سطور من الذاكرة\العدد الثالث - غرّة رمضان/ 1424هـ
الإمام الرَّضِي وليّاً للعهد 201 هـ
الجمعة 1 سبتمبر 2006
الإمام الرَّضِي وليّاً للعهد 201 هـ
دأب الشيعة على تصوير أنفسهم ضحايا للحكم السني ودول الخلافة التي نشأت هنا وهناك, وكانوا دائماً يدّعون أنهم مضطهدون ومهمّشون من قبل جميع الدول السنيّة التي حكمت, لكننا اليوم وفي هذه السطور أمام حدث تاريخي هام, يفنّد بعضاً من ادعاءاتهم ويلقي الضوء على جانب مهم من سيرة أئمة آل البيت, وتدحض الشبهات التي كان ينسجها الشيعة, والافتراءات التي كانوا يلصقونها بالأئمة, والأئمة منها براء.
في سنة 201هـ, عيّن الخليفة العباسي المأمون الإمام علي بن موسى (الرضى) وليّاً للعهد, ونقل ولاية العهد من البيت العباسي الذي ينتمي إليه إلى بيت آخر وإلى واحد من أبناء الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
ولد الإمام علي الرَّضِي بالمدينة سنة 148هـ([1]) واشتهر بالعلم والورع, ولم يكن له اشتغال بالسياسة, وهو عند الشيعة الإثني عشرية الإمام الثامن, وفي عام 201هـ, خلع الخليفة العباسي المأمون أخاه المؤتمن, وعيّن الإمام الرَّضِي وليّاً للعهد, واختلفت الآراء حول هدف خطوة المأمون هذه, فالإمام السيوطي يقول أن المأمون كان معروفاً بالتشيع, وهذا هو ما حمله على تولية الرَّضِي, ومنهم من يجعل السبب المعتزلة الذين كان المأمون محاطاً بهم, ومنهم من يجعل السبب انتصار النزعة الفارسية على النفوذ العربي, وآخرون يرون تأثير وزير المأمون الفضل بن سهل, كما أن آخرين رأوا في هذه الخطوة مناورة سياسية رغب المأمون من خلالها إلى كشف بعض شخصيات آل البيت, وإظهار عزوفها عن الخوض في غمار السياسة ومعترك الحياة, كما رغب في إظهارهم إلى العلن بدلاً من عملهم في السر.
وأيّا كان هدف المأمون من هذه البيعة التي استمرت عامين وانتهت بموت الإمام الرضى رحمه الله سنة 203هـ إلا أننا نجد أنفسنا مضطرين للوقوف أمامها كثيراً كونها تلامس أصلاً من أصول الشيعة وهو " الإمامة ".

فأهل السنة لم يكونوا يكرهون آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم, بل كانوا يحبونهم ويوقرونهم ويثنون عليهم, ولذلك لم يعترض على توليته أحد من علماء السنة ولم يعمل أحد على عزله وإبعاده, ولولا قدر الله بوفاة الرَّضِي قبل المأمون لاستلم الخلافة رجل من آل البيت ولبايعه المسلمون من أهل السنة وهذا يدحض مزاعم الشيعة أن الأئمة من آل البيت كانوا على مذهبهم في التشيع!, كما أن جلّ آل البيت لم يكونوا منعزلين رافضين للحكم والخلافة ولم يكونوا يعتقدون "بالإمامة الإلهية" التي جعلها الشيعة الإثني عشرية أصلاً من أصولهم, وكفّروا من لم يؤمن بها, وهي أن الإمام منصوص عليه من الله, ويشكّل تولّي الرَّضِي هذا المنصب في سلطة المأمون إقراراً بشرعية هذا الحكم, وبطلان "الإمامة الإلهية".

يقول الباحث الشيعي أحمد الكاتب في كتابه (تطور الفكر السياسي الشيعي) ص87: "ومهما اختلف المؤرخون في تحليل موقف المأمون, فإن مبايعة الإمام الرَّضِي له وقبوله بولاية العهد يكشفان عن موقف أيديولوجي ظاهر بشرعية خلافة المأمون وواقعية إمامة الرَّضِي بعيداً عن نظرية (الإمامة الإلهية) الخاصة في أولاد علي والحسين, وقد أصبح التحالف بين البيتين الهاشميين: العباسي والعلوي, سمة المرحلة التالية, وعقيدة دولة الخلافة العباسية الرسمية لبضعة عقود, وقد تمثلت بعد المأمون في موقف الخلفاء العباسيين الإيجابي من أبناء الرَّضِي كمحمد الجواد وعلي الهادي والحسن العسكري, حيث كان الخلفاء يتخذون منهم رموزاً للشرعية الدستورية, ويقدمون لهم كامل الإحترام والتقدير.
لا ننكر أن إقصاء أحد أبناء آل العباس, وتعيين الإمام الرَّضِي محله, لا بد أن يثير امتعاض البعض الذين فقدوا سلطتهم, مما أدّى إلى تنصيب خليفة بدلاً آخر من المأمون, لكن الوضع سرعان ما عاد إلى طبيعته, وعاد المأمون إلى بغداد خليفة للمسلمين.
 
للاستزادة:
1-تاريخ الخلفاء – الإمام السيوطي – ص307.
2-المدخل إلى تاريخ آل البيت – فاروق عمر فوزي – ص136.
3-تطور الفكر السياسي الشيعي – احمد الكاتب – ص86.
4-شذرات الذهب – أبو الفلاح الحلبي / الجزء الثاني – ص2+6.
 

([1]) وقيل سنة 151هـ أو سنة153هـ.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: