سطور من الذاكرة\العدد الثامن والثلاثون شعبان 1427هـ
النصيريون في مساندة الصليبيين والتتار
الجمعة 25 أغسطس 2006
 
النصيريون في مساندة الصليبيين والتتار
ذكر الإمام ابن كثير رحمه الله إنه في سنة 717هـ "خرجت النصيرية عن الطاعة وكان من بينهم رجل سمّوه محمد بن الحسن المهدي القائم بأمر الله، وتارة يدّعي أنه علي بن أبي طالب فاطر السماوات والأرض، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا وتارة يدعي أنه محمد بن عبد الله صاحب البلاد.
 وخرج يكفر المسلمين، وأن النصيرية على حق، واحتوى هذا الرجل على عقول كثير من كبار النصيرية... وحملوا على مدينة جبلة فدخلوها وقتلوا خلقاً من أهلها، وخرجوا منها يقولون: لا إله إلاّ علي، ولا حجاب إلاّ محمد، ولا باب إلاّ سلمان.
وسبّوا الشيخين، وأمر أصحابه بخراب المساجد واتخاذها خمارات، وكانوا يقولون لمن أسروه من المسلمين: قل لا إله إلاّعلي، واسجد لإلهك المهدي الذي يحيي ويميت حتى يحقن دمك.. فجردت إليهم العساكر فهزموهم وقتلوا منهم خلقاً كثيراً" ([1]).
إن الثابت أن النصيريين كانوا في صدام مع المسلمين، وفي ود مع الصليبين والتتار، الذي كانوا يحتلون ديار المسلمين، ولم يكن ما يجمع النصيريين بالصليبيين والتتار الود فقط، إنما المؤازرة والمساندة، إذ أنهم حرّضوا زعيم التتار تيمور لنك على غزو الشام وبغداد وهم الذين سهّلوا للصليبيين احتلالهم لبعض القلاع والثغور.
وقد بدأت خيانات النصيريين للمسلمين منذ نشأة هذه الفرقة، وفي مراحل مبكرة، فخلال الحملة الصليبية الأولى على بلاد المسلمين أواخر القرن الخامس الهجري، حاصر الصليبيون أنطاكيا في شمال بلاد الشام قرابة سبعة أشهر، حتى أن الجيش الصليبي ضاق ذرعاً بطول الحصار، وأنهكه الجوع، وبدأت تدب فيه الفوضى، وبدأ عدد من جنود الصليبيين بالفرار.
وفي هذا الموقف الحرج، اتصل الزعيم النصيري "فيروز" الذي كان موكلا بحراسة أحد أبراج المدينة، بالقائد الصليبي بوهيموند واتفق معه على تسليمه البرج ليدخل الصليبيون إلى المدينة من خلاله. وعند الفجر، تسلق بوهيموند وأصحابه السلالم، صاعدين إلى البرج، حيث كان ينتظرهم فيروز، وبمساعدته استطاعوا احتلال بقية الأبراج، والسيطرة على المدينة بكاملها، فأعملوا السيف في أهلها، وقتلوا أكثر من عشرة آلاف ونهبوا كل ما وقعت عليه أيديهم، وكان ذلك في سنة 491هـ.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "والإسماعيلية والنصيرية ونحوهم يوالون الكفار من اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين، ويعادون المؤمنين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين، وهذا أمر مشهور فيهم"([2]).
ويقول الشيخ محمد أبو زهرة ([3]):
"وعند الهجوم الصليبي على البلاد الشامية ومن ورائها البلاد الإسلامية والوطن العربي مالئوا الصليبيين ضد، المسلمين، ولما استولى أولئك على بعض البلاد الإسلامية قرّبوهم وأدنوهم، وجعلوا لهم مكاناً مرموقاً. ولما جاء نور الدين زنكي وصلاح الدين من بعده ثم الأيوبيون اختفوا عن الأعين، واقتصر عملهم على تدبير المكائد والفتك بكبراء المسلمين وكبرائهم وقوادهم العظام إن أمكنتهم الفرصة وواتاهم الزمان.
 ولما أغار التتار من بعد ذلك على الشام مالأهم أولئك كما مالئوا الصليبيين من قبل، فمكنوا للتتار من الرقاب، حتى إذا انحسرت غارات التتار، قبعوا في جبالهم قبوع القواقع في أصدافها لينتهزوا فرصة أخرى".
وقد قام بعض حكام المسلمين بمحاولات كثيرة لإصلاحهم وإرجاعهم إلى جادة الصواب ، وأول من قام بذلك، صلاح الدين الأيوبي رحمه الله بعد دحره للصليبيين، حيث حاول إصلاحهم ببناء المساجد وإقامة الصلاة والصيام وغيرها من الفروض الإسلامية، فأطاعوه ولكنهم بعد وفاته عادوا إلى ما كانوا عليه من معتقدات وخربوا المساجد وجعلوها زرائب للحيوانات.
وكرر المحاولة الظاهر بيبرس بعد هزيمته للتتار، وألزمهم ببناء المساجد بقراهم، فبنوا بكل قرية مسجداً، ولكن ابن بطوطة الرحالة المسلم المشهور مرّ بالساحل السوري بعد هذه الفترة في القرن التاسع الهجري فروى ما رآه بقوله: "وأكثر أهل هذه السواحل هم الطائفة النصيرية، الذين يعتقدون أن علي بن أبي طالب إله، وهم لا يصلون ولا يتطهرون ولا يصومون. وكان الملك الظاهر ألزمهم ببناء المساجد بقراهم، فبنوا بكل قرية مسجداً بعيداً عن العمارة، ولا يدخلونه ولا يعمرونه، وربما أوت إليه مواشيهم ودوابهم، وربما وصل الغريب إليهم فينزل بالمسجد ويؤذن إلى الصلاة فيقولون له: لا تنهق، علفك يأتيك وعددهم كثير!!
ذكر لي أن رجلا مجهولا وقع ببلاد هذه الطائفة فادعى الهداية، وتكاثروا عليه، فوعدهم بتملك البلاد وقسم بينهم بلاد الشام وكان يعين لهم البلاد ويأمرهم بالخروج إليها ويعطيهم من ورق الزيتون ويقول لهم استظهروا بها فإنها كالأوامر لكم فإذا خرج أحدهم إلى بلد أحضره أميرها فيقول له إن الإمام المهدي أعطاني هذا البلد فيقول له أين الأمر فيخرج ورق الزيتون فيضرب ويحبس ثم أنه أمرهم بالتجهيز لقتال المسلمين وأن يبدأوا بمدينة جبلة وأمرهم أن يأخذوا عوض السيوف قضبان آلاس ووعدهم أنها تصير في أيديهم سيوفا عند القتال فغدوا مدينة جبلة وأهلها في صلاة الجمعة فدخلوا الدور وهتكوا الحريم وثار المسلمون من مسجدهم فأخذوا السلاح وقتلوا كيف شاءوا" ([4] .)
ولمّا جاء السلطان العثماني سليم إلى بلاد الشام، قاتل النصيرية ودحرهم حتى أوصلهم إلى جبالهم، بعد أن أفتى علماء المسلمين بأنهم كفرة ويجب قتالهم، وقد حاول السلطان العثماني إصلاحهم ببناء المساجد وغيرها ذلك، ولكنهم بعد مدة رجعوا إلى ما كانوا عليه.
وهذا أيضاً ما فعله إبراهيم باشا ابن والي مصر محمد علي باشا عندما سيطر على مناطق النصيريين، فحاول جهده إصلاح المنطقة وتثبيت الأمن فيها وحمل أبنائها على ترك المعتقدات الفاسدة، فاستعمل الشدة في أول الأمر، ثم لان لهم وبنى المدارس والمساجد غير أن النصيرية قاموا بثورة كبيرة عام 1834م، وهاجموا مدينة اللاذقية ونهبوا وفتكوا بأهلها، فجرد لهم إبراهيم باشا حملة كبيرة وعاقبهم بشده وأحرق عدداً من قراهم، فاستسلموا وأظهروا الطاعة التامة، فلما دالت دولته رجعوا إلى ما كانوا عليه.
وفي عهد السلطان العثماني عبد الحميد كرر المحاولة بإرساله رجلاً من خاصته اسمه ضياء باشا جعله متصرفاً على لواء اللاذقية في بداية القرن الميلادي الماضي، فأنشأ لهم المساجد والمدارس، فأخذوا يتعلمون ويصلون ويصومون، وأقنع الدولة بأنهم مسلمون، فلم يعصوا له أمراً. وبعد أن ترك هذا المتصرف منصبه خربت المدارس وحرقت الجوامع أو دنست.
للاستزادة
1ـ الفرق الإسلامية ـ الدكتور محمد أحمد الخطيب .
2ـ الحركات الباطنية في العالم الإسلامي ـ د. محمد الخطيب .
3ـ طائفة النصيرية تاريخها وعقائدها ـ الدكتور سليمان الحلبي .
4ـ رؤية إسلامية في الصراع العربي الإسرائيلي ـ محمد عبد الغني النواوي (الجزء الأول ـ مؤامرة الدويلات الطائفية).
5ـ البداية والنهاية ـ الإمام ابن كثير.
6ـ خيانات الشيعة وأثرها في هزائم الأمة الإسلامية ـ د. عماد حسين.
 
 
 
 

[1]- البداية والنهاية 14/83.
[2]) ـ منهاج السنة النبوية 2/32.
[3]- تاريخ المذاهب الإسلامية ص 56.
[4]- رحلة ابن بطوطة 1/96.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: