سطور من الذاكرة\العدد الحادى عشر - جمادى الاولى 1425هـ
من جرائم العبيديون في شمال أفريقيا
الجمعة 1 سبتمبر 2006
أنظر ايضــاً...
من جرائم العبيديون في شمال أفريقيا
 لم يكن قيام العبيديين الفاطميين بقتل الفقيهين ابن هذيل وابن البردون إلاّ مثالا بسيطا على ما اقترفه العبيديون الإسماعيليون  بحق أهل السنة في الشمال الأفريقي وفي مصر.
وأعلن أبو عبد الله الشيعي  إثر هذا النصر الحاسم على الأغالبة أن الإمام الحقيقي للمسلمين هو أبو عبيد الله المهدي، وأنة سيصل إلى بلاد المغرب قريبا، ويظهر العدل والمساواة فانضم إليه بعض قادة الأغالبة، وأصبح جيشه مائتي ألف مقاتل لكي يدافعوا عن المذهب الشيعي الإسماعيلي والدولة الجديدة.
وحاول أبو عبد الله الشيعي  أن يعتمد في نشر مذهبه على الدعاية والمناظرة لإقناع علماء السنة مثل أمثال عثمان بن سعيد الحداد، إلا أنه فشل، فاستخدم أسلوب القمع والشدة، ومارس هو وأخوه أبو العباس مختلف صنوف التعذيب بحق علماء السنة.
ونجح أبو عبد الله الشيعي في تثبيت دعائم الحكم في القيروان بواسطة زعماء قبيلة كتامة، وأرسل إلى عبيد الله المهدي(1) وابنه القاسم للمجيء إلى القيروان وبدأت الدولة العبيدية الوليدة تسعى للقضاء على الخلافة العباسية خاصة بعد أن تمكنوا من القضاء على دولة بي مدرار  في سجلماسة، ودولة بني رستم في تاهرت، ودولة الأغالبة في تونس. وكانت بيعة عبيد الله المهدي في القيروان عام 297 هـ /910 م، و أنتهت ولاية أبى عبدالله الشيعي بعد أن دامت عشر سنوات على قول بعض المؤرخين.
وبرغم مما بذلة أبو عبد الله الشيعي من جهد جبار لتثبيت الحكم وتقديمه على طبق من ذهب إلى عبيد الله المهدي، ألاّ أن الأخير تخلص من أبى عبد الله الشيعي وأخيه أبي العباس، وسيد كتامة غزوية بن يوسف بمؤامرات متتالية وكل من كان من أنصارهم.
ويرى بعض المؤرخين أن الخلاف الذي دّب بين الرجلين كان بسب شك أبي عبد الله في عبيد الله وأنه ليس المهدي كما يزعم، في حين رأى البعض أنه كان خلافا بسبب الأموال التي أستأثر بها عبيد الله . 
لقد ارتكب هؤلاء العبيديون الرافضة في أهالي الشمال الأفريقي من أهل السنة بعد أن استتب لهم الأمر مالا تصدقه العقول، ومن ذلك:
1-      أنه عندما ادّعى عبيد الله النبوة و الرسالة أحضر فقيهين من فقهاء القيروان وهو جالس على كرسي ملكه وأوعز إلى أحد خدمه، فقال للشيخين: ((أتشهدا أن هذا رسول الله؟ فقالا بلفظ واحد: والله لو جاءنا هذا والشمس عن يمينه والقمر عن يساره يقولان: إنه رسول الله، ما قلنا ذلك. فأمر بذبحهما)). وهذان الشيخان المغربيان هما ابن هذيل وابن البردون. وقد قال الذهبي في السير عن ابن بردون: ((هو الإمام الشهيد المفتي، أبو إسحاق، إبراهيم أبن البردون الضبي مولاهم الإفريقي المالكي،تلميذ أبي عثمان الحداد)).
لم يكن قتل هذين الفقيهين من فقهاء بلاد المغرب العربي الجريمة الوحيدة من جرائم العبيديين في تلك البلاد السنية، إنما كانت جريمة لطالما تكررت.
2-      كانوا كثيرا ما يجبرون الناس على الفطر قبل رؤية هلال شوال، بل قتلوا من أفتى بأن لا فطر إلا مع رؤية الهلال كما فعلوا بالفقيه محمد بن الحبلي قاضي مدينة برقة، الذي قال الذهبي في ترجمته: ((الإمام الشهيد قاضي مدينة برقة، محمد بن الحبلي)).
فلقد أتاه أمير برقة، فقال: غدا العيد، قال: حتى نرى الهلال، ولا أفطر الناس وأتقلد إثمهم،.. فأصبح الأمير بالطبول والبنود وأهبة العيد فقال القاضي: لا أخرج ولا أصلي.. فما كان منهم إلاّ أن علقوا القاضي في الشمس إلى أن مات وهو يستغيث من العطش، فلم يسق، ثم صلبوه على خشبه .
3-    منعوا علماء أهل السنة من التدريس في المساجد، ونشر العلم، والاجتماع بالطلاب، فكانت كتب السنة لا تقرأ إلا في البيت. وأتلفوا مصنفات أهل السنة، ومنعوا الناس من تداولها كما فعلوا بكتب أبي محمد بن أبي هاشم التجيبي (المتوفى سنة 346 هـ) توفى وترك سبعة قناطير كتب، كلها بخط يده فرفعت إلى سلطان بني عبيد فأخذها ومنع الناس منها كيدا للإسلام وبغضا فيه.
4-   حرّموا على الفقهاء الفتوى بمذهب الإمام مالك، وهو مذهب الناس في المغرب العربي، واعتبروا ذلك جريمة يعاقب عليها بالضرب والسجن أو القتل أحيانا.
5-   شنوا حربا نفسية على أهل السنة، وذلك بتعليق رؤوس الأكباش والحمير على أبواب الحوانيت والدوّاب وكتبوا عليها أسماء الصحابة.
6-     كان شعراء الدولة العبيدية يمدحون خلفاءهم إلى درجة الكفر البواح وينشرونها بين الناس، كما ظهر ذلك في شعر ابن هانئ الأندلسي الذي يعتبر شاعر الدولة العبيدية  الفاطمية. يقول أحد شعرائهم  في مدح  عبيد الله:
           حلّ برقادة المسيح             حل بها آدم ونوح 
            حل بها الله ذو المعالي       فكل شيء سواه رايح
7-     زادوا في الأذان ((حي على خير العمل))، واسقطوا من أذان الفجر ((الصلاة خير من النوم)) ومنعوا الناس من قيام رمضان، ومنعوا صلاة الضحى، وقدموا صلاة الظهر لفتنة الناس، أما خطبة الجمعة فقد أظهروا فيها سب الصحابة وضروبا من الكفر، فتركها الناس وأقفرت المساجد في زمانهم. وكان بعض أئمتهم يصلون إلى رقادة فلما أنتقل عبيد الله إلى المهدية صلوا إليها.
 
للاستزادة :
1- الدولة العبيدية الفاطمية  ـ   د. علي محمد الصلاّبي
2- سير أعلام النبلاء  ـ   الإمام الذهبي 
3- الراصد :   ـ العدد الثالث: كتاب الشهر  (الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية ).
ـ العدد الخامس : فرق  (الإسماعيلية ).
ـ العدد السادس: كتاب الشهر  (جهود صلاح الدين التربوية لتغيير واقع المجتمع المصري).
 

 

  -[1]تناولنا في الراصد عدة مرات موضوع الفاطميين، وخاصة حكمهم لمصر. والعبيديون الفاطميون هم من الشيعة الإسماعيلية وهي فرقة باطنية ادعت أن للإسلام ظاهرا وباطنا: ظاهرا يؤمن به الناس، وباطنا زعموا أنه لا يعرفه إلاّ خواصهم وعلمائهم، وبذلك صرفوا أركان الإسلام وواجباته عن مرادها.
وأبو عبد الله الشيعي أحد دعاة الإسماعيلية وقادتهم المحنكين وهو شيعي من أهل صنعاء اختاره  رستم بن حوشب الذي كان زعيما للإسماعيلية  في اليمن لنشر الدعوة في الغرب لأنه رآها بيئة خصبة لذلك. ويعتبر أبو عبد الله الشيعي المؤسس الفعلي لدولة العبيديين الإسماعيلية في المغرب.
 
وحفيده المعز هو الذي استطاع الاستيلاء على مصر فيما بعد.
قال عنه الإمام الذهبي في" سير أعلام النبلاء ج 15/141 " : (عبيد الله أبو محمد أول من قام من الخلفاء  الخوارج العبيدية الباطنية وبثوا الدعاة يستغوون الجبليّة والجهلة).

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: