سطور من الذاكرة\العدد الخامس عشر - رمضان 1425هـ
ألف خيانة وخيانة للقاديانية في القارة الهندية
الجمعة 1 سبتمبر 2006
ألف خيانة وخيانة للقاديانية في القارة الهندية
 
للقاديانية في القارة الهندية ألف حكاية وحكاية، ولعلنا نبدأ الحكاية بوثيقة بريطانية تؤكد أن بريطانيا أرسلت في سنة 1869م وفداً من المفكرين البريطانيين والزعماء المسيحيين إلى الهند، لدراسة الوسائل التي يمكن من خلالها تسخير المسلمين، وحملهم على الطاعة للإمبراطورية البريطانية التي كانت تحتل أرجاء واسعة من بلادهم. وفي العام التالي أي سنة 1870م رجع الوفد من الهند، وقدم تقريرين ذكر فيهما أن أكثر المسلمين في الهند يتبعون زعماءهم الدينيين إتباع الأعمى، وانه لو تم العثور على "نبي حواري" لاجتمع حوله كثير من الناس، لكن ترغيب شخص في القيام بهذا الدور أمر في غاية الصعوبة، فإن حلت هذه المسألة، فمن الممكن أن ترعى الحكومة البريطانية هذا الشخص على أكمل وجه، وبريطانيا الآن مسيطرة على سائر الهند، وتحتاج إلى مثل هذا العمل لإثارة الفتن بين الشعب الهندي وجمهور المسلمين واضطرابهم الداخلي.
لعل هذه الوثيقة التي أشار إليها علماء باكستان في كتابهم عن القاديانية يفسر جزءاً من سيرة هذه الفرقة التي نشأت في كنف الاستعمار البريطاني، والدور الذي لعبته في خذلان المسلمين، خاصة وأن القاديانية تزعمت فكرة تحريم الجهاد، وعدم مقاومة الاحتلال البريطاني للقارة الهندية وبقية بلاد المسلمين([1]).
ويبدو أن الاستعمار الإنجليزي المعروف بخبثه ودهائه، لم يعجز في العثور على الشخص المطلوب أو "النبي الحواري" لتثبيط همم المسلمين، فكان مرزا غلام أحمد القادياني الذي تنسب إليه القاديانية هو المعول عليه للعب هذا الدور، ولم يكن ذلك صعباً، إذ أن مرزا غلام ورث من أسرته عداوة المسلمين، وموالاة الكفار، فقد اشترك والده غلام مرتضى في:
1 ـ القتال مع المهراجة رنجيت سنك السيخي ضد المسلمين، فكافأه المهراجه بأن أقطع له أرضاً.
2 ـ القتال إلى جانب الإنجليز لإخماد ثورة المسلمين ضد الاحتلال سنة 1857، وقد اعترف الابن بذلك إذ يقول: "أنا من أسرة مخلصة حقا لهذه الحكومة وكان والدي مرزا غلام مرتضى شخصياً وفياً ناصحاً في نظر الحكومة، وقد تشرف بكرسي في قصر الإمارة، وورد ذكره في "تاريخ زعماء البنجاب" للمستر كريفن، وقد ساعد الإنجليز فوق طاقته سنة 1857، إذ تبرع بخمسين فرساً مع فرسانها لنصرة الإنجليز أيام التآمر ضدهم".
ثم ذكر المرزا رسائل الحكام الإنجليز التي بعثوا بها إلى والده وأخيه غلام قاد اعترافاً بخدماتهم، فقد كتب مستر ولسن إلى مرزا غلام مرتضى: أنا أعلم جيداً بأنك أنت وأسرتك مازلتم خداماً أوفياء مستقيمين للحكومة الإنجليزية. كذلك اعترف مستر وابرت كست حاكم (لاهور) بخدمات مرزا غلام مرتضى الجليلة للحكومة الإنجليزية في "جهاد الحرية" سنة 1857م وأخبره بما أنعمت علية الحكومة من الرضاء والجائزة، وذلك في رسالة بعث بها إليه في 20 سبتمبر 1885م.
فالشخص الذي أشرب في قلبه هذه الطاعة الموروثة لماذا لا يكون سراً لأبيه، فقد اعترف بوفائه لمولاه الإنجليز قائلاً: إن الخدمة التي قمت بها للحكومة الإنجليزية هي أنني طبعت نحواً من خمسين ألف كتابٍ ونشرةٍ ثم وزعتها في هذه البلاد وغيرها من البلاد الإسلامية، وقلت فيها: إن الحكومة الإنجليزية قد أحسنت إلينا معشر المسلمين، فيجب على كل مسلم أن يطيعها بصدق وإخلاص، وأن يشكرها ويدعو لها من قلبه، وقد نشرت هذه الكتب بلغات مختلفة من الأردية والفارسية والعربية، ووزعتها في البلاد الإسلامية حتى في المدينتين المقدستين مكة و المدينة وفي قسطنطينية عاصمة الروم وبلاد الشام و مصر و كابول ومدن أفغانستان المتفرقة ما أمكن ذلك، وكانت نتيجة ذلك أن آلافاً من الناس تركوا فكرة الجهاد الفاسدة التي وصلتهم من تعاليم العلماء الذين لا يفهمون، وإن هذه خدمة قمت بها وأفتخر بأنه لا يمكن لأحد من رعايا الحكومة البريطانية أن يأتي بمثلها.
وليس هذا فحسب بل اعترف هذا المخلص للإنجليز الذي لا نظير له في الهند بقوله: لقد كتبت في طاعة الإنجليز ما تمتلئ به خمسون خزانةً. وكتب إلى حاكم البنجاب يؤكد بأن أسرته وفية للحكومة البريطانية منذ خمسين سنة ومخلصة لها، وكتب عن نفسه بأنه غرس الإنجليز ويرجو العناية الخاصة به وبجماعته بحق وفائه وإخلاصه.
تحريمه للجهاد
ولم يدع القادياني أسلوباً إلاّ اتبعه للدفاع عن فكرة تحريم الجهاد التي خدمت الاستعمار أيما خدمة إذ يقول مرزا غلام أحمد في هامش كتابه "الأربعين" : إن الله تعالى لم يزل يخفف شدة الجهاد ـ أي الحروب الدينية ـ وقد بلغت شدته في عهد موسى عليه السلام إلى أن الإيمان كان لا ينجلي عن القتل حتى كان الرضع يقتلون أيضاً. ثم حرم قتل الأطفال والشيوخ والنساء في عصر نبينا r ، ثم تقرر قبول الجزية بدل الإيمان للتخلص من القتل، ثم نسخ الجهاد قطعاً في عهد المسيح الموعود (أي في عهد المرزا حسب زعمه).
ووصلت دعوتهم إلى بلاد إسلامية أخرى، مثل أفغانستان التي انبرى فيه اثنان من القاديانية هما نعمة الله خان وعبد اللطيف للدعاية ضد الجهاد حتى يمهدا الطريق لسيطرة الإنجليز على أفغانستان، وقد أفتى علماء أفغانستان قاطبة بردة هذين القاديانيين فقتلا، وكان ذلك في عهد الأمير أمان الله خان.
وليت الأمر اقتصر على هذا الحد من عدم الدعوة إلى الجهاد، بل لقد قال ميان محمود أحمد في خطبة الجمعة التي نشرتها صحيفة الفضل القاديانية (27/5/1919) "إن إعلان كابول ـ أي أفغانستان ـ الحرب ضد الإنجليز وفي عهد الشاه أمان الله خان جهالة، وعلى الأحمديين([2]) أن يخدموا الحكومة البريطانية، لأن طاعتها فريضة علينا، وحرب أفغانستان لها حيثية جديدة بالنسبة الأحمديين، لأن أرض كابول قتل فيها نفوسنا الغالية ظلماً، وقد قتلوا بلا ذنب. وكابول بلد يمنع فيه تبليغ الأحمدية، وقد أغلقت عليه أبواب الصدق. ولإقامة الصدق يحب على الأحمديين أن يزيلوا هذه الحواجز الظالمة، وذلك عن طريق تجندهم في الجيش الإنجليزي ونصرة بريطاينا، فاسعوا لكي تنبت تلك الفروع بأيديكم التي أخبر عنها المسيح الموعود".
·العراق وبغداد:ـ
عندما عزم الإنجليز الاستيلاء على العراق)وقام بزيارتها (لارد هاردنك) لهذا الغرض، علقت على زيارته الصحيفة القادياينة الشهيرة (الفضل) قائلةً : (لا شك أن زيارة هذا الضابط الطيب القلب سوف يسفر عن نتائج طيبة، ونحن راضون بهذه النتائج، لأن الله يهب الملك وزمام الدنيا لمن يريد خيراً لخلقه، ويفوض حكم الأرض إلى من يكون له أهلاً، ونقول مرةً ثانية بأننا فرحون، لأن كلمة ربنا سوف تتحقق، ونرجو أن يتسع لنا مجال الدعوة بتوسع الدولة البريطانية، فندخل المسلم في الإسلام مرةً ثانيةً كما ندخل غير المسلم في الإسلام.
وبعد ثماني سنوات من هذا الحادث استولى الإنجليز على بغداد بعد هزيمة أهلها، فكتبت صحيفة (الفضل) القاديانية : قال حضرة المسيح الموعود ـ المرزا ـ لهؤلاء العلماء أن يقاوموا هذا السيف فلماذا لا نـفرح معشر الأحمديين بهذا النصر؟
*أول حاكم قادياني على العراق :
وكان لموالاة القاديانيين للإنجليز نصيب وافر في سقوط بغداد حيث أنه لما احتل الإنجليز (العراق) عينوا أول حاكم على (العراق) ميجر حبيب الله شاه ـ شقيق زوجة مرزا بشير الدين محمود ـ وكان ميجر حبيب الله شاه قد تجند في الحرب العالمية الأولى، وذهب إلى (العراق) وكان يشتغل طبيباً في الجيش.
ومن خدمات المرزا للاستعمار انه عندما أفتى أهل الحق من العلماء بأن الهند دار حرب استغلَّ المرزا هذه الفتوى لخدمة مولاه الاستعمار، فأرسل إلى الحكام البريطانيين نشرةً أرشدهم فيها إلى أنه يمكن التمييز بين المسلمين " أصحاب النيات الفاسدة " الذين يرون الهند دار حرب وبين المخلصين للحكومة بحضور صلاة الجمعة، هكذا جعل بشطارته الجمعة المقدسة وسيلةً للتمييز بين من يدين للحكومة الاستعمارية وبين من لا يدين لها.
ثم قام المرزا بجمع أسماء الذين اعتبروا الهند دار حرب ، وقدمها إلى الحكومة، وقد ذكر هذه العملية الجاسوسية بكل فخر وعتزاز قائلاً: لما كان من المصلحة أن تنشر أسماء أولئك المسلمين الذين لا يفهمون، ويعتبرون الهند دار حرب في أنفسهم، ونصحاً للحكومة الإنجليزية اخترنا هذه القائمة حتى تبقى فيها أسماء من لا يعرف الحق محفوظةً عندنا كسياسة سرية. ثم استطرد قائلاً: نحن سجلنا أسماء هؤلاء الأشرار لأجل النصح السياسي لهذه الدولة المحسنة، وهذه الخرائط محفوظة عندنا كالسياسة السرية . ثم ذكر أعداد الخرائط مع أسماء هؤلاء وعناوينهم وعلاماتهم وأرسلها إلى الجهات المختصة.
 
القاديانية والهندوس
في أعقاب ضعف قبضة بريطانيا على الهند، نشأ حلف قادياني هندوسي وكان ذلك في عهد مرزا محمود ـ خليفة مرزا غلام أحمد ـ وأحس الهندوس بأهمية هذه الفرقة لهم، وقام جواهر لال نهرو ـ مع انه اشتراكي ملحد ـ بتأييدها.
وكان القاديانيون يرفضون فكرة قيام دولة إسلامية في باكستان، ويؤيدون الهند الموحدة وجعلوا ذلك هي إرادة الله، إذ يقول مرزا محمود: "إن مشيئة الله تقتضي وحدة الهند، وهي عين ما تقتضيه بعثة مرزا غلام أحمد".
وكان القادياينون يرون ضرورة الهند المتحدة، لأنهم يعتبرون أنفسهم أمة واحدة دون المسلمين، ويرون الدول الكافرة أنفع لهم من الدولة الإسلامية، وهم يفضلون فكرة الهند المتحدة على دولة باكستان المسلمة.
أسباب معارضة القاديانيين لاستقلال باكستان
لعب القاديانيون دوراً كبيراً ضد استقلال باكستان، وكان أكبر همهم هو أن يظل الاستعمار على الهند الذي كانوا يرونه رحمةً إلهيةً، وعندما بدأت شمس الاستعمار تأفل عن الهند أيد القاديانيون بشكل كامل فكرة الهند المتحدة دون فكرة إقامة دولة إسلامية، لأن الحركة القاديانية لا يكنها أن تعمل بين المسلمين إلا في ظل دولة غير إسلامية بحتة، أو أن لا تكون إسلامية على الأقل، حتى يصبح المسلمون فريسة لهم مغلوبين على أمرهم تحت قبضة الحكومة الكافرة، ويقتنصهم القاديانيون تحت رعاية الحكومة اللادينية، وأما الدولة الإسلامية فيعتبرونها أرضاً وعرةً لا تثمر فيها جهودهم المضللة، وإلى هذا أشار المرزا في كتاباته قائلاً: ولو خرجنا من هنا (أي المستعمرة البريطانية) فلا ملجأ لنا لا في مكة ولا في المدينة ولا الروم ولا الشام ولا إيران ولا كابول إلا في هذه المملكة (البريطانية) التي أدعو لها بالعزة. ثم يخاطب أتباعه قائلاً: فكروا، لو خرجتم من ظل هذه الحكومة فأين يكون مقركم؟ فكل دولة إسلامية عازمة على قتلكم لأنها تعتبركم كفاراً مرتدين.
 
خيانة القاديانيين عند وضع حدود باكستان
كانت الجماعة القاديانية تعارض تقسيم الهند كما ذكرنا وعندما أعلن بالتقسيم ـ رغم معارضتها ـ قام القاديانيون بمحاولة أخرى للإضرار بباكستان، وذلك بفصل محافظة غورداسفور. التي تقع فيها (قاديان) عن باكستان وضمها إلى الهند . وتفصيل هذا الاجمال هو أن لجنة تحديد الحدود عندما كانت تضع تخطيطاً لحدود الهند وباكستان وكان الممثلون عن حزب الشيوخ ورابطة المسلمين يقدمون إليها دعاويهم وأدلتهم، قدمت إليها الجماعة القاديانية مذكرةً خاصةً، واختارت فيها موقفاً خاصاً مخالفاً لحزب الشيوخ والرابطة وطالبت باعتبار (قاديان) ولايةً مثل الفاتيكان وذكروا في المذكرة عددهم وديانتهم وكيفيات موظفيهم المدنيين والجنود وغيرها من التفصيلات، وكانت النتيجة أن لجنة التحديد لم تستجب طلب اعتبار (قاديان) ولايةً مثل الفاتيكان غير أنها استغلت المذكرة القاديانية فأخرجت القاديانيين عن عداد المسلمين واعتبرت محافظة غورداسفور بها أقلية مسلمة بعد فصل القاديانيين، فضَّم أهم مناطقها إلى الهند، وهكذا فقدت باكستان محافظة غورداسفور بل وجدت بها الهند طريقاً للاستيلاء على كشمير وانفصلت كشمير عن باكستان .
للاستزادة:
موقف الأمة الإسلامية من القاديانية ـ نخبة من علماء باكستان بإشراف المحدث الشيخ محمد يوسف النبوري .
2 ـ الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة ـ اعداد الندوة العالمية للشباب الإسلامي .




[1] ـ لمعرفة المزيد عن عقائد وأفكار القاديانية وأماكن انتشارهم، يمكن الرجوع للعدد الثامن من الراصد، باب فرق .
[2] ـ القاديانيون يطلقون على أنفسهم اسم الأحمديين .
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: