سطور من الذاكرة\العدد التاسع عشر - محرم 1426هـ
استشهاد الحسين رضي الله عنه في عاشوراء
الجمعة 1 سبتمبر 2006
استشهاد الحسين رضي الله عنه في عاشوراء
 
عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر الله المحرم وقد اتفق العلماء على استحباب صيامه، فقد جاء في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وجد اليهود يصومونه، فقال لهم: ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ قالوا: يوم عظيم نجّى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكراً لله فنحن نصومه، فقال صلى الله عليه وسلم: فنحن أحق وأولى بموسى منكم، فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه.
ومخالفة لليهود، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بصيام اليوم الذي يسبقه (التاسع) معه، وقد كان صيام عاشوراء في أول العهد المدني واجبا ثم فرض الله صيام رمضان فصار صيام عاشوراء سنة مستحبة.
وصيام يوم عاشوراء أجره عظيم فقد قال صلى الله عليه وسلم: "أحتسب عند الله أن يكفر السنة التي قبله". ومن قدر الله أن يكون مقتل الإمام الحسين بن علي رضي الله عنهما في هذا اليوم، ففي العاشر من المحرم سنة 61هـ استشهد الحسين رضي الله عنه، وفجعت الأمة بفقد حفيد النبي صلى الله عليه وسلم وريحانته وسيد شباب أهل الجنة، وابن فاطمة سيدة نساء العالمين. الحسين الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم وفي أخيه الحسن رضي الله عنه: اللهم إني أحبهما فأحبهما.
تبدأ الأحداث بتولي يزيد بن معاوية الخلافة سنة 60 هـ، بوصية من والده، وهو الأمر الذي رفضه الإمام الحسين، ورفض رضي الله عنه مبايعة يزيد، واتجه من المدينة إلى مكة، وهناك أخذت تصل إليه الكتب من أهل العراق ليبايعوه ويطلبوا منه القدوم إلى الكوفة، وبلغ عدد الكتب المئات بل إن محمد كاظم القزويني يذكر في "فاجعة الطف" أنه اجتمع عند الحسين اثنا عشر ألف كتاب من أهل العراق وكلها مضمون واحد كتبوا إليه: قد أينعت الثمار واخضر الجنان وإنما تقدم على جند لك مجند. إن لك في الكوفة مئة ألف سيف. إذا لم تقدم إلينا فإنا خصمك غداً بين يدي الله .
 عند ذلك أرسل الحسين رضي الله عنه ابن عمه مسلم بن عقيل ليتقصى الأمور هناك، فلما وصل مسلم إلى الكوفة علم أن الناس هناك لا يريدون يزيد بل يريدون الحسين، ثم جاء الناس أرتالا يبايعون مسلماً على بيعة الحسين.
وكان والي الكوفة حينها النعمان بن بشير وقد غض الطرف عمّا يجري من أمر مسلم حتى وصلت الأخبار إلى يزيد فعزله، وعين عبيد الله بن زياد مكانه.
عندها أرسل مسلم إلى ابن عمه الحسين يدعوه للقدوم لما رأى الناس في الكوفة قد بايعوه، وأعلنوا له الولاء. وظن أنهم جادّون في نصرته والالتزام بالبيعة.
وخرج مسلم ومعه أربعة آلاف وحاصروا قصر عبيد الله بن زياد، لكن هذا العدد من أهل الكوفة سرعان ما انصرف عن مسلم وخذله حتى لم يبق معه سوى ثلاثين رجلاً من أربعة آلاف بعد أن أرسل ابن زياد إلى رؤساء العشائر يهددهم بجيش الشام ويطمعهم، فجعلوا يتفرقون عن مسلم إلى أن بقي وحيداً، وقتل مسلم رحمه الله، وقبل موته أوصى بأن يرسل إلى الحسين أن يرجع ولا يأتي إلى الكوفة، وقال كلمته المشهورة: ارجع بأهلك ولا يغرنك أهل الكوفة، فإن أهل الكوفة قد كذبوك وكذبوني وليس لكاذب رأي.
قتل مسلم بن عقيل في يوم عرفة، وكان الحسين قد خرج من مكة في يوم التروية أي قبل مقتل مسلم بيوم واحد. وحاول كثير من الصحابة منع الحسين من الخروج، فإنهم كانوا يرون الخروج يجر إلى مفسدة، فقد ذكر الإمام ابن كثير في "البداية والنهاية" أن ابن عباس قال للحسين: لولا أن يزري بي وبك الناس لشبثت يدي في رأسك فلم أتركك تذهب .
وأما ابن عمر فقد لحق بالحسين على مسيرة ثلاثة أيام وقال له: لا تأتهم، فأبى الحسين إلا أن يذهب، فقال عبد الله بن عمر: إني محدثك حديثاً إن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فخيره بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة ولم يرد الدنيا، وإنك بضعة منه، والله لا يليها أحد منكم أبداً، وما صرفها الله عنكم إلا للذي هو خير لكم فأبى أن يرجع.
وأما عبد الله بن الزبير فخاطب الحسين قائلا: تذهب إلى قوم قتلوا أباك وطعنوا أخاك. وعندما سأل الحسينُ الشاعرَ الفرزدق عن أحوال أهل العراق وكان الفرزدق عائداً من هناك أجابه: قلوبهم معك وسيوفهم مع بني أمية.
وعندما وصل إلى الحسين خبر مقتل مسلم همّ بالرجوع لكنه نزل مع رأي أبناء مسلم الذين أرادوا الثأر لأبيهم . وهنا يرسل عبيد الله بن زياد جيشاً لملاقاة الحسين في الطريق وكان يرأسه الحر بن يزيد التميمي الذي لقي الحسين قريباً من القادسية وكان يعاكسه ويحاول منعه من القدوم إلى الكوفة.
أراد الحسين رضي الله عنه ـ في هذه الأثناء وبعد أن صار الاشتباك وشيكا ـ إحدى ثلاث: إما أن يرجع، أو يذهب إلى ثغر من ثغور المسلمين، أو يذهب إلى يزيد حتى يضع يده في يده في الشام. لكن ابن زياد لم يقبل حتى ينزل الحسين على حكمه، أي أن يأتي الحسين إلى ابن زياد في الكوفة وهو يقرر ما سيفعل به، أن يدعه يرجع من حيث أتى من المدينة أو يسير إلى ثغر أو يتوجه إلى يزيد بالشام، فأبى الحسين ذلك. 
وكان ابن زياد يصر على أن ينزل الحسين على حكمه أو أن يقاتل، وكان لا مفر من القتال، وكانت الكفتان غير متكافئتين: الحسين معه بضع وسبعون فارساً وجيش ابن زياد بضعة آلاف، ولم يبق أحد من أصحاب الحسين، فلقد كانوا يموتون بين يديه وبقي الحسين نهاراً طويلاً لا يقدم عليه أحد حتى يرجع لا يريد أن يُبتلى بقتله رضي الله عنه، واستمر هذا الوضع حتى جاء شمر بن ذي الجوشن وصاح بالناس بأن يحيطوا بالحسين ويقتلوه. والذي باشر قتل الحسين رضي الله عنه هو سنان بن أنس النخعي وحزّ رأسه، وقيل أن الذي قتله هو شمر بن ذي الجوشن قبحه الله.
بعد أن قُتل الحسين حُمل رأسه إلى عبيد الله بن زياد في الكوفة وأخذ قبّحه الله يدخل قضيباً في فم الحسين، ويضربه ويقول إن كان لحسن الثغر.
وقتل مع الحسين كثير من أهل بيته منهم إخوانه جعفر والعباس وأبو بكر ومحمد وعثمان أبناء علي بن أبي طالب رضي الله عنه. ومن أبناء الحسين قتل جعفر وعبد الله وعبد الرحمن، وكان مسلم قد قتل بالكوفة قبلهم.
ومن أولاد عبد الله بن جعفر قتل عون ومحمد. والغريب أن المرء لا يجد في كتب الشيعة ذكراً لأبي بكر وعثمان أبناء علي ضمن الذين قتلوا مع الحسين، حتى لا يقال أن علياً سمى أبناءه على أسماء هؤلاء الأخيار من الخلفاء الراشدين.
ولم يثبت أن رأس الحسين أرسل إلى يزيد في الشام، بل إنه بقي عند ابن زياد في الكوفة، كما أنه لم يثبت أن يزيد سبى نساء أهل البيت وأهانهن.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في "منهاج السنة" أن يزيد بن معاوية لم يأمر بقتل الحسين، ولكن كتب إلى ابن زياد أن يمنعه عن ولاية العراق.
استشهد الحسين رضي الله عنه ومات مظلوماً ولقد كان موته مصيبة حلت بالمسلمين. يقول ابن تيمية في مجموع الفتاوى: "وأما من قتل الحسين أو أعان على قتله أو رضي بذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً".
وما قاله ابن تيمية رحمه الله هو ما عليه أهل السنة الذين يحبون نبيهم صلى الله عليه وسلم وآل بيته الطيبين، ويقولون أن الحسين سيد شباب الجنة، وقد مات مظلوماً رضي الله عنه.
ومقتل الحسين وإن كان مصيبة حلت بالأمة، إلاّ أنها أصيبت بمصائب أكبر، وكل مصيبة تهون بمصيبة فقد النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى الدارمي ومالك عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أصيب أحدكم بمصيبة، فليذكر مصيبته بي، فإنها أعظم المصائب". والواجب على المسلم في هذه الأحوال أن يلجأ إلى الله ويصبر ويقول إنا لله وإنا إليه راجعون.
نقول هذا لنعرج على ما يحدث في يوم عاشوراء من بدع ومنكرات بحجة الحزن على الحسين، ونوجزها فيما يلي:
1ـ الصياح والنياحة، وشق الجيوب واللطم على الوجه.
2ـ ضرب الجسد بالسلاسل والسيوف وإنزال الدم.
3ـ الأقوال التي فيها مبالغة وغلو بمدح الحسين، وشد الرحال إلى قبره والاعتقاد بأن زيارة قبره ـ كما جاء في الكافي للكليني وثواب الأعمال لابن بابويه وتهذيب الأحكام للطوسي وغيرها كثير ـ تعدل عشرين حجة، وأفضل من عشرين حجة وعمرة.
وجاء في هذه الكتب أيضاً أن "من أتى قبر الحسين عارفاً بحقه، في غير يوم عيد، كتب الله له عشرين حجة مبرورات مقبولات... ومن أتاه في يوم عيد كتب الله له مئة حجة ومئة عمرة... ومن أتاه يوم عرفة عارفاً بحقه، كتب الله له ألف حجة، وألف عمرة مبرورات متقبلات، وألف غزوة مع نبي مرسل أو إمام عادل".
4ـ اللعن والشتم الذي يصل إلى تكفير الصحابة، وغرس البغضاء في قلوب الناس.
5ـ ابطال سنة الصيام ، وحث العوام على الفطر والأكل، والادعاء بأن الصيام في هذا اليوم بدعة أموية.
6ـ تقديم النذور من لحم وأرز وغيره كلها باسم الحسين رضي الله عنه، والواجب أن يكون الذبح والنذر وسائر العبادات لله دون غيره.
7ـ عدم الأمر بالمعروف وكف الناس عن المخالفات.
8ـ تحريم الزواج في هذا اليوم والمعاشرة بين الأزواج.. وغيرها كثير.
 
للاستزادة :
1 – حقبة من التاريخ - عثمان الخميس .
2 – فصل الخطاب في مواقف الأصحاب - محمد صالح الغرسي .
3 – ثناء ابن تيمية على أمير المؤمنين علي - علي محمد القضيبي .
 


 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: