سطور من الذاكرة\العدد التاسع والثلاثون - رمضان 1427 هـ
صلاح الدين يقتل السهرَوردي الزنديق
الأثنين 25 سبتمبر 2006
صلاح الدين يقتل السهرَوردي الزنديق
لصلاح الدين الأيوبي رحمه الله الكثير من الأعمال والفضائل منها ما هو عسكري، ومنها ما هو ديني وثقافي، وغير ذلك. وإذا كانت شخصية صلاح الدين انطبعت في ذهن الناس بمظهر العسكري والمجاهد، الذي يقارع الصليبيين، ويفتح البلدان وخاصة بيت المقدس، ويدافع عن بلاد المسلمين، فإن جوانب أخرى في شخصية صلاح الدين جديرة بالدراسة والتأمل.
إحدى تلك الجوانب تتمثل باهتمامه بنشر مذهب أهل السنة، وإقامة المدارس والأوقاف لذلك، خاصة في مصر، التي عانت أكثر من قرنين من الزمان من حكم الدولة العبيدية الفاطمية، وهي دولة شيعية إسماعيلية. ومع حرص صلاح الدين على مذهب أهل السنة، ومحاربة ضلالات العبيديين، اهتم بمحاربة الأفكار المنحرفة المنضوية تحت لواء أهل السنة، كما تمثل ذلك في مصادقته على حكم الإعدام بحق أحد الزنادقة المتصوفة، المعروف "بالسهروردي المقتول" سنة 587هـ.
والسهروردي هو أبو الفتوح يحيى بن حبش بن أميرك، المعروف بشهاب الدين السهروردي. ولد سنة 549هـ (1155م)، في سهروَرد، من بلاد فارس. وقد درس العلوم بأذربيجان ثم قدم إلى أصبهان، حيث كانت فلسفة ابن سينا منتشرة، ثم انتقل إلى تركيا، ومنها إلى سوريا، حيث بقي بها إلى أن أعدم سنة 587هـ (1190م)([1]).
وشهاب الدين السهروردي هو أحد أعلام الصوفية عبر تاريخها، كما أنه من أبرز الفلاسفة الذين أدخلوا على المسلمين العقائد المنحرفة المستمدة من اليونان والمجوس.
كما يعتبر السهروردي أحد أبرز أعلام التصوف الفلسفي، وهو الاتجاه الذي بدأ منذ القرن السادس الهجري، ويمزج النظر العقلي الفلسفي بالذوق العملي الصوفي([2]).
وقبل الحديث عن أفكار السهروردي التي حوكم بسبها وأعدم، نعرض شيئاً من صفاته، كما رواها المؤرخ ابن تغري بردي، إذ يقول: "وكان السهروردي رديء الهيئة، زري الخلقة، دنس الثياب، وسخ البدن، لا يغسل له ثوباً ولا جسماً، ولا يقص ظفراً ولا شعراً، فكان القمل يتناثر على وجهه، وكان من رآه يهرب منه لسوء منظره وقبح زيّه"([3]).
وحال السهروردي هذا ليس بسبب الفقر أو الظلم، بل هو بسبب عقيدته الصوفية التي تحارب الطهارة والنظافة، وتصادق القاذورات والأوساخ لأنها بزعمهم تكسر النفس فتوصلها إلى الله!
عقائده وأفكاره
تأثر السهروردي بفلاسفة اليونان، وخاصة أفلاطون، ثم بالعقائد الفارسية القديمة، وفلسفة زرادشت، وقد مزج هذا كله بالدين الإسلامي وآراء الصوفية المسلمين([4]).
وبالتأثر بما كتبه اليونان القدماء، نقل السهروردي إلى المسلمين مذهب "الإشراق" الذي هو فرع من فروع الفلسفة اليونانية، ويقوم في جملته على القول: بأن مصدر الكون هو النور. فهو يعبر عن الله سبحانه وتعالى بالنور الأعلى، ويصف العوالم بأنها أنوار مستمدة من النور الأول. والمعرفة الإنسانية في مفهوم الإشراقيين "إلهام" من العالم الأعلى، يصل بواسطة عقول الأفلاك، وهو ما يسمى بالكشف أو الإشراق، أي ظهور الأنوار العقلية بعد تجردها([5]).
وبهذه الفكرة، حاول السهروردي تفسير الوجود ونشأة الكون والإنسان، كما أنه حاول إبراز الفلسفة الزرادشتية القديمة من خلال فلسفته النورانية، والتعويل على فكرة النور وإشراق الأنوار لتبديد ظلمة الأجسام والمادة([6]).
والزرادشتية التي كانت سائدة في إيران قبل الإسلام تقول بوجود إلهين، إله الخير، وهو إله النور والسماء، وأن غيره من الآلهة ليست إلاّ مظاهر له، وصفات من صفاته.
وعندهم إله آخر، (إله الشر)، وهو إله الظلمة، لكنه ليس بمستوى إله الخير([7]).
 كما كانت كتابات السهروردي([8]) تدل على اعتقاده بوحدة الوجود([9]) الفاسدة، إذ كان يشير إلى أن حصوله على حكمة الإشراق لم يحصل له بالفكر، إنما كان حصوله بأمر آخر هو: الاتصال بنور الأنوار، الله وإشراق المعرفة منه على نفسه ([10]).
"ويرى السهروردي أن الإنسان يستطيع الوصول إلى الغاية القصوى التي ينشدها الصوفية بعامة، وهي الوصول إلى ما أسماه عالم القدس، أي الحضرة الإلهية، عن طريق الرياضة الروحية ومجاهدة النفس، وأنها عند وصولها إلى هذا المقام الأخير السامي، تتلقى من نور الأنوار (الله) المعارف الشتى. وقد ذكر السهروردي أنه وصل إلى هذه المرحلة عندما فارق جسده، واتصل بالملكوت الأعلى([11]).
وإضافة إلى عقيدته المنحرفة في الله تعالى، وفي الخلق والوجود، فقد كان للسهروردي انحرافات أخرى فيما يتعلق بالنبوة، إذ يشير شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى أن طوائف من أهل الفرق انحرفت في موضوع (الإلهية) مثل الإسماعيلية والنصيرية والاثنى عشرية، فنسبوا لأنفسهم أو لشيوخهم "الإلهية". كما أشار رحمه الله إلى مبتدعة انتحلوا دعوى ما هو فوق النبوة، أو وجود نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم، كالسهروردي المقتول في الزندقة، وابن سبعين([12]).
كما ذكر الإمام ابن تيمية في كتابه "درء تعارض العقل والنقل 5/22" أن الفلاسفة القدماء ومن جاء بعدهم، كانوا يدعون النبوة والرسالة، أو يريد الواحد منهم أن يفصح بذلك لولا السيف، كما فعل السهروردي المقتول، فإنه كان يقول: لا أموت حتى يقال لي: قم فأنذر.
ويلخص ابن تيمية عقيدة وأفكار السهروردي بقوله: "وأما القدماء ـ أرسطو وأمثاله ـ فليس لهم في النبوة كلام محصّل. والواحد من هؤلاء يطلب أن يصير نبيّاً، كما كان السهروردي المقتول يطلب أن يصير نبيّاً، وكان قد جمع بين النظر والتألّه، وسلك نحواً من مسلك الباطنية، وجمع بين فلسفة الفرس واليونان، وعظّم أمر الأنوار، وقرّب دين المجوس الأول، وهي نسخة الباطنية الإسماعيلية، وكان له يد في السحر والسيمياء ، فقتله المسلمون على الزندقة بحلب في زمن صلاح الدين"([13]).
محاكمته
أثارت انحرافات السهروردي العلماء والناس، وخاصة فقهاء حلب، التي انتقل إليها السهروردي بعد أن تنقل في بلاد فارس وتركيا، وساء الأمر بانتشار أفكار السهروردي، ومال إليه ملك حلب، الظاهر ابن صلاح الدين الأيوبي "فاستمال بذلك خلقاً كثيراً وتبعوه، وله تصانيف في هذه العلوم (المنطق والسيمياء...)، واجتمع بالملك الظاهر ابن السلطان صلاح الدين صاحب حلب، فأعجب الظاهر كلامه، ومال إليه"([14]).
يقول المؤرخ ابن تغري بردي: "فكتب أهل حلب إلى السلطان صلاح الدين: أدرك ولدك وإلاّ تتلف عقيدته. فكتب إليه أبوه صلاح الدين بإبعاده، فلم يبعده، فكتب بمناظرته.
فناظره العلماء، فظهر عليهم بعبارته، فقالوا إنك قلت في بعض تصانيفك إن الله قادر على أن يخلق نبيّا وهذا مستحيل. فقال: ما وجه استحالته؟ فإن الله القادر هو الذي لا يمتنع عليه شيء.
فتعصبوا عليه فحبسه الظاهر، وجرت بسببه خطوب وشناعات"([15]).
وبالرغم من أن الباحث الدكتور عزمي طه ،هو من المؤيدين للتصوف، إلاّ أنه يقر بخطورة أفكار السهروردي، وانحرافها، إذ يقول: "والحق أن هناك الكثير من الآراء التي أوردها السهروردي في كتبه المختلفة، بجانب صعوبة فهمها وغموضها، تنطوي على آراء مخالفة للعقيدة الإسلامية، وتقترب في مضمونها من فكرة وحدة الوجود، وتجعل ما أسماه (الحكيم المتألّه) في مرتبة الأنبياء أو أعلى درجة.
وقد عدّ السهروردي نفسه (القطب) الذي تبغي له الرئاسة، وأنه المؤهل ليكون خليفة الله!، الأمر الذي أدّى بعدد من الفقهاء إلى القول بتكفيره"([16]).
وفي تفسيره لموافقة صلاح الدين على الحكم الذي أصدره فقهاء حلب بإعدام السهروردي الزنديق، يقول سبط ابن الجوزي: إن صلاح الدين كان مبغضاً لكتب الفلسفة وأرباب المنطق ومن يعاند الشريعة([17]).
أما المؤرخ بروكلمان، فقد أشار في تاريخه، إلى اعتقاد علماء وفقهاء حلب بارتباط السهروردي بأفكار القرامطة، تلك الجماعة الإسماعيلية المعادية للدولة، والتي شنت الحروب على المسلمين وقادتهم.
للاستزادة:
1ـ منهاج السنة النبوية ـ شيخ الإسلام ابن تيمية.
2ـ النجوم الزاهرة ـ ابن تغري بردي.
3ـ التصوف الإسلامي ـ د. عزمي طه السيد.
4ـ الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة ـ إعداد الندوة العالمية للشباب الإسلامي.
5ـ موسوعة الأديان الميسرة ـ دار النفائس.
 
 
 

[1]) ـ التصوف والتطرف ص 130.
[2]) ـ التصوف الإسلامي لعزمي طه ص 119.
[3]) ـ النجوم الزاهرة 6/114.
[4]) ـ التصوف الإسلامي ص120.
[5]) ـ الموسوعة الميسرة ص 968.
[6]) ـ التصوف الإسلامي ص 120.
[7]) ـ موسوعة الأديان ص 280.
[8]) ـ ترك السهروردي عدداً من الكتب أهمها: حكمة الإشراق، والتلويحات، وهياكل النور.
[9]) ـ عقيدة صوفية تعني أن الله تعالى، والعالم شيء واحد.
[10]) ـ التصوف الإسلامي ص 120ـ 121.
[11]) ـ المصدر السابق ص 121.
[12]) ـ منهاج السنة 5/334.
[13]) ـ المصدر السابق 8/24ـ 25.
[14]) ـ النجوم الزاهرة 6/114.
[15]) ـ المصدر السابق 6/114.
[16]) ـ التصوف الإسلامي ص 121.
[17]) ـ مرآة الزمان في تاريخ الأعيان.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: