف الأفشين بفرار يابك بل أصر على أن يقع في يده ليصحبه مقهورا إلى سامراء عاصمة الخلافة الجديدة وقد علم برحيله إلى أرمينية فأرسل إلى حاكمها أن يأخذ حذره من غادر هالك لا يرعى الحرمات، وكانت أنباء يابك تصل إلى هذه البلاد فتثير الهلع والرعب، وبخاصة لدى القسس من رعاة المسيحية الذين فزعوا لاستباحة النساء والأموال، فأخذوا يبحثون عن الهارب بعد أن عرفوا أوصافه، وملامحه، وكان أحد الرهبان يطوف متفرسا في الغرباء فعثر على ضالته حين لمح يابك بجسمه الضخم، ومنظره المريع، يتسلل على حذر كمن يبحث عن مكان آمن، فأظهر من الاحتيال الماكر ما جعله يسوق الهارب إلى كنيسته حيث تودد إليه متوسلا في خشوع معلنا أنه من أتباعه، وممن يؤمن بشيوعية النساء والأموال، وواجبه أن يحميه لديه في مقر آمن، وهذا ما كان يرجوه يابك فسار معه مطمئنا، على حين أرسل الراهب على عجل من يخبر الأفشين من خراسان بوقوع الفريسة، كي يهيئ من يحضر لاعتقاله مكبلا بالأغلال، وأظهر من الخضوع الكاذب ليابك ما جعله ينسى موقفه الحرج، فجعل يتعاظم على الراهب، ويأنف أن يأكل معه من إناء واحد، وقد قال هل إني إله فلا يشاركني أحد في إناء! وصبر الكاهن على الفريسة حتى جاءت رسل الأفشين، ومعها القيود الثقيلة، فأمهلها الراهب ليطمئن لحسن العاقبة، ولم يكن قد قدم ليابك طعام الفطور، فوجده يصرخ في وجهه قائلا أين طعام الإله يا وغد! فابتسم الراهب وصفق بيده فحضرت الجنود ومعها الأغلال الثقال، وفوجئ الإله المزعوم بالمكيدة، فاستسلم في ذعر، وحين ذهب إلى الأفشين قال له: مصرعك في سامراء لدى المعتصم، وذهب به إلى مصيره المحتوم! 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: