سطور من الذاكرة\العدد الثالث عشر - رجب 1425هـ
البويهيون يتسلمون مقاليد الحكم في بغداد سنة 334هـ
الجمعة 1 سبتمبر 2006
البويهيون يتسلمون مقاليد الحكم في بغداد سنة 334هـ
 
البويهيون قوم من الشيعة الذين يعودون في أصولهم إلى الفرس ،وينتسبون إلى أبيهم أبي شجاع بويه، الذي كان من صيادي السمك في بحر الخزر (قزوين) وكان له ثلاثة أبناء هم على والحسن وأحمد.
والحقبة التي نحن بصدد تناولها تتعلق بفترة من الفترات التي دب فيها الضعف إلى دولة الخلافة العباسية، بحيث تولى هؤلاء البويهيون الحكم الفعلي في عاصمة الخلافة بغداد مدة مائة وثلاث عشرة سنة, وأصبح الخليفة عاجزاَ مجرداَ من سلطاته.
البداية في حكاية البويهيين هؤلاء تعود إلى التحاق علي والحسن وأحمد أبناء أبي شجاع بالجندية ،ودخولهم في جيش (ما كان بن كالي ) وهو أحد القادة المشهورين من أبناء الديالم، وقد أبدوا في عملهم الشجاعة والإتقان ،فدفعهم ذلك إلى أن يصبحوا في الصفوف الأولى بين الأجناد، وفي مرتبة الأمراء.
واختلف ما كان بن كالي مع مرداويج بن زياد ،فما كان من أبناء بويه إلا الانحياز إلى مرداويج عند ما رأوا قوته تميل إلى الرجحان ،فأكرمهم مرداويج وولّى علي بن بويه بلاد الكرج، ثم غضب عليهم، وأمر أخاه (وشمكير) بصرفهم، فصرف الحسن وأحمد, أما علي فلم يصرفه لما اشتهر به من الشجاعة، إلاّ أن مردوايج قرر طرده وأرسل له جيشاً بقيادة المظفر بن ياقوت، فترك علي بلاد الكرج واتجه إلى أصفهان وانتصر على المظفر، وانضم إليه عدد من الديالم، ثم سار إلى (اصطخر) وانتصر على المظفر أيضاً ،ودخل شيراز سنة 322هـ ، ثم حاول علي أن يتقرب ثانية إلى مرداويج الذي قتل سنة 323هـ ،وبقي علي في الميدان، فدانت له بلاد فارس، أما أخوه الحسن، فقد استطاع احتلال الرِّي (طهران) وأصفهان وهمذان، وكذلك أحتل أخوهم أحمد بن بويه كرمان ،ثم دعاه علي لمعاونته فترك كرمان واحتل الأهواز سنة 326هـ.
وهكذا صار الإخوة البويهيون على مقربة من العراق، وقد أصبحت سلطة علي تمتد من بلاد الكرج حتى الأهواز، وسيطر أحمد على بلاد فارس الجنوبية، على حين أن شمال فارس تحت نفوذ أخيهما الحسن وبذلك استطاعوا الاستيلاء على مساحة كبيرة من أملاك الدولة العباسية، الأمر الذي جعل الخليفة يعترف بهم.
وفي مقابل الانتصارات التي كان يحققها البويهيون، كانت الأمور في الجهة الأخرى في العراق حيث مقر الدولة العباسية لا تسر بحالٍ ،فقد ساءت الأحوال في بغداد، وضعف المماليك وأمراء الأمراء عن تسيير دفة الأمور، وساءت العلاقة بين الخليفة المتقي وتوزون، فدعا الخليفة أحمد بن بويه لدخول بغداد، فاتجه نحوها غير أنه هزم أمام توزون سنة 332هـ، ثم طلب قواد بغداد من أحمد السير إليهم والاستيلاء على مدينتهم، فسار نحوهم، واستقبله الخليفة المستكفي سنة 334هـ، وأكرمه ولقبه "معز الدولة" وعينه "أمير الأمراء" كما لقب أخاه علياً "عماد الدولة"، والحسن لقبه "ركن الدول".
واقتسم الأخوة الثلاثة السلطان والنفوذ في المناطق الواسعة التي استولوا عليها، ولكن السلطان العام بقي في يد الأخ الأكبر علي ،وكان للحسن الجزء الشمالي من بلاد فارس ولأحمد العراق بما في ذلك واسط وبغداد. وهكذا صار لكل واحد من هؤلاء منطقة يسيطر عليها، ويتعاقب أبناؤه وأحفاده على حكمها.
وقد استمر حكم البويهيين للدولة العباسية كما أسلفنا 113 عاماً، بدأت في عصر المستكفي (333ـ334هـ)، وقد عاصر الخليفة المستكفي آخر عهود الأتراك ومطلع بني بويه، ثم المطيع (334ـ363هـ) فالطائع (363ـ381هـ) فالقادر (381ـ422هـ), أخيراً القائم (422ـ467هـ) الذي عاصر آخر عهد البويهيين ومطلع عهد السلاجقة .
 
أعمال منكرة
 
لقد كانت أسرة آل بويه شيعية ، فبدرت منهم أعمال منكرة ،ففي سنة 341هـ ظهر قوم من التناسخية فيهم شاب يزعم أن روح علي انتقلت إليه ، وامرأته تزعم أن روح فاطمة انتقلت إليها، وآخر يدّعي أنه جبريل . وما كان من معز الدولة إلاّ أن أطلقهم .
وفي سنة 351 كتبت الشيعة في بغداد على أبواب المساجد لعنة معاوية ،ولعنة من غصب فاطمة حقها من فدك ، ومن منع أن يدفن مع جده ، ولعنة من نفى أبا ذر ...
وفي العام التالي يوم عاشوراء ، أمر معز الدولة الناس بغلق الأسواق ، ومنع الطباخين من الطبيخ ، ونصبوا القباب في الشوارع ، وعلّقوا عليها المسوح ، وأخرجوا نساء منتشرات الشعور يلطمن في الشوارع ،ويقمن المأتم على الحسين ،وهذا أول يوم نيح فيه عليه ببغداد ،واستمرت هذه البدعة سنين .
وفي ثاني عشر ذي الحجة من العام نفسه عمل عيد غدير خم ، وضربت الدبادب .
 
عصر مظلم وأحداث تدمير
يكاد يجمع المؤرخون على أن عصر البويهيين كان عصراً مظلماً بعيداً عن قيم الإسلام وتعاليمه ،فلقد كان الخلفاء في هذا العصر هدفاً لعدوان قاس ٍ من سلاطين آل بويه ،فعقب دخوله إلى بغداد جاء معز الدولة البويهي إلى دار الخليفة ومعه بعض الديالمة الأشداء ، ويجذب هؤلاء الخليفة وهو جالس على كرسيه ،ويضعون عمامته حول رقبته ويسحبونه ، ويصدر قرار بعزله ثم تنهب داره وتصادر أمواله.وهكذا كان التعامل مع باقي الخلفاء.
وقد حاول البويهيون إلغاء الخلافة العباسية ،ونقلها إلى العبيديين الفاطميين الذين كانوا يحكمون مصر وشمال أفريقيا ،وهم من الشيعة الإسماعيليين إلاّ أن بعض مستشاريهم نصحوهم بعدم تنفيذ هذه الفكرة ،حتى لا يضعوا في كراسي الخلفاء خلفاء لهم عليهم حقوق الطاعة.
وسرعان ما دب الوهن في هذه الدولة بعد موت الاخوة الثلاث الكبار ،رغم أن بذور فناء دولتهم زرعت مع نشأتها ،ويذكر أن معز الدولة وهو أول حاكم بويهي للعراق قدّم بعض العطايا لجنوده من الأتراك ،فحسدهم الديالم ،وتولدت عن ذلك الوحشة والصراع ،ولم تمض سنة على بغداد حتى اشتد الغلاء بها ،فأكل الناس الميتة والقطط كما أكلوا بعض الأعشاب مما سبب انتشار الأمراض وكثرة الموتى ،حتى عجز الناس عن دفن موتاهم ،وانحدر كثير من أهل بغداد للبصرة،فمات أكثرهم في الطريق ،وبيعت الدور والعقارات بالخبز (تاريخ الدولة العباسية للشيخ محمد الخضري بك صفحة 381).
ويستطرد صاحب كتاب تاريخ الدولة العباسية واصفا ما أحدثه البويهيون فيقول:لم يكن عهد معز الدولة في بغداد إلا شراً كله ،وقد خربت العراق بعد أن كانت جنة الدنيا ،وذلك من جراء الاختلافات والحروب الداخلية وضعف هيبة السلطان. صفحة 386 .
وعن عز الدولة بختيار ابن معز الدولة يقول الخضري بك: كانت البلاد في سلطانه أسوأ حالاً منها في سلطان أبيه ،فإنه اشتغل باللهو واللعب وعشرة النساء والمغنيين.
وفي عهد البويهيين هاجم الروم البلاد الإسلامية ،واستولوا على الكثير من المدن والحصون ،ففي سنة 351هـ غزا الروم "عين زربة" وهي من أهم مدن الثغور ،وقتلوا وسلبوا ،وفي نفس العام استولوا على حلب ،وفي سنة 354 هـ استولوا على المصيصة. ولم يكد يمر عام إلاّ والهزائم تتوالى على المسلمين ،فالتاريخ يعلمنا أن الدول الشيعية كالفاطمية والصفوية وكذلك البويهية لا توجه سهامها إلا إلى المسلمين ،ويظل الكفار من الصليبين والمغول وغيرهم في منأى من شرورهم ،بل أنكى من ذلك أنه سرعان ما تقوم الأحلاف بين الدول الشيعية والدول المسلمة لقتال الدول الإسلامية السنية ([1]).
وإذا كانت بداية البويهين في بغداد بدأت سنة 334 هـ ،بدخولهم إلى عاصمة الخلافة واستيلائهم على الحكم ،وعزلهم للخليفة المستكفي ،فإن العام 447هـ حمل نهايتهم على أيدي السلاجقة الذين جاءوا بطلب من الخليفة القائم الذي استنهض همة طغرل بك السلجوقي لنجدة المسلمين عندما طغا البساسيري ،وهو أحد موالي بني بويه ،حتى خافه الناس جميعاً ،وثبت للخليفة أن البساسيري سيء العقيدة وأن عنده رغبة في إلغاء الخليفة. ودخل السلاجقة بغداد بطلب من الخليفة وانهوا 113 عاماً من إفساد البويهيين ،وأعادوا الأمور إلى نصابها.
للاستزادة :
1 ـ التاريخ الإسلامي ـ الجزء السادس (الدولة العباسية) ـ محمود شاكرـ صفحة 145 .
2 ـ حركات فارسية مدمرة ـ أحمد شلبي ـ صفحة 161 . 
 3ـ تاريخ الدولة العباسية ـ محمد الخضري بك .
 

[1] ـ يمكن الرجوع إلى بعض المواضيع المنشورة في الراصد حول تحالف الشيعة ودولهم مع أعداء الإسلام ضد المسلمين السنة : 1 ـ محاولة قتل صلاح الدين (سطور من الذاكرة ـ العدد الأول) ،2 ـ الصفويون يحالفون الصليبيين (سطور من الذاكرة ـ العدد الثاني) ، وغيرها.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: