سطور من الذاكرة\العدد السابع والأربعون جمادي الأولي 1428هـ
الأمة تشكك بنسب العبيديين الفاطميين
الخميس 17 مايو 2007
الأمة تشكك بنسب العبيديين الفاطميين
احتلت قضية "نسب الأئمة العبيديين" أهمية كبرى، لدى معظم الذين كتبوا عن فرقة الإسماعيلية، أو الدراسات التي تناولت الدولة العبيدية الفاطمية، وهي الدولة التي تبنت المذهب الشيعي الإسماعيلي، واستمرت حوالي ثلاثة قرون من الزمان (297 – 567هـ).
وتنبع أهمية هذه المسألة من نظرية الإمامة الشيعية، التي تعتبر الإمامة ورئاسة الدولة حقاً مقدساً لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وعقبهم، وأنها منحصرة فيهم إلى يوم القيامة، وهذا المعتقد تشترك فيه جميع فرق الشيعة([1]).
وإذا كان الانتماء إلى آل البيت شرطاً لتولي الإمامة عند فرق الشيعة، فقد لجأ بعضهم إلى نسب نفسه إلى ذلك البيت الطاهر، وقامت دول على ادّعاء النسب، على رأسها الدولة العبيدية، ومؤسسها عبيد الله المهدي، ذلك أن ادّعاء النسب الشريف يقرب المحكومين إلى الحاكم، ويوطد أركان الدولة، ويعمل على التصدي للمعارضين والمناوئين([2]).
ومما جناه العبيديون من انتحال النسب الشريف، إخفاء أصلهم المجوسي، الذي أكده أغلب العلماء والمؤرخين، ـ كما سيأتي بيانه ـ وهؤلاء العلماء كان لهم الدور الكبير في بيان زيف العبيديين، وفضح ادعاءاتهم، بشكل فردي وجماعي، وقد تمثلت إحدى الجهود الجماعية في "المحضر" الذي كُتب في بغداد سنة 402هـ، ويكذب انتساب العبيديين إلى آل البيت، ووقِّع عليه عدد كبير من علماء الأمة وفقهائها.
وتنسب الدولة العبيدية إلى أول حكامها عبيد الله المهدي، المولود في الكوفة بالعراق سنة 260هـ([3]).
وذهب جمع من المؤرخين والباحثين إلى أن عبيد الله هذا اسمه الحقيقي: سعيد بن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن ميمون بن ديصان (القداح) أما ميمون فقد كان معاصراً لمحمد بن إسماعيل، الذي اعتبرته طائفة من الإسماعيلية إماماً لها*، وكان أبوه (ديصان) مجوسياً، أما ميمون فقد أظهر الإسلام، وانخرط في صفوف الدعوة الإسماعيلية في وقت مبكر، ثم ورثه أبناؤه في الدعوة والعمل معاً، إذ تسلم الأمر من بعده ابنه (عبد الله) المتوفى سنة 180هـ، ثم (أحمد) و (الحسين)([4]).
وقد انتقلت أسرة القداح إلى "السلمية" في سوريا بعدما أشيع عن انتقال أسرة محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق إليها، "وعندما وجدت الأسرة القداحية نفسها ذات إمكانات وطاقات بما تحصل عليه من مال ودعم مشبوه وتأييد من الإسماعيليين، عدّت نفسها من نسل محمد بن إسماعيل، وبخاصة عندما وجد هذا التشابه في الأسماء"([5]).
وقد بدأ هذا الادّعاء بعد وفاة الحفيد الرابع لإسماعيل بن جعفر، والحفيد الرابع هو الحسين بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر، ولعلّ التشابه الكبير في الأسماء بين سلالة القداح، وسلالة إسماعيل، قد ساعد عبيد الله على انتحال نسب من إسماعيل، والمخطط القادم يوضح هذا التشابه.
   
الأسرة الإسماعيلية
الأسرة القدّاحية
إسماعيل
محمد
عبد الله
أحمد
الحسين
ديصان (القداح)
ميمون
عبد الله
أحمد
الحسين
سعيد (عبيد الله)
وبعد أن قضى جزءاً من حياته في الشام متخفيّاً عن نظر العباسيين، الذين كانوا يلاحقونه، ظهر عبيد الله في بلاد المغرب العربي، التي كانت بعيدة عن سيطرة ونفوذ العباسيين لينشر الدعوة هناك، ثم ادّعى أنه المهدي المنتظر، وتلقب بالمهدي.
وقد سبق انتقال عبيد الله المهدي إلى المغرب، إرسال الإسماعيليين أحد دعاتهم إلى هناك، وهو الحسين بن أحمد، الذي اشتهر باسم "أبي عبد الله الشيعي"، وقد حقق هناك نجاحاً في الدعوة إلى المذهب الإسماعيلي.
ويشكل عبيد الله المهدي أول أئمة الظهور عند الإسماعيليين، وقد استطاع تأسيس دولته في المغرب سنة 297هـ (909م) بعد انتصاره على دولة الأغالبة،ثم أخذت الدولة تتوسع شيئاً فشيئاً حتى شملت المغرب العربي ومصر والحجاز واليمن، وأجزاء من بلاد الشام وشمال العراق.
وتشكل الفترة التي سبقت تأسيس الدولة العبيدية سنة 297هـ، مرحلة الستر والكتمان عند الإسماعيلية، وهو ما يزيد الأمر غموضاً فيما يتعلق بنسب الأئمة العبيديين.
وقد استند أهل السنة إلى أدلة كثيرة في نفي النسب الفاطمي عن العبيديين، منها:
1ـ تجنب أئمة العبيديين الإفصاح عن نسبهم، إذ أن رابع حكامهم المعز لدين الله عندما دخل مصر، ولقيه أشرافها وسألوه عن نسبه، اكتفى بأن سلّ لهم نصف سيفه وقال: هذا نسبي، ونثر عليهم ذهباً كثيراً وقال هذا حسبي([6]).
كما أن ولده العزيز، عندما كتب إلى خليفة الأندلس عبد الرحمن الثالث الأموي كتاباً يسبّه ويهجوه فيه، جاء رده عليه: "... فإنك عرفتنا فهجوتنا، ولو عرفناك لأجبناك"([7]).
2ـ اضطراب الإسماعيليين أنفسهم في نسب أئمتهم، واسم مؤسس دولتهم عبيد الله، فبعضهم يسميه "عبيد الله" و البعض "عبد الله" وآخرون يسمونه "سعيد الخير"، وبعض المتأخرين منهم يسمونه "محمداً"([8]).
كما اختلفوا في أسماء آبائه وأجداده اختلافاً كبيراً. يقول الشيخ إحسان إلهي ظهير: "لم تضطرب آراء الإسماعيلية في ذلك، وتختلف أقوالهم إلاّ لمحاولتهم جعل المهدي من البيت العلوي، وإعطائهم ظهوره صبغة التقديس حسب نبوءات الرسول صلى الله عليه وسلم، والأئمة من أهل بيته"([9]).
3ـ إنكار آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم من آل أبي طالب، المقيمين وقت إصدار المحضر في بغداد لصحة انتساب العبيديين إلى أبناء علي وفاطمة، وعلى رأس هؤلاء الشريف الرضي، والمرتضى، وأبوهما نقيب الطالبيين أبو أحمد الموسوي. ومنهم كذلك الشريف أخو محسن، والشريف ابن طباطبا([10]).
4ـ الموقف الذي جرى بين الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما والحسين بن علي رضي الله عنهما، لمّا كتب أهل الكوفة الكتب للحسين، يدعونه للقدوم إليهم ومبايعته، حيث قال ابن عمر للحسين:
لا تذهب إليهم، فإني أخاف عليك أن تقتل، وإن جدّك (النبي صلى الله عليه وسلم) قد خيّر بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة على الدنيا، وأنت بضعة منه، وإنه والله لا تنالها لا أنت ولا أحد من خلفك ولا من أهل بيتك.
يقول الشيخ ظهير: "فهذا الكلام الحسن الصحيح المتوجه المعقول، من هذا الصحابي الجليل، يقتضي أنه لا يلي الخلافة أحد من أهل البيت إلاّ محمد بن عبد الله المهدي الذي يكون في آخر الزمان عند نزول عيسى بن مريم، رغبة بهم عن الدنيا، وأن لا يدنسوا بها. ومعلوم أن هؤلاء (العبيديين) قد ملكوا ديار مصر مدة طويلة، فدلّ ذلك دلالة قوية ظاهرة على أنهم ليسوا من أهل البيت، كما نصّ عليه سادة الفقهاء"([11]).
5ـ أن إنكار انتسابهم إلى آل البيت، كان محل اتفاق بين المسلمين وعلمائهم، منذ نشأة هذه الدولة، ومنذ وقت مبكر، وقد بدأ ذلك مع بداية عبيد الله المهدي، وكان أول الرادين عليه أبو العباس، الأخ الأكبر لأبي عبد الله الشيعي، وكذلك القرمطي الحسن الأعصم، وهو زعيم جماعة القرامطة التي تنتمي للإسماعيلية أيضا.
وكان الإنكار عليهم ذائعاً شائعاً، حتى أن خامس حكامهم العزيز بن المعز، صعد المنبر أحد أيام الجمعة في أول حكمه، فرأى ورقة على المنبر فيها هذه الأبيات:
إنـا سمعنـا نسـباً منكراً         يتلى على المنبر في الجامع
إن كنت فيما تدعي صادقاً        فاذكر أباً بعد الأب الرابع
وإن ترد تحقيق ما قلتـه       فانسب لنا نفسك كالطـائع([12])
أو فدع الأنساب مستـورة       وادخل بنا في النسب الواسع
فإن أنساب بنـي هاشـم         يقصر عنها طمـع الطـامع([13])
وقد وقفت الأمة بحكامها وعلمائها في وجه الإفساد الذي تبناه العبيديون، فألف الإمام أبو بكر الباقلاني كتاباً أسماه "كشف الأسرار وهتك الأستار"، بين فيه فضائحهم وقبائحهم، لكن أهم المحاولات الجماعية التي تمت لفضح كذب العبيديين وتدليسهم، تمثل في "المحضر" الذي كتب في بغداد سنة 402هـ ووقع عليه جماعة كبيرة من العلماء والفقهاء والأشراف والمحدثين، وبينوا فيه كذب العبيديين، وتدليسهم، وشيئاً من أباطيلهم وزندقتهم. وممن وقع على هذا المحضر من آل البيت: المرتضى والرضي وابن الأزرق الموسوي، وأبو طاهر بن أبي الطيب، ومُحمد بن محمد بن عمرو بن أبي يعلى. ومن الفقهاء: أبو محمد بن الأكفاني، وأبو القاسم الجزري، وأبو العباس بن الشيوري، وأبو حامد الاسفراييني، وأبو محمد بن الكفلي، وأبو الحسن القدوري...([14])
وفي سنة 444هـ، أصدر العلماء محضراً آخر، يتضمن نفس المطاعن، وزيد فيه أن العبيديين يرجعون إلى أصل يهودي أو مجوسي([15]) حيث أن المحضر الأول لم يرد فيه ذكر لميمون القداح المجوسي وابنه([16])
للاستزادة:
1ـ الإسماعيلية تاريخ وعقائد ـ الشيخ إحسان إلهي ظهير.
2ـ الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية ـ د. محمد عبد الله عنان.
3ـ الدولة الفاطمية في مصر ـ د. أيمن فؤاد سيد.
4ـ تاريخ الفاطميين في شمالي إفريقية ومصر وبلاد الشام ـ محمد سهيل طقوش.
5ـ الفاطميون بين صحة النسب وتزوير التاريخ ـ محمد علي القطب.
6ـ القرامطة ـ محمود شاكر.


[1]) ـ الحاكم بأمر الله ص 47، والإسماعيلية ص 167.
[2]) ـ الإٍسماعيلية ص 228.
[3]) ـ الفاطميون، للقطب ص 15.
*) ـ هذه الطائفة من الإسماعيلية اعترفت بموت إسماعيل في حياة أبيه جعفر، ونقلت الإمامة بعد جعفر إلى حفيده محمد بن إسماعيل. وطائفة أخرى من الإسماعيلية لم تعترف بموت إسماعيل، وقالت إنه غاب وسيعود.
أما الشيعة الاثنى عشرية فقد نقلت الإمامة بعد جعفر إلى ابنه موسى الكاظم، ولم يكن هو أكبر أبناء جعفر.
[4]) ـ القرامطة ص 46.
[5]) ـ المصدر السابق ص 47.
[6]) ـ الدولة الفاطمية في مصر ص 100ـ 101.
[7]) ـ المصدر السابق ص 100ـ 101.
[8]) ـ الإسماعيلية للشيخ ظهير ص 211.
[9]) ـ المصدر السابق ص 228.
[10]) ـ المصدر السابق ص 209.
[11]) ـ المصدر السابق ص 177.
[12]) ـ الخليفة العباسي الذي كان العزيز العبيدي معاصرا له.
[13]) ـ الإسماعيلية ص 206.
[14]) ـ المصدر السابق ص 176.
[15]) ـ الحاكم بأمر الله للأستاذ عنان ص 56.
[16]) ـ الدولة الفاطمية في مصر ص 106.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: