دراسات\العدد السادس عشر - شوال 1425هـ
موقف مفكري الإسلام من الشيعة - 2 - د. مصطفي الشكعة
الأثنين 11 سبتمبر 2006
موقف مفكري الإسلام من الشيعة - 2 -
 
هذه سلسلة من البحوث كتبها مجموعة من المفكرين والباحثين عن عقيدة وحقيقة مذهب الشيعة من خلفيات متنوعة ومتعددة، نهدف من هذه السلسلة إلى بيان أن عقائد الشيعة التي تنكرها ثابتة عند كل الباحثين، ومقصد آخر هو هدم زعم الشيعة أن السلفيين أو الوهابيين هم فقط الذين يزعمون مخالفة الشيعة للإسلام.   الراصد
 
الشيعة الإمامية
من كتاب إسلام بلا مذاهب للدكتور مصطفى الشكعة
الطبعة الخامسة عشر ( 189-216 ) باختصار يسير
** الدكتور مصطفي الشكعة أستاذ الأدب و الفكر الإسلامي بجامعة عين شمس وبيروت العربية ألف كتابه هذا عام 1960 وقدم له شيخ الأزهر محمود شلتوت فقال عن الكتاب والكاتب : " إن كتاب إسلام بلا مذاهب هو محاولة من تلكم المحاولات التي اضطلع بها المصلحون أخيرا للم الشعث وتأليف القلوب وتوحيد الصف الإسلامي.
أكثر الله تعالى من أمثال الدكتور مصطفي الشكعة ممن يدعون إلي الله بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة "
وقد بلغت عدد الطبعات الشرعية للكتاب خمسة عشر طبعة لما لقيه من قبول عند الباحثين والمنصفين وبممتاز به من أدب في الطرح ووضوح في العرض وصدق في النقل.
*****
الشيعة الإمامية:
هم جمهور الشيعة الذين يعيشون بيننا هذه الأيام والشيعة الإمامية يشملون ثلثي سكان إيران تقريباً، ونصف سكان العراق، ومئات الآلاف من سكان لبنان، وبضعة ملايين في الهند، والجمهوريات الإسلامية التي تحتلها دولة روسيا. والعقيدة العامة للإمامية هي نفس عقيدة الشيعة التي ألمحنا إليها في مستهل هذا الباب، وهي إيمانهم المطلق بإمامة على بن أبي طالب إيماناً ظاهراً كاملاً ووصفه بالوصي، وانتقال الوصية إلى أبنائه من بعده.
والإمامية ليست فرقة واحدة كما قد يتبادر إلى الذهن، بل هي فرق كثيرة متعددة. كالباقرية والجعفرية الواقفة، والناووسية التي قالت بأن جعفراً الصادق حي لم يمت، ولن يموت حتى يظهر،والأفطحية الذين قالوا بإمامة عبدالله الأفطح بن جعفر الصادق، والإسماعيلية الواقفة الذين قالوا بإمامة إسماعيل، إلا أنهم اختلفوا على أنفسهم، فمنهم من قال إنه مات في حياة أبيه، ومنهم من قال إنه لم يمت، وإن أباه أظهر موته خشية أو تقية من الخلفاء العباسيين، والموسوية المفضلية الذين يقولون بإمامة موسى بن جعفر الصادق، وقد نسب إلى جعفر أنه قال في الوصاية لمن يخلفه من أبنائه: سابعكم قائمكم ألا وهو سمي صاحب التوراة، وقد سموا كذلك نسبة إلى موسى وإلى المفضل بن عمر أحد أعلام الفرقة، ومن الموسوية هؤلاء من يقول إن موسى لم يمت وسيخرج بعد الغيبة،ومنهم من سلم بموته، والإثني عشرية وهم الذين قطعوا بموت موسى الكاظم، وظلوا يؤمنون بإمامة سلالة موسى حتى الإمام محمد القائم المنتظر، وهو الثاني عشر من حيث الترتيب العددي.
على أن أشهر كل تلك الفرق الإمامية التي ذكرنا هي فرقة الإثني عشرية المعاصرة لنا والتي تعيش ـ كما ذكرنا ـ في أكثر البلدان الإسلامية، خصوصاً إيران والعراق، وهذه الفرقة نفسها يطلق عليها أيضا الجعفرية من باب تسمية العام باسم الخاص، كما يطلق عليها الإمامية من باب تسمية الخاص باسم العام كما يطلق عليها الاسم العام وهو الشيعة، فحينما نقول الشيعة الآن يتجه القصد إليهم، ولقد سموا بالإثني عشرية لأنهم يؤمنون باثنى عشر إماماً متتابعين هم: على بن أبي طالب، ثم ابنيه الحسن فالحسين، ثم على زين العابدين بن الحسين، ثم محمد بن على، ثم جعفر بن محمد، ثم موسى بن جعفر، ثم على بن موسى، ثم محمد بن على، ثم على بن محمد ثم الحسن بن على، ثم محمد بن الحسن، ولكل إمام من هؤلاء الأئمة الاثنى عشر لقب عرف به،وهذه الألقاب هي على الترتيب: علىٌ المرتضى، والحسن المجتبى، والحسين الشهيد، وعلى زين العابدين السجٌاد، ومحمد الباقر، وجعفر الصادق، وموسى الكاظم، وعلى الرضا، ومحمد الجواد التقي، وعلى الهادي النقي، والحسن العسكري الزكى، ومحمد المهدي القائم بالحجة.
فهذه الفرقة إذن تسمى الجعفرية حيناً، والإثني عشرية حيناً آخر، والإمامية حيناً ثالثاً، ولعلها من أبعد الفرق الإمامية عموماً عن الاتصاف بالغلو، إلا في حالات بعينها كما سوف نوضح فيما يستقبل من حديث.
وإذا كانت قد سميت بالجعفرية من باب تسمية العام باسم الخاص، كما مر بنا قبل قليل، فإنها سميت بذلك لأمر أهم، وهو أنها تستمد أمور دينها من فقه الإمام جعفر الصادق، فلقد كان إماماَ لجميع المسلمين بالمعنى العام، كأبي حنيفة والشافعي والأوزاعي ومالك وابن حنبل، وكان من ذوي الرأي الصائب والفتوى الصالحة في أمور الدين،فضلاَ عن أنه كان إماماًَ لدى الإمامية، له ما لبقية أئمتهم من الولاية والوصاية
لقد كان " جعفر " الذي تنتسب إليه الجعفرية ـ غزير العلم في الدين، وافر الحكمة، كامل الأدب، زاهدًا ورعًا متسامحاً بعيدًا عن الغلوٌ، ولم يكن يؤمن بالغيبة أو الرجعة أو التناسخ، كما أنه كان بعيدًا عن الاعتزال.
وكان السيد الإمام ينتسب من ناحية الأب إلى العترة النبوية المباركة، ومن ناحية الأم إلى أبي بكر الصديق، وله أقوال بالغة حد الجمال في الإيمان والصلة بالله والبعد عن التطرف، فمن أقواله: " إن الله تعالى أراد بنا شيئاً وأراد منا شيئاً، فما أراده بنا طواه عنا، وما أراده منا أظهره لنا، فما بالنا نشتغل بما أراده بنا عما أراده منا "؟ . وكان يقول في القدر: " هو أمر بين أمرين: لا جبر ولا تفويض ". ومن أقواله في الدعاء: " اللهم لك الحمد إن أطعتك، ولك الحجة إن عصيتك، لا صنع لي ولا لغيري في إحسان، ولا حجة لي ولا لغيري في إساءة "([1]).
والإمامية يزيدون على أركان الإسلام الخمسة ركناً آخر، هو الاعتقاد بالإمامة، أي أنهم يعتقدون أن الإمامة منصب إلهي كالنبوة، فكما أن الله يختار من يشاء من عباده للنبوة والرسالة، فإنه كذلك يختار للإمامة من يشاء، ويأمر نبيه بالنص عليه، وأن ينصبه إماماً للناس من بعده للقيام بالوظائف التي كان على النبي أن يقوم بها، سوى أن الإمام لا يوحى إليه كالنبي، فالنبي مبلغ عن الله والإمام مبلغ عن النبي، ويتمسك الإمامية بهذا الركن تمسكًا شديدًا لا سبيل إلى التهاون فيه.
ويعتقد الإمامية في اثنى عشر إماما متسلسلين، وهم الذين مر ذكرهم. على أن هناك من المؤرخين ـ بل من الشيعة أنفسهم ـ من ينكر وجود الإمام محمد الثاني عشر إنكاراً كلياً ويعتبره شخصية خرافية لا وجود لها.
وكل إمام سابق لا بد أن ينص على اللاحق، وهم يرون أن الإمام معصوم كالنبي عن الخطأ، والإمام دون النبي وفوق البشر([2] ).
ويرى الإمامية أن من يشاركهم من المسلمين اعتقادهم في الأئمة على هذا النحو الذي ذكرنا كانوا مؤمنين، وإذا اقتصر الاعتقاد على أركان الإسلام المعروفة دون الاعتراف بالإمامية كانوا مسلمين مؤمنين بالمعنى العام، فعدم الاعتقاد بالإمامة لا يخرجهم عن الإسلام، ولكن تتفاوت درجات المسلمين في الآخرة، الشيعة أولا ثم يأتي بقية المسلمين.
وعلى هذا الأساس تختلف الإمامية عن سائر الفرق الإسلامية بالاعتقاد في الأئمة الإثني عشرية، وهم يرون هذا الركن جوهرياً في العقيدة، وأن الله يختار الإمام بسابق علمه كما يختار النبي، فالإمامة إذن منصب إلهي، كذلك يرون أن الله سبحانه وتعالى لا يخلى الأرض من حجة على العباد من نبي أو وصيٌ ظاهر مشهور أو غائب مستور، ويروون الأحاديث الكثيرة التي يذهبون من خلالها إلى أن النبي أوصى عليٌا، وأن عليا أوصى ولده الحسن، وأن الحسن أوصى الحسين، وهكذا حتى الإمام الثاني عشر محمد القائم بالحجة، ولذلك فإنهم لا يزالون ينتظرون هذا الإمام الثاني عشر المستور لكي يظهر في أي وقت حتى يملأ الأرض عدلا.
والإثني عشرية بهذه المناسبة لا يقبلون الأحاديث من أي من الرواة أو المحدثين، بل لا بد أن تكون قد رويت عن طريق أهل البيت عن حدهم على بن أبي طالب، أما ما يرويه أبو هريرة وغيره من الحدثين الرواة فليس لأحاديثهم عند الشيعة من الاعتبار ـ على حد تعبير السيد كاشف الغطاء ـ مقدار بعوضة، ولعل هذا سبب كبير من أسباب الخلاف بين الشيعة والسنة، وتبعا لذلك فهم لا يعترفون بكبريات كتب الحديث مثل موطأ الإمام مالك، ومسند الإمام أحمد، والصحيحين، وكتب السنن الأربعة المعروفة، ولما كان الحديث هو المصدر الثاني للتشريع كان من الواضح أن تتسع الهوة نتيجة للخلاف على الرواة وتتزلزل الثقة بكل فريق.
لعل هذه المبادىء من أهم ما يفرق بين السنة والإمامية، ولكن هناك أشياء أخرى يتمثل فيها الخلاف، فبعض هذا الخلاف في العبادات، وبعضه في المعاملات،وبعض آخر في موضوعات لها خطورتها وحرجها نحاول عرضها في دقة ووضوح.
زواج المتعة:
وثمة خلاف واضح بين الشيعة ( ونعني الشيعة الإمامية ) والسنة، وهو زواج المتعة أو " عقد الانقطاع ". والزواج بهذا الشكل زواج مؤقت، والعقد فيه موقوت بأجل محدود. ولقد كان هذا الزواج معمولاً به في أيام النبي في بعض الروايات، قيل: فلما جاء عمر بن الخطاب أوقفه وحرمه، لأنه رأى فيه رأيا غير كريم، والقول الراجح أنه حرم في زمن النبي، وأن النبي صلى الله علية وسلم قد نسخه.
والإمامية ـمن بين سائر فرق الإسلام ـ قد انفردت بالقول بجواز مشروعية هذا الزواج، معتمدين على تأويل للآية الكريمة: { فما استمتعتم به منهن فأتوهن أجورهن } ويقولون: إن جماعة من عظماء الصحابة والتابعين مثل عبدالله بن عباس، وجابر بن عبدالله الأنصاري، وابن مسعود، وأبي بن كعب، وعمران بن الحصين كانوا يفتون بإباحة هذا النوع من الزواج.
وقد بقيت مشكلة زواج المتعة مثارا للخلاف حتى يومنا هذا، لا بين الشيعة والسنة وحدهم، بل بين بعض علماء السنة أنفسهم، فمنهم من يقول: إن ما شرعه الرسول لا يستطيع أن يبطله عمر، وخاصة أنه كان معمولا به في أيام الرسول وأبي بكر، وفترة من خلافه عمر، والصواب هو أن عمر لم يحرمها افتياتاً على رسول الله، ولكن لما علمه من نسخها.
الشيء المهم أن الشيعة الإمامية متمسكون بزواج المتعة حتى اليوم، ويقولون إنه قد ثبت بإجماع المسلمين أنه لا خلاف في إباحة هذا النكاح في عهد النبي بغير شبهة، وهم – يعني الشيعة - يرون أنه ضرورى للمسافر الذي يطول سفره، ففيه عصمة له،ولو أن المسلمين عملوا به على أصوله الصحيحة من العقد والعدة وحفظ النسل منها لانسدت بيوت الدعارة، وأغلقت والمواخير أبوابها، ولكثرت المواليد الطاهرة، واستراح الناس من اللقطاء، وقد وضعوا للمتعة نظاما يحفظ للولد حقه، وينسبه إلى والده، إذ لابد للمرأة بعد زواج المتعة من عدة،غير أن عدتها حيضتان، فلا يجوز لأحد أن يتمتع بامرأة تمتع بها غيره حتى تخرج من عدة ذلك الغير إلى غير ذلك من الشروط الأخرى في فقه الشيعة ([3]).
التقية:
التقية معناها المداراة، وأكثر فرق الشيعة تقول بها، كأن يحافظ الشخص على ماله وعرضه ودينه وعقيدته بالتظاهر باعتناق عقيدة لا يؤمن بها ولا يعترف بينه وبين نفسه بصحتها.
وإذن فالتقية أمر معترف به عند الشيعة، بل إن بعض فقهاء السنة يقولون بها في حالات الضرورة القصوى ([4]).
وقد كانت التقية سبباً في خروج كثير من الناس على أئمتهم من الشيعة، لأن الإمام كان يبدى رأياً في مسألة بعينها ثم لا يلبث أن يبدى رأيًا يناقضه، فإن سئل في ذلك نسب الأمر إلى " التقية ". يحكى النوبختى في كتابة " فرق الشيعة " قصة رجل اسمه عمر بن رياح زعم أنه سأل محمدًا الباقر عن مسألة بعينها فأجابه بجواب عنها، وفي عام آخر سأله عن نفس المسألة فأجابه إجابة مغايرة لإجابته الأولى، فقال عمر لمحمد: هذا خلاف ما أجبتني به في العام الماضي، فقال محمد: إن جوابنا ربما خرج على وجه التقية، فلم يقتنع الرجل بهذه الإجابة، وقابل رجلا من أصحاب الباقر اسمه محمد بن قيس وقص عليه الأمر، وأبان عن عدم اقتناعه بإجابة الإمام قائلا: علم الله أنى ما سألته عنها إلا وأنا صحيح العزم على التدين بما يفتيني به وقبوله والعمل به، فلا وجه لاتقائه إياى وهذه حالي،فقال ابن قيس: فلعله حضر من اتقاه،فقال: ما حضر مجلسه في واحدة من المسألتين غيري، وإن جوابيه خرجا على وجه التبخيت، ولم يحفظ ما أجاب به في العام الماضي فيجيب بمثله، وكانت النتيجة أن عدل الرجل عن الاعتراف بإمامة الباقر وقال: لا يكون إماما من يفتي ثقته بغير ما يجب عن الله ([5]).
وهناك أمثلة كثيرة من هذا النوع تحمل في معناها عدم الرضا والاقتناع بفكرة التقية، خصوصا أن الإمام لم يكن يناقض نفسه في مسألة بعينها، بل في مسائل كثرة، لأن الأسئلة لم تكن في يوم واحد، بل لم تكن قريبة العهد بعضها ببعض، وإنما كان السؤال يطرح في يوم بعينه فيجيب عنه الإمام إجابة بعينها ثم يطرح بعد ذلك بسنوات ويكون الإمام قد نسى إجابته الأولى التي سجلها البعض عليه، فيجيب إجابة مغايرة مختلفة، فيسأل الناس عن سبب الاختلاف فيجيب الإمام قائلا: إنما أجبنا بهذا للتقية، ولنا أن نجيب بما أحببنا وكيف شئنا، لن أذلك إلينا، ونحن،نعلم بما يصلحكم وما فيه بقاؤنا وبقاؤكم ([6]).
ويؤكد آية الله الخميني كبير علماء الشيعة وإمامهم في هذا العصر أن التقية جزء من العقيدة غير منفصل عنها فيقول: أن كل من له أقل قدر من التعقل يدرك أن حكم التقية من أحكام الإله المؤكدة، فقد جاء أن من لا تقية له لا دين له ([7]).
وليس من شك في أن التقية وهذه حالها قد شككت الكثير من المؤمنين بالتشيع في أئمتهم، وكان ينتهي الأمر باستنكارها والخروج على الإمام والشك فيه وفي دعوته.
وقد كانت التقية أحد الموضوعات التي أهمت العلامة الشيعي المعتدل الدكتور موسى الموسوي في كتابه التصحيح، فأفرد لها فصلا طويلا أوضح فيه إنكاره لها، وأنها لا تليق بالمسلم إلا في حالة واحدة لخصها الإمام الجليل محمد الباقر في كلمتين حين قال:
إنما حلت التقية ليحقن بها الدم، فإذا بلغ الدم فليس تقية.
يقول الدكتور الموسوي: لقد أراد بعض علمائنا رحمهم الله أن يدافعوا عن التقية التي يتحدث عنها علماء الشيعة، وأملتها بعض زعاماتها، وهي ليست بهذا المعنى إطلاقا، إنها تعني أن تقول شيئا وتضمر آخر، وتقوم بعمل عبادى أمام سائر الفرق الإسلامية وأنت لا تعتقد به، ثم تؤديه في بيتك بالصورة التي تعتقد بها. ولقد نفى الدكتور الموسوي أن يكون أيٌ من الأئمة قد عمل بها، ابتداء من الإمام على وانتهاء بالحسن العسكري. ويقف وقفة متأنية عند الإمام الجليل جعفر الصادق لينفي عنه هذه الظاهرة، لأن أكثر فتاوى التقية نسبت إليه، كما نسب إليه قوله بوجوبها، فالإمام جعفر لم يقل بها، ولم يكن في حاجة إليها، لأنه كان يدرس في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم وحوله آلاف من الطلاب والمستمعين، فكيف يمكن لمدرسة فقهية بهذا السعة من كثرة الطلاب والتلاميذ أن تبنى على التقية؟ وأية تقية استعملها الإمام في بناء مدرسته الفقهية التي كان يضع أساسها أمام المسلمين بصورة علنية ([8])؟.
يقول الدكتور الموسوي: إنه في الوقت الذي أصبحت فيه الحرية الفكرية والكلامية بخيرها وشرها حقا مقدساً، يعيش المجتمع الشيعي بقيادة زعاماته مغلقاً على نفسه بالتقية، يظهر شيئاً يبطن شيئاً آخر، فلا أعتقد ـ والكلام للدكتور الموسوي ـ أنه يوجد زعيم شيعي واحد في شرق الأرض وغربها يستطيع أن يعلن رأيه في كثير من البدع التي ألصقت بالمذهب الشيعي خوفاً ورهبة من الجماهير الشيعية التي دربتها تلك الزعامات على العمل بتلك البدع فأصبحت جزءاً من كيانها. ويضرب الدكتور الموسوي مثلا بالشهادة الثالثة، وهي: "أشهد أن علياً ولي الله" التي يتفق عليها علماء المذهب الشيعي بأنها بدعة لم تكن معروفة على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وحتى عهد الإمام على، ومع ذلك فلا يجرؤ واحد على أن يقرر أنها بدعة ([9]).
ويسوق الدكتور الموسوي أمثلة أخرى على التقية مستهدفاً استنكارها، ثم يختم الفصل الذي كتبه عنها قائلا:إن على الشيعة أن تجعل نصب أعينها تلك القاعدة الأخلاقية التي فرضها الإسلام على المسلمين، وهي أن المسلم لا يخادع ولا يداهن ولا يعمل إلا بالحق، ولا يقول إلا الحق ولو كان على نفسه، وليعلموا أيضاً أن ما نسبوه إلى الإمام الصادق من أنه قال: "التقية ديني ودين آبائي " إن هو إلا كذب وزور وبهتان. نعود فنقرر أن أركان الإسلام خمسة جاءت على ترتيبها طبقاً للحديث الصحيح، وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا.
وهي ـ أي أركان الإسلام ـ عند الشيعة تقدم في صيغة أخرى، وهي التوحيد والعدل والنبوة والإمامة والمعاد. وإذا كانت أركان أربعة قد أغفلت في هذه الصيغة وهي الصلاة والزكاة وصوم رمضان والحج، فإن ذلك لا يعني إنكارها، ولكن الشيء الذي يدعو إلى الانتباه هو أنهم جعلوا الإمامة ركناً من أركان الإسلام، ولهم في ذلك كلام كثير سوف نعرض له بعد قليل، كما أن لبعضهم ـ أي بعض الشيعة ـ رأياُ مغايراً سوف تقدمه أيضاً فيما يستقبل من صفحات.
تصور الشيعة للإمام والإمامة:
يعترف أئمة الشيعة ـوفي مقدمتهم آية الله الخميني ـ بأنه لم يرد نص في القرآن الكريم بشأن الإمامة، وإنما هي عقيدة فرضها العقل، ويذهب آية الله الخميني في تعبيره مذهباً غالياً حيث يقول: " إن العقل ذلك المبعوث المقرب من لدن الله الذي يعد بالنسبة للإنسان كعين ساهرة لا يستطيع أن يحكم بشيء، إما أن يقول بأنه لا حاجة لوجود الله ورسوله، وأن الأفضل أن يكون التصرف في ضوء العقل، أو أن يقول بأن الإمامة أمر مسلم به في الإسلام، أمر الله به نفسه، سواء جاء ذلك في القرآن أم لم يجئ( [10]). وهو كلام بالغ الغرابة، خاصة تلك المعادلة التي قالها آية الله الخميني بأنه إما أن توجد الإمامة وإما أنه لا حاجة إلى وجود الله ورسوله.
ويفرد آية الله الخميني في كتابه عنواناً كبيراً هذا نصه: لماذا لم يذكر القرآن اسم الإمام صراحة؟ ثم يتولى بنفسه الإجابة عن السؤال على هذا النحو: "إنه كان من الخير أن ينزّل الله آيه تؤكد كون على بن أبي طالب وأولاده أئمة من بعد النبي، إذ أن ذلك كان كفيلاً بعدم ظهور أي خلاف حول هذه المسألة" وهو قول خطير، لأن آية الله يوجه نقدا إلى المولى عز وجل، وهو ما نعيذ أي مسلم من التورط فيه، على أن الرجل لا يلبث أن يناقض نفسه قائلاً: إلا أننا على ثقة بأن الله حتى لو فعل ذلك فإن الخلاقات لم تكن لتزول، بل إن أموراً مفسدة أخرى كانت ستقع حتماُ، ويمضي آية الله الخميني في الحديث عن هذه (الأمور المفسدة ) معرضا بصحابة رسول الله r، متهماً الخلفاء الراشدين بالتزوير وتزييف القرآن الكريم فيما لو كانت نزلت فيه آيات عن الإمامة قائلا: لو كانت مسالة الإمامة قد تم تثبيتها في القرآن فإن أولئك الذين لا يعنون بالإسلام والقرآن إلا لأغراض الدنيا والرئاسة كانوا سيتخذون من القرآن وسيلة لتنفيذ أغراضهم المشبوهة، ويحذفون تلك الآيات من صفحاته، ويسقطون القرآن من أنظار العالمين إلى الأبد، ويلصقون العار ـ وإلى الأبد ـ بالمسلمين وبالقرآن، ويثبتون على القرآن ذلك العيب الذي يأخذه المسلمون على كتب اليهود والنصارى.
وعن مقام الأئمة ومنزلتهم يقول آية الله الخميني في كتاب الحكومة الإسلامية: إن للإمام مقاماُ محمودا ودرجة سامية، وخلافة تكوينية تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون، ثم يستطرد قائلاً: وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاما لا يبلغة ملك مقرب ولا نبي مرسل( [11]).
الغلو في تقديس الأئمة:
هكذا غلا آية الله الخميني في تقديس الأئمة غلواً شديداً طبقاً لما قرره في السطور السابقة من كتابه "الحكومة الإسلامية " فقد فضلهم على جميع الملائكة وجميع الأنبياء والمرسلين بغير استثناء أو تحفظ، غير أن ذلك الذي ذكره آية الله الخميني لا يعبر عن عقيدة خاصة به، وإنما هو يردد ما يعتقده كثير من صفوة علماء الشيعة، وعلى رأسهم الكليني في كتابه " الكافي " الذي يحتل عند الشيعة مكانة شبيهة بمكانة صحيح البخاري عند أهل السنة، وإذا كان المقام هنا يضيق عن اقتباس نماذج مما ورد حول قداسة الأئمة في ذلك الكتاب، فإن عناوين بعض أبواب ذلك الكتاب تفي بالغرض في هذا المقام، فمن هذه العناوين نذكر:" باب الأئمة يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل" ([12])، وباب "أن الأئمة يعلمون علم ما كان وما يكون، وأنه لا يخفى عليهم شئ "( [13])، وباب " أن الأئمة يعلمون متى يموتون، وأنهم لا يموتون إلا باختيارهم"([14])، وباب " أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة وأنهم يعلمون علمه كله " ([15])، وباب " ما عند الأئمة من آيات الأنبياء " ([16])، وباب " أن الأئمة إذا ظهر أمرهم حكموا بحكم داود وآل داود ولا يسألون البينة" ([17]).
وينقل آية الله الخميني هذا الغلو عن "شرح الكافي " وهو: "عن محمد بن سنان قال: كنت عند أبي جعفر الثاني فأجريت حديثاً عن اختلاف الشيعة، فقال: يا محمد، إن الله تعالى لم يزل متفرداً بوحدانيته، ثم خلق محمداً وعليا وفاطمة، فمكثوا ألف دهر، ثم خلق الأشياء، فأشهدهم خلقها وأجرى طاعتهم عليها، وفوض أمورها إليهم، فهم يحللون ما يشاءون ويحرمون ما يشاءون إلا أن يشاء الله تعالى" ([18]).
إن هذا الغلو قد أثار بعض علماء الشيعة المعاصرين فأنكروه إنكاراً شديداً، ورأوا أن هذا الغلو في شأن الأئمة لا يرفع من قدرهم، وإنما يسئ إليهم، من هؤلاء العلماء العلامة الفقيه الشيعي الإيراني الدكتور موسى الموسوي الذي يرد على هذا الغلو بقوله ([19]): إن بعض علمائنا قالوا: إن الإمام يعلم كل شئ، وله معرفة بكل العلوم والفنون.. ويستطرد الدكتور الموسوي قائلا: ولست أدري ما هي الفضيلة بالنسبة للإمام أن يكون مهندساً، أو ميكانيكياً، أو عالماً باللغة اليابانية، إنما الفضيلة بالنسبة للإمام أن يكون فقيهاً ورعاً ربانياً في شئون الدين، وفي هذا كل الفضل، ثم إذا كان القرآن الكريم يقول في الرسول الذي أرسله الله للناس ضياءً ونوراً في مقام نفي علم الغيب عنه:{قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون}([20]) فكيف تسوغ لنا نفوسنا أن ننسب إلى أئمتنا صفات تعلو على صفات الرسول الله e.. إنه بمحمد ختمت الرسالة وختمت المعجزات وأكمل الدين وأتمت النعمة وجاء قول الله صريحا وجليا: { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا }([21]).
ويمضي الدكتور موسى الموسوي على نهجه في مؤاخذة فقهاء المذهب ومراجعه قائلا:إن المؤسف حقا هو أن الغلو النظري مثل العملي، دخل إلى أعماق القلوب عن طريق فقهاء المذهب والمجتهدين، فالمسئولية الأولى والأخيرة تقع على عاتقهم، لأنهم هم الذين قادوا العوام على الطريق، فهناك أمور نسبتها كتب الشيعة إلى الأئمة وتبناها فقهاء المذهب، وذكرتها كتب الروايات الموثوقة عندهم مثل، ووسائل الشيعة، وغيرها من أهم الكتب والمصادر الشيعية، وفي كثير منها الغلو، وفي كثير منها الحط من قدر الأئمة ولكن بصورة غير مباشرة.
ويتحرز الدكتور الموسوي قليلا في شأن قلة من العلماء اتخذوا موقفاً منصفاً، لكنه لا يلبث أن يقرر أن الأكثرية منهم ساروا على درب الغلو من ألفه إلى يائه، ثم يذكر أهم موضوعات الغلو التي اعتمدها علماء الشيعة واعتقدوها في الأئمة وهي: العصمة، والعلم اللدنّي، والإلهام، والمعاجز. والإخبار بالغيب، والكرامات والمعجزات، وتقبيل الأضرحة، وطلب الحاجات ([22]).
الرجعة:
إن هذا الموضوع ـ موضوع الرجعة ـ هو من المعتقدات الأساسية في المذهب الشيعي ومفاده أن الأئمة الاثنى عشر سيعودون إلى الدنيا في آخر الزمان الواحد بعد الآخر لكي يحكموا الدنيا تعويضا لهم عن حرمانهم من حقهم في الحكم الذي حرموا إياه إبان حياتهم، ويكون أول إمام يرجع إلى الدنيا هو الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري الذي يمهد الأمر لآبائه وأجداده فيتولون الحكم من بعده واحداً بعد الآخر حسب التسلسل الزمني لهم، فيحكم الواحد منهم فترة من الزمن ثم يموت مرة أخرى ليتولى بعده الحكم من يليه في الترتيب، وهكذا حتى الإمام الحادى عشر الحسن العسكري وتقوم القيامة بعد ذلك.
ولقد نسبت روايات كثيرة في هذا الأمر إلى كل من الإمامين الجليلين محمد باقر وولده جعفر الصادق، منها على سبيل المثال: قال أبو عبدالله ـ يعني سيدنا جعفرا ـ ينادى باسم القائم ـ أي الإمام محمد الثاني عشر ـ في ليلة ثلاث وعشرين، ويقوم يوم عاشوراء، لكأني به في اليوم العاشر من المحرم قائماً بين الركن والمقام، جبريل عن يمينه ينادى: البيعة لله، فتسير إليه الشيعة من أطراف الأرض تطوى لهم طياً حتى يبايعوه، وقد جاء في الأثر أنه يسير من مكة حتى يأتي الكوفة، فينزل على نجفنا، ثم يفرق الجنود منها في الأمصار.
وروى الحجال عن ثعلبة عن أبى بكر الحضرمي عن سيدنا محمد الباقر قال: كأني بالقائم عليه السلام على نجف الكوفة، وسار إليها من مكة في خمسة آلاف من الملائكة، جبريل عن يمينه وميكائيل عن شماله، والمؤمنون بين يديه، وهو يفرق الجنود في البلاد.
وروى عبد الكريم الجعفى قال: قلت لأبي عبد الله (يعني سيدنا جعفرا): كم يملك القائم عليه السلام؟ قال: سبع سنين تطول حتى تكون السنة من سنيه مقدار عشر سنين من سنيكم، فتكون سنو ملكه سبعين سنة من سنيكم هذه.
وروى عبد الله بن المغيرة عن أبي عبد الله (يعني سيدنا جعفرا الصادق) عليه السلام قال: إذا قام القائم من آل محمد أقام خمسمائة من قريش فضرب أعناقهم، ثم خمسمائة أخرى حتى يفعل ذلك ست مرات. قلت ـ يعني ابن المغيرة ـ ويبلغ عدد هؤلاء هذا؟ قال جعفر الصادق: نعم، منهم ومن مواليهم ([23]).
إن الشيء الذي يدعو إلى التوقف طويلاً والتأمل كثيراً هو أن هذه الروايات منسوبة إلى إمامين عظيمين جليلين من أئمة بيت النبوة لم يعرف عنهما شيء من هذا العنف في التفكير أو التعبير، هما محمد الباقر وولده جعفر الصادق، الأمر الذي أثار ثائرة بعض علماء الشيعة أنفسهم، وفي مقدمتهم الدكتور موسى الموسوي في كتابه "الشيعة والتصحيح " الذي مرّ ذكره.
يقول العلامة الدكتور الموسوي: إن مؤلفي هذه الكتب لم يكتفوا من القول برجعة أئمة الشيعة فحسب، بل أضافوا عليها أفكاراً أخرى، وكلها مستوحاة من تلك الروايات الموضوعة، وقالوا إن الرجعة لا تشمل أئمة الشيعة وحدهم، بل تشمل غيرهم، وذكر أسماء نفر غير قليل من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم زعم الشيعة أنهم من أعداء الأئمة، وأنهم منعوهم من الوصول إلى حقهم في الحكم، كل هذا حتى يتسنى للأئمة الانتقام منهم في هذه الدنيا.
ويستطرد الدكتور الموسوي قائلا: ولو أن الذين كانوا وراء فكرة الرجعة مخلصين لأئمة الشيعة لما صوروهم بهذا المظهر الراغب في الحكم، حتى إن الله سيعيدهم إلى هذا الدنيا الفانية مرة أخرى ليحكموا فيها بعض الوقت، وهم أئمة لهم جنة عرضها كعرض السماوات والأرض أعدت للمتقين، والإمام على نفسه يقول: والله إن دنياكم هذه لأهون عندي من ورقة في فم جرادة تقضمها.
ويمضي العلامة الموسوي في النكير على فكرة الرجعة قائلا: وهذه البدعة تختلف عن البدع الأخرى التي أضيفت إلى الأفكار الشيعية حيث لم يترتب عليها تنظيم سياسي عملي أو اجتماعي أو اقتصادي، اللهم إلا شيء واحد قد يكون هو السبب في اختلاق فكرة الرجعة، وهو استكمال العداء وتمزيق الصف الإسلامي بمثل هذه الخزعبلات التي دونت وقيلت في انتقام الأئمة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ([24]).
هل الإمام الثاني عشر شخصية حقيقية:
إنه مما يجعل من قضية رجعة الأئمة إلى الحياة قضية تستدعي الأناة والمراجعة هو ذلك الكلام الكثير الذي يجرى حول ما إذا كان الإمام محمد الثاني عشر شخصية حقيقية أم أنه شخصية وهمية، ذلك أن الإمام الثاني عشر هو أول الأئمة رجوعا إلى الدنيا، يخرج من السرداب الذي اختفى فيه في مدينة سامرا ليحكم المسلمين وينشر العدل في أرجاء الأرض، ويمهد لآبائه وأجداده الأحد عشر لكي يرجعوا أو يبعثوا من جديد، يتولى كل واحد منهم بالتسلسل حكم المسلمين على النحو الذي ذكرناه قبل قليل، فإذا ما كان هذا الإمام شخصية وهمية انهارت قضية الرجعة من أولها إلى آخرها.
إن الحقيقة الراجحة عند جمهرة المؤرخين المسلمين أن الإمام الحسن العسكري ـ الإمام الحادي عشر ـ قد مات عن غير ولد له، إذ أن للعلويين سجل مواليد يقوم عليه نقيب، بحيث لا يولد لهم مولود إلا سجل فيه، وهذا السجل لم يسجل فيه للحسن العسكري ولد، ويشيع بين كثير من العلويين المعاصرين أن الحسن العسكري مات عقيماً، فإذا صحت هذه الأخبار يكون المعني أن شخصية الإمام الثاني عشر شخصية غير حقيقية، وإنما اخترعها من اخترعوا غيرها من الموضوعات الشيعية التي ينكرها كثير من كبار عقلاء علماء الشيعة، فإذا ما كان الأمر على هذا النحو من الحقيقة انهارت عقيدة الرجعة من أولها إلى آخرها.
زيارة قبور الأئمة ثوابها الجنة!!!
يعتقد الشيعة بأن من يزور قبور أئمتهم أو يسهم في بنائها ينال ألواناً من الثواب لا نهاية لها ولا آخر، إن هؤلاء الزوار مشمولون بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإن الزائر يصيبه ثواب سبعين حجة غير الإسلام وتمحى خطاياه.
إن آية الله الخميني يورد في كتاب "كشف الأسرار " هذه الرواية منسوبة إلى الإمام جعفر، وهذا نصها ([25]): " ينقل الشيخ الطوسي عن أبي عامر قوله: إنني ذهبت إلى الصادق ـ يعني الإمام جعفرا ـ وسألته: ما هو أجر من يزور أمير المؤمنين ويبني قبره؟ فرد على سؤالي قائلا: يا أبا عامر، لقد روى أبي عن جده الحسين بن على بأن الرسول قال لأبي: إنك ستنتقل إلى العراق وتدفن في أرضه. فقال: يا رسول الله، وما هو أجرمن يزور قبورنا ويقيمها ويجدد العهد معها؟ فقال: يا أبا الحسن، إن الله جعل قبرك وقبور أولادك بقعة من بقاع الجنة وصحناً من صحونها، وإن الله أدخل في قلوب المختارين من خلقه حبكم، وجعلهم يتحملون الأذى والذل من أجلكم، ويقومون بإعادة بناء قبوركم ويأتون لزيارتكم تقربا إلى الله وزلفى إلى رسوله، وهؤلاء مشمولون بشفاعتي يا علىّ... إن من يبني قبوركم ويأتي إلى زيارتها يكون كمن شارك سليمان بن داود في بناء القدس، ومن يزور قبوركم يصيبه ثواب سبعين حجة غير حجة الإسلام، وتمحى خطاياه، ويصبح كمن ولدته أمه تواً. إنني أبشرك بذلك، وبشر أنت محبيك بهذه النعمة التي لم ترها عين، ولم تسمع بها أذن، ولم تطرأ على بال أحد. ألا إن هناك توافه من الناس يلومون زائري قبوركم كما يلومون المرأة الزانية. إن هؤلاء هم أشرار أمتي، والله لا يشملهم بشفاعتي".
ومن زيارة قبور الأئمة وبنائها ينتقل آية الله الخميني إلى الحديث عن تربة كربلاء حيث قبر الإمام الحسين رضي الله عنه، إن طلب الشفاء منها أمر لا حرمة فيه ولا حرج، ويرى أن لها خاصية ليست لأحد، حتى قبر النبي نفسه. يقول آية الله الخميني في كتابه " تحرير الوسيلة": "إن هذه التربة ـ أي تربة كربلاء ـ تخرق الحجب السبع، وترتفع على الأرضين السبع، وهذه الخاصية ليست لأحد حتى قبر النبي ([26]). والشيء نفسه يذكره الخميني عن التربة الحيدرية أو أرض النجف.
ومن العادات المعروفة أن الشيعة يقيمون مجالس للعزاء في شهر المحرم من كل عام، وأن آية الله الخميني لا يحب أن يترك هذه العادة حتى يجعل لها أصولا دينية وغايات مذهبية، ولا بأس عنده في أن ينال من صحابة رسول الله في سياق حديثة عن هذا الموضوع.
يقول آية الله الخميني: "إن مجالس العزاء تقام لدى الشيعة في كل مكان، ومع ما في هذه المجالس من نقص إلا أنها تروج تعاليم الدين وأخلاقياته، وتشيع الفضيلة ومكارم الأخلاق والدين الإلهي، والقانون السماوي المتمثل بالمذهب الشيعي المقدس الذي يدين به أتباع علىّ عليه السلام ".
ويمضي آية الله الخميني في التحدث عن فضل مجالس العزاء، ولكنه في سياق حديثه لا يلبث أن يعرض بأهل السنة ويطلق عليهم أصحاب المذاهب الباطلة التي وضعت لبناتها في سقيفة بني ساعدة قائلا: " ولولا ذلك ـ يعني لولا مجالس العزاء ـ لكان الشيعة في عزلة تامة، ولولا هذه المؤسسات الدينية الكبرى ـ يعني نفس المجالس ـ لما كان هناك الآن أي أثر للدين الحقيقي المتمثل في المذهب الشيعي، وكانت المذاهب الباطلة التي وضعت لبناتها في سقيفة بني ساعدة وهدفها اجتثاث جذور الدين الحقيقي تحتل الآن مواضع الحق ([27]).
" وعندما رأى رب العالمين أن مغامرى صدر الإسلام قد زعزعوا بنيان الدين دفع بعدد من أعوان الحسين بن على الباقين لكي يعملوا على توعية الناس ويقيموا مجالس العزاء".
وأما عن الزيارة فيقرر آية الله الخميني. " أن ثواب الزيارة أو إقامة التعزية تعادل ثواب ألف نبي أو شهيد ".
تحريف المصحف:
هناك إجماع من المسلمين والمشتغلين بالعلوم الإسلامية من غير المسلمين أن الكتاب السماوي الوحيد الذي سلم من التحريف والتبديل والزيادة والحذف هو القرآن الكريم، ونحن المسلمين نلتزم بهذا الاعتقاد ونقتنع به اقتناع عقل وعقيدة، فالله سبحانه قد أخذ على نفسه عهداً بالمحافظة عليه في قوله تعالى:{إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون }.
غير أن المتابع لفكر جمهرة علماء الشيعة يرى غير ذلك، ويقرأ شيئاً عجباً في كتبهم، والذين لم يقولوا بتحريفه من هؤلاء قالوا بإمكان حدوث ذلك، إن آية الله الخميني في سياق الحديث عن حكمة عدم النص في القرآن الكريم على أن الإمامة وظيفة إلهية, وفي مسيرة حملته على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في فقرة سبق أن أوردناها: " لو كانت مسألة الإمامة قد تم تثبيتها في القرآن، فإن أولئك الذين لا يعنون بالإسلام والقرآن إلا لأغراض الدنيا والرئاسة كانوا سيتخذون من القرآن وسيلة لتنفيذ أغراضهم المشبوهة، ويحذفون تلك الآيات من صفحاته ويسقطون القرآن من أنظار العالمين إلى الأبد" ([28]).
وفي موضع آخر من كتاب " كشف الأسرار " في أمر يتصل أيضا بالإمامة يصوغ آية الله الخميني فكرته في أسلوب يوحى إيحاءً مباشراً بأن القرآن من صنع محمد، وما دام الأمر كذلك، ومحمد بشر، فإنه من الممكن أن يتعرض القرآن للتحريف. يقول آية الله الخميني ما نصه: " إن النبي أحجم عن التطرق إلى الإمامة في القرآن لخشية أن يصاب القرآن من بعده بالتحريف، أو تشتد الخلافات بين المسلمين فيؤثر ذلك على الإسلام ([29]).
إن آية الله الخميني يقول بترجيح تحريف القرآن بسبب النص على أن الإمامة وظيفة إلهية كالنبوة، ويوحى في موقع آخر بأن القرآن من صنع النبي، وهما بادرتان لهما خطرهما، لأنهما صادرتان من أكبر مرجع ديني شيعي في هذين العقدين من الزمان، ويبقى أن نتساءل بعد ذلك: هل لما قاله آية الله الخميني جذور في أصول المذهب؟ إن الدراسة والمتابعة تشيران إلى الإجابة بالإيجاب، ذلك أن الكليني يذكر في كتابه "الكافي" ـ وقد سلف أن ذكرنا أن هذا الكتاب عند الشيعة بمنزلة البخاري عند أهل السنة ـ أن جابراً الجعفي قال: "سمعت أبا جعفر عليه السلام ـ يعني الإمام الباقر ـ يقول: ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أنزل إلا كذاب، وما جمعه وحفظه كما أنزل إلا على بن أبي طالب والصحابة من بعده" ([30]).
ومن الأخبار المعتمدة عن جابر الجعفي هذا أنه كان كذاباً، وحين تحدث الإمام أبو حنيفة النعمان، وهو الإمام الأعظم، وأحد تلاميذ الإمام جعفر، وصاحب الحوار المشهور في شأن القياس مع الإمام محمد الباقر، نقول: إن الإمام أبا حنيفة حين تحدث عن الصدق والكذب عند الرواة قال: ما رأيت فيمن رأيت أفضل من عطاء، ولا أكذب من جابر الجعفي.
إن منطق الأخبار يكذب جابراً، وبالتالي يكذب رواية الكليني عنه فيما عزاه إلى سيدنا محمد الباقر، بدليل أن علياً كرم الله وجهه لم يكن يعمل في مدة خلافته وهو بالكوفة إلا بمصحف سيدنا عثمان الذي هو بين أيدينا الآن، ولو كان عند سيدنا علىّ غيره ـ وهو خليفة حاكم ـ لعمل به، ولأمر المسلمين بالعمل به وتعميمه ولو كان عنده مصحف غيره وكتمه عن المسلمين لكان خائناً لله ولرسوله وللمؤمنين، وحاشا أن يكون سيدنا على كذلك. هذا هو رد أهل السنة على فرية جابر في حديثه إلى الكليني، وفي كذب كليهما على سيدنا محمد الباقر.
هذا ما كان من أمر كذب الكليني على سيدنا محمد الباقر. بقي أن نذكر كذبة أكبر وأخطر اقترفها الكليني في حق سيدنا جعفر وسيدتنا الطاهرة البتول فاطمة الزهراء بنت سيد الخلق والبشر. يزعم الكليني أن سيدنا جعفراً الصادق قال لأبي بصير: " وإن عندنا لمصحف فاطمة عليها السلام، قال: وما مصحف فاطمة؟ قال الإمام: مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد " ([31]).
ويلح بعض علماء الشيعة إلحاحًا شديدًا على ما تصوره من تحريف القرآن الكريم. إن واحداً من كبار علماء النجف في نهاية القرن الثالث عشر وبداية القرن الرابع عشر، هو الحاج ميرزا حسين بن محمد تقي النورى الطبرسي ألف كتاباً سنة 1292 هـ أسماه "فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب"، ملأه بالأكاذيب حول زيادات زعمها أُضيفت إلى القرآن، وآيات حُذفت منه، ولما واجهه علماء الشيعة بالنقد والاعتراض عاد فألف كتاباً آخر يرد فيه على اعتراضاتهم وأسماه " رد بعض الشبهات عن فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب ".
وقد ضم الكتاب بعض الزيادات من تلفيق المؤلف، فصنع سورة أسماها سورة ولاية على، ونسبها إلى الله سبحانه يقول فيها: يا أيها الذين آمنوا بالنبي والولي اللذين بعثناهما يهديانكم إلى الصراط المستقيم.. الخ.
إننا لا نحب الإطالة في هذا الموضوع إجلالا لكتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولكن الأمر الذي لا شك فيه أن فريقاً من الشيعية يعتقد بالتحريف في القرآن الكريم بالزيادة والنقصان، كقولهم إن آية " وجعلنا علياً صهرك" قد أسقطت من سورة "الشرح" مع أن السورة مكية، ولم يكن علىّ قد أصهر إلى الرسول بعد، كما أن البعض يزعم أن هنالك قرآنين لا قرآناً واحداً، وهي مزاعم ينكرها كثير من عقلاء الشيعة وعلمائهم، وفي مقدمة هؤلاء جميعا العلامة الدكتور الموسوي الذي يقول: إن كل ما قيل وذكر في الكتب الشيعية عن مصحف الإمام على ليس أكثر من إضفاء هالة من الغلو على شخصية الإمام علىّ، حسب زعم الذين كانوا وراء وضع هذه الأساطير، وإثبات أن الإمام علياً أحق بخلافة الرسول من غيره، ولكنهم في الحقيقة أساءوا إلى الإمام، فأعلنوا أنه يخفي أحكاماً إلهية فيها حدوده وحلاله وحرامه وكل ما تحتاج إليه الأمة إلى يوم القيامة. ويمضي الدكتور الموسوي قائلا: إن بعض علماء الشيعة تحدث في كتبه عن مصحف فاطمة مضافاً إلى مصحف على، ويعقب الدكتور الموسوي بأن موقفه من هذا الرأي هو الرأي نفسه في مصحف علىّ ([32]).
شتم الصحابة:
من الأمور التي تدعو كثيراً إلى الحزن والأسى ما درج عليه بعض علماء الشيعة وكبارهم من شتم صحابة رسول الله وسبهم بأقذع النعوت، وفي مقدمتهم أبو بكر وعمر وعثمان وأمهات المؤمنين عائشة وحفصة.
إن آية الله المامقاني يصف أبا بكر الصديق بالجبت، ويصف الفاروق بالطاغوت ([33]) وهذه الألفاظ من الشتم والسبّ لكل من الصديق والفاروق يرددها بعض الشيعة الإمامية في دعاء لهم يسمى دعاء صنمي قريش، وهذا الدعاء مسطور في كتاب "مفتاح الجنان" الذي هو عندهم بمنزلة كتاب دلائل الخيرات عند عامة المسلمين، ومنه قولهم: "اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد والعن صنمي قريش وجبتيهما وطاغوتيهما وابنتيهما" ([34]).
إن الابنتين المقصودتين اللتين يلعنهما الدعاء سالف الذكر هما بطبيعة الحال أم المؤمنين عائشة وأم المؤمنين حفصة.
وآية الله الخميني ـ كبير مراجع الشيعة وعلمائها ـ ليس بعيداً عن هذا الاتجاه المؤسف، ففي مجال حديثه عن الإمامة يقول: والنبي لم يقل شيئاً بشأن مسألة ذات صلة ببقاء أسس الدعوة والنبوة وثبات دعائم التوحيد والعدالة وترك الدين والمبادئ الإلهية لعبة في أيدي حفنة من القراصنة الوقحين، فإنه سيكون هدفاً لاعتراض علماء العالم وانتقادهم، وسوف لا يعترف بنبوته وعدله([35]).
إن آية الله الخميني يصف صحابة رسول الله بأنهم قراصنة وقحون، بل إنه بهذه الصيغة من التعبير يتجاوز صحابة رسول الله إلى نفسه بالإساءة والتخلي عن أدب الخطاب.
يمضي آية الله الخميني في إطار أسلوب يتسم بالعنف الشديد فيقول: إننا لا نعبد إلهاً يقيم بناءً شامخاً للعبادة والعدالة والتدين، ثم يقوم بهدمه بنفسه ويجلس معاوية وعثمان وسواهم من العتاة في مواقع الإمارة على الناس، ولا يقوم بتقرير مصير الأمة بعد وفاة نبيه([36]).
إن هذا العنف في مخاطبة رب العزة، وفي وصف معاوية وذي النورين عثمان صهر الرسول بكونهما من العتاة غني عن التعليق.
وفي زحام حملة آية الله الخميني على الراشدين الأولين أبو بكر وعمر يقول: إننا هنا لا شأن لنا بالشيخين وما قاما به من مخالفات للقرآن، ومن تلاعب بأحكام الإله، وما حللاه و حرماه من عندهما، وما مارساه من ظلم ضد فاطمة ابنة النبي صلى الله عليه وسلم وضد أولاده، ولكننا نشير إلى جهلهما بأحكام الإله والدين.
إننا نعترف بأن هذا التجاوز الشديد في سبّ صحابة رسول الله لا يصدر عن جميع الشيعة وإنما عن قلة منهم، ومن بين هذه القلة كبير علمائهم في هذا الزمان. إننا نعرف أن الشيخ حسين كاشف الغطاء، والشيخ محمد جواد مغنية، والسيد موسى الصدر، وغيرهم من علماء الشيعة المعاصرين، قد نزهوا فكرهم وأقلامهم عن التردي فيما تردى غيرهم من سب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي ذلك يقول الدكتور موسى الموسوي: إن الاختلاف في الرأي بين الشيعة والسنة اتخذ طابعاً حاداً وعنيفاً عندما بدأت الشيعة تجرح الخلفاء الراشدين وبعض أمهات المؤمنين بعبارات قاسية وعنيفة لا تليق بأن تصدر من مسلم في حق مسلم، ناهيك أن تصدر من فرقة إسلامية نحو صحابة الرسول وأزواجه اللاتي لقبهن الله بأمهات المؤمنين([37]).
سيدنا علىّ والخلافة:
لم يؤثر عن الإمام على كرم الله وجهه أنه ذهب إلى تقديس الخلافة، أو أنه جعل الإمامة ركناً من أركان العقيدة، ولكن الذي أثر عنه ـ طبقاً للمصادر الإسلامية من شيعية وغير شيعية ـ أنه كان زاهداً فيها، غير حريص عليها، هذا فضلا عن حبه للخلفاء الراشدين الذين سبقوه، ومودته لهم، وإصهاره إليهم، ورثائه إياهم عندما توفوا إلى رحمة الله.
يروى ابن أبي الحديد هذا القول للإمام علىّ في الخلافة: "دعوني والتمسوا غيري فإنا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان، واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب، وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلى أسمعكم وأطيعكم لمن وليتموه أمركم، وأنا لكم وزيراً خير لكم مني أميراً" ([38]).
وفي كلمات أخرى يرويها ابن الحديد عن سيدنا علىّ قوله: " والله ما كانت لي في الخلافة رغبة، ولا في الولاية إربة، ولكنكم دعوتموني إليها وحملتموني عليها، فلما أفضت إلىٌّ نظرت إلي كتاب الله وما وضع لنا، وما أمرنا بالحكم به فاتبعته، وما يستسن النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله فاقتديته" ([39]).
وهكذا تحمل سيدنا على أمانة الخلافة استجابة لطلب المسلمين، ولم يخطر بباله أنها منصب إلهي أو ركن من أركان العقيدة الإسلامية، إن الدكتور الشيعي المجتهد موسى الموسوي يرى أن علياً أولى بالخلافة ـ وليس بالإمامة على الصورة التي رسمها الشيعة المتأخرون زماناً ـ ولكن المسلمين بايعوا الخلفاء الراشدين، وعلىّ بايعهم، ثم بايع المسلمون عليّا بعد عثمان، فلا غبار على شرعية خلافة الخلفاء الراشدين من أبي بكر إلى علىّ ([40]).
ويمضي المجتهد الإيراني الشيعي الدكتور موسى الموسوي في القول بان الإمام عليا كان يؤكد على شرعية بيعة الخلفاء الراشدين قائلا: إن هناك فرقاً كبيراً بين أن يعتقد الإمام علىّ والذين كانوا معه أنه أولى بخلافة رسول الله من غيره ولكن المسلمين اختاروا غيره، وبين أن يعتقد أن الخلافة حقه الإلهي ولكنها اغتصبت منه، ثم يقول: والآن فلنسمع إلى الإمام علىّ وهو يحدثنا عن هذا الأمر بكل وضوح وصراحة، ويؤكد شرعية انتخاب الخلفاء، وعدم وجود نص سماوي في أمر الخلافة، ويردد قولا للإمام ـ ذكره ابن أبي الحديد ـ وهو: "إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان، على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان ذلك لله رضى، فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردّوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين" ([41]). وفي موضع آخر من كتابه "التصحيح" يعود الدكتور المجتهد الشيعي موسى الموسوي ليؤكد على شرعية الخلفاء الراشدين وبيعة الإمام علىّ لهم قائلا: إذا كانت الخلافة بنصّ سماوي، وكان هذا النص في علىٍّ، هل كان بإمكان الإمام أن يغض النظر عن هذا النص ويبايع الخلفاء ويرضخ لأمر لم يكن من حقهم؟( [42]).
رأي الإمام علىّ في الخلفاء الراشدين:
كان الإمام على شديد الحب للخلفاء الراشدين، كثير التعاون معهم في دراسة مشاكل المسلمين، وتحمل مسئولية الحكم إبان أسفارهم، وكانوا يندبونه إلى ذلك، ولعل أبلغ ما يمكن أن يصور مكانة أبي بكر في قلب الإمام علىّ، هي خطبة الإمام حين وقف على بابه يخاطبه يوم وفاته قائلا: "رحمك الله يا أبا بكر، كنت أول القوم إسلاماً، وأخلصهم إيماناً، وأشدهم يقيناً، وأعظمهم غناءً، وأحفظهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنسبهم برسول الله خلقاً وفضلاً وهدياً وسمتاً، فجزاك الله عن الإسلام وعن رسول الله وعن المسلمين خيراً. صدّقت رسول الله حين كذبه الناس، وواسيته حين بخلوا، وقمت معه حين قعدوا، وأسماك الله في كتابه صديقاً، {والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون}، يريد محمداً ويريدك. وكنت والله للإسلام حصناً وعلى الكافرين عذاباً، لم تقلل حجتك، ولم تضعف بصيرتك، ولم تجبن نفسك، وكنت كالجبل الذي لا تحركه العواصف، كنت ـ كما قال رسول الله ـ ضعيفاً في بدنك، قوياً في أمر الله، ولم يكن لأحد عندك مطمع، ولا لأحد عندك هوادة، فالقوي عندك ضعيف حتى تأخذ الحق منه، والضعيف عندك قوي حتى تأخذ الحق له، فلا حرمنا الله أجرك ولا أضلنا بعدك".
هذا هو رثاء أمير المؤمنين علىّ لأمير المؤمنين أبي بكر، أو بالأحرى هذا رأيه فيه، وتلك دمعة سكبها لفراقه، أفمثل هذا الذي رثاه سيدنا علىّ بهذه المعاني يمكن لأتباع سيدنا على أن يرموه بالكفر والردة، وأن يصفوه بالجبت والطاغوت؟ والرأي نفسه قاله أمير المؤمنين علىّ في عمر وعثمان، وهو كلام جميل كله صدق وأدب، وهو كلام موثق لا كذب فيه ولا تلفيق.
إن المجتهد الدكتور الموسوي يستعرض الكثير من هذه المواقف ويرددها ثم يقول: لا يجوز تجريح الخلفاء وذمهم بالكلام البذيء الذي يجده في أكثر كتب الشيعة، الكلام الذي يغاير كل الموازين الإسلامية والأخلاقية، ويناقض كلام الإمام علىّ ومدحه وتمجيده في حقهم، ويجب على الشيعة أن تحترم الخلفاء الراشدين، وتقدر منزلتهم من الرسول، فالنبي صاهر أبا بكر وعمر، وعثمان صاهر النبي مرتين، وعمر ابن الخطاب صاهر علياً وتزوج من ابنته أم كثوم.
ويستطرد المجتهد الشيعي الجليل قائلا: ولا أطلب من الشيعة في هذه الدعوة التصحيحية أن تقول وتعتقد في الخلفاء الثلاثة الذين سبقوا الإمام عليًّا أكثر مما قاله الإمام في حقهم، فلو التزمت الشيعة بعمل الإمام علىّ لانتهى الخلاف، وساد الأمة اٌلإسلامية سلام فكري عميق فيه ضمان الوحدة الإسلامية الكبرى ([43]).
هذا كلام عالم شيعي مجتهد جليل، يشاركه في رأيه في هذا الموضوع كثير من علماء الشيعة وأعيانهم المعاصرين الذين تربطنا بكثير منهم روابط من الود والمحبة.
وإذا كان العالم المجتهد الدكتور الموسوي قد فصل الأمر في علاقات الحب والاحترام المتبادل بين الإمام على والخلفاء الراشدين السابقين عليه، فإننا نضيف إلى قوله إن الإمام عليًّا لشدة تعلقه بالخلفاء الراشدين الثلاثة الذين سبقوه قد سمى ثلاثة من أبنائه بأسمائهم، فلقد سمى أحد أولاده أبا بكر، وسمى ولداً ثانياً عمر، وسمى ولداً ثالثً عثمان، وهذه قرينة كبرى على حب سيدنا علىّ لإخوانه الراشدين صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الإمامة كمنصب إلهى قضية اخترعت في زمن متأخر:
هذا العنوان الجانبي الطويل ليس من عندي، فإنه من الوضوح بمكان أنني لم أشترك في هذا الموضوع وغيره من موضوعات المذاهب الإسلامية كطرف مباشر، ولكني أستنطق الوثائق والأحداث والأشخاص، وقد حرصت في هذا الباب أن يكون الحوار في شئون المذهب بين الشيعة وبين أنفسهم.
إن العالم المجتهد موسى الموسوي يلغي مبدأ أن الإمامة منصب ديني سماوي إلغاءً تاما ويقول ما نصه: " فحتى في أوائل القرن الرابع الهجري، وهو عصر الغيبة الكبرى، لا نجد أي أثر لفكرة اغتصاب الخلافة من الإمام علىّ، أو أنها حق إلهي اغتصب منه، أو أن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتركوا أو ساهموا في هذا الأمر، وهكذا تغيرت فكرة الأولوية بخلافة علىّ إلى فكرة الخلافة الإلهية ومخالفة النص الإلهي" ([44]).
وتبعاً لذلك يستطرد المجتهد الشيعي الدكتور الموسوي قائلا: إذا كانت الإمامة إلهية كما تذهب الشيعة، وأنها في أولاد علىّ حتى الإمام الثاني عشر، لعيّن الإمام علىّ ابنه الحسن خليفة وإماماً من بعده، وهو ما لم يحدث، فقد اتفق الرواة والمؤرخون على أن الإمام عندما كان على فراش الموت بعد أن ضربه ابن ملجم المرادى بالسيف المسموم وسئل عن الشخص الذي يستخلفه قال: أترككم كما ترككم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبعد وفاة الإمام اجتمع المسلمون واختاروا ابنه الحسن وبايعوه خليفة على المسلمين، ولكن الإمام الحسن صالح معاوية وتنازل له عن الخلافة، فهل يا ترى لو كانت الخلافة منصباً إلهياً هل كان يستطيع الإمام الحسن أن يتنازل عنه بذريعة حقن دماء المسلمين ([45])؟.
ويستشهد الدكتور الموسوي بمواقف لأئمة آخرين، مرموقين كعلي بن الحسين، ومحمد الباقر، وجعفر الصادق فيقول: إننا لم نجد في أقوال الإمام على بن الحسين الملقب بالسجاد أية عبارة تدل على كون الخلافة إلهية، وبعد السجاد يأتي دور الإمام محمد الباقر، والذي في عهده بدأ يتبلور مذهب أهل البيت الفقهي، الذي أكمله ابنه الإمام جعفر الصادق، فنحن ـ والكلام للدكتور الموسوي ـ لا نجد أثراُ لفكرة الخلافة الإلهية في عهدهما، ولا في عهد أئمة الشيعة الأخرى حتى الغيبة الكبرى( [46]).
هكذا ينفي بعض علماء الشيعة الكبار المبدأ الذي اخترعه فريق من الشيعة، وهو القول بأن الإمامة منصب إلهي، وأنها إحدى دعائم الإسلام، هذه القضية التي فرقت شمل المسلمين، وبددت جهودهم، وجعلتهم فرقاً متنافرة متحاربة، بعد أن كانوا إخوة متحابين، أشداء على الكفار رحماء بينهم.
 
 




[1] ـ الملل والنحل 1/ 147
[2] ـ كاشف الغطاء: أصل الشيعة ص 102
[3] - لكن ثبت باليقين أن أعداد جرائم الزنا وأولاد الرذيلة تضاعفت في إيران لما روج أصحاب العمائمم للمتعة، ويمكن العودة لكتاب شهلة الحائري " المتعة حالة إيران 1978 – 1982 " لمعرفة المزيد من المخازي. أما الشروط فلا وجود لها في الواقع فضلا عن فتاوى السادة التي تتجاوزها.   الراصد.
[4] - أحمد أمين: فجر الإسلام 274 الهامش.
[5] - فرق الشيعة 52، 53.
[6] - المصدر السابق 56.
[7] - كشف الأسرار صفحة 148.
[8] - الشيعة والتصحيح صفحة 55.
[9] ـ المصدر السابق صفحة 57.
[10] ـ كشف الأسرار، تأليف آية الله الخميني، ترجمة الدكتور محمد البندارى صفحة 54.
[11] ـ الحكومة الإسلامية صفحة 54.
[12] ـ الكافي صفحة 255.
[13] ـ الكافي صفحة 258.
[14] ـ الكافي صفحة 260.
[15] ـ الكافي صفحة 228.
[16] ـ الكافي صفحة 231.
[17] ـ الكافي صفحة 397.
[18] ـ كشف الأسرار صفحة 92 وهو الحديث الخامس من كتاب " مرآة العقول " في شرح " الكافي " صفحة 354.
[19] ـ الشيعة والتصحيح صفحة 82 وما بعدها.
[20] ـ الأعراف الآية 188.
[21] ـالمائدة الآية 3.
[22] ـ الشيعة والتصحيح صفحة 83، 84.
[23] ـ كتاب الإرشاد في تاريخ حجج الله على العباد لأبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان المشهور بالشيخ المفيد، صفحات 398 ـ 402 طبعة حجر ـ إيران
[24] ـ الشيعة والتصحيح صفحة 142ـ 143.
[25] ـ كشف الأسرار صفحة 8.
[26] ـ تحرير الوسيلة الجزء الأول صفحة 141.
[27] ـ كشف الأسرار صفحة 192، 193.
[28] ـ كشف الأسرار صفحة 130.
[29] ـ المصدر السابق صفحة 149.
[30] ـ الكافي صفحة 228 طبعة سنة 1381هـ.
[31] ـ المصدر السابق 238.
[32] ـ الشيعة والتصحيح صفحة 134 ـ 136.
[33] ـ تنقيح المقال في أحول الرجال لآيه الله المامقاني 1/ 207 المطبعة المرتضوية بالنجف 1353هـ.
[34] ـ مفتاح الجنان صفحة 114.
[35] ـ كشف الأسرار صفحة 123.
[36] ـ المصدر السابق صفحة 123، 124.
[37] ـ الشيعة والتصحيح صفحة 10.
[38] ـ نهج البلاغة 1/182.
[39] ـ المصدر السابق 2/ 184.
[40] ـ الشيعة والتصحيح صفحة 14.
[41] ـ الشيعة والتصحيح صفحة 19، 20.
[42] ـ المصدر السابق صفحة 35.
[43] ـ الشيعة والتصحيح صفحة 47، 48.
[44] ـ الشيعة والتصحيح صفحة 38.
[45] ـ المصدر السابق صفحة 44، 45.
[46] ـ المصدر السابق صفحة 45.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: