سطور من الذاكرة\العدد الحادي والخمسين رمضان 1428هـ
الحلاّج يقول "أنا الحق"!
الجمعة 14 سبتمبر 2007
الحلاّج يقول "أنا الحق"!
لم تكن عبارة "أنا الحق" إلاّ مثالاً على فساد معتقد الحلاّج، الصوفي الشهير، وزندقته وإفساده، وبالتالي إصدار الخليفة العباسي أمراً بإعدامه سنة 309 هـ (922م).
ولد أبو المغيث الحسين بن منصور المعروف بالحلاّج بحدود سنة 245 هـ (858م) وأصله من بلاد فارس لكنه نشأ بالعراق وتنقل بين مكة والهند وخراسان وغيرها، وهو أحد كبار رجال الصوفية على مرّ العصور، وقد تتلمذ على يد بعضهم وصحب بعضاً أخر أمثال: سهل التستري، وعمرو بن عثمان المكي، وأبي يعقوب الأقطع، والجنيد بن محمد وأبي السحن الندوي وغيرهم.
وبالرغم من سير الحلاج على نهج الصوفية، إلاّ أن حياته تميزت بالتقلب والتلون، حتى قال فيه ابن الجوزي، "كان الحلاج متلوناً تارة يلبس المسوح، وتارة يلبس الدراعة، وتارة يلبس القباء، وهو مع كل قوم على مذهبهم...، ويقول ابن النديم في كتابه "الفهرست" إن الحلاّج كان يظهر مذاهب الشيعة للملوك، ومذاهب الصوفية للعامة، ويدّعي أن الألوهية حلت فيه!
ولعلّ العبارة الأخيرة تحتاج إلى الوقوف إزاءها بعض الشيء، فقد بلغ الحلاج في سوء العقيدة مبلغاً جعله يقول إن الألوهية حلت فيه، وقد كان أحد روّاد عقيدة الحلول والاتحاد الفاسدة التي تبناها الصوفية جيلاً بعد جيل.
وفيما يلي نشير إلى أهم عقائد وأفكار الحلاّج التي قتل على أساسها:
1 ـ الإيمان بالحلول. والحلول عقيدة فاسدة تعني أن الله عز وجل يحل في مخلوقاته، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيراً. وقد عدّ الإمام عبد القاهر البغدادي الحلاّج وأتباعه من جملة عشر فرق من الحلولية خرجت عن فرق الإسلام، وغرض جميعها "القصد إلى إفساد القول بتوحيد الصانع"([1]).
ويقول عبد القاهر البغدادي أيضاً: "والذين نسبوه إلى الكفر وإلى دين الحلولية حكموا عليه أنه قال: من هذّب نفسه في الطاعة، وصبر على اللذات والشهوات أرتقى إلى مقام المقربين، ثم لا يزال يصفو ويرتقي في درجات المصافاة حتى يصفو عن البشرية، فإذا لم يبقّ فيه من البشرية حظّ حلّ فيه روح الإله الذي حلّ في عيسى بن مريم، ولم يّرد حينئذ شيئاً إلاّ كان كما أراد، وكان جميع فعله فعل الله تعالى. وزعموا أنّ الحلاج ادّعى لنفسه هذه الرتبة".
"وذكر أنهم ظفروا بكتب له إلى أتباعه عنوانها: مِن الذي هو رب الأرباب المتصور في كل صورة إلى عبده فلان. فظفروا بكتب أتباعه إليه وفيها: يا ذات الذات، ومنتهي غاية الشهوات، نشهد أنك المتصور في كل زمان بصورة، وفي زماننا هذا بصورة الحسين بن منصور، ونحن نستجيرك ونرجو رحمتك يا علاّم الغيوب"([2]).
ويقول الإمام ابن كثير عن الحلاّج: ومما يدل على أنه كان ذا حلول في بدء أمره أشياء كثيرة، منها شعره في ذلك، فمن ذلك قوله:
جبلت روحك في روحي كما       يجبل العنبر بالمسك الفنق
فإذا مسّك شـي مسـني           وإذا أنت أنا لا نفترق
وقوله:
مزجت روحك في روحي كما      تمزج الخمرة بالماء الزلال
فإذا مسّك شـي مسـني           فإذا أنت أنا في كل حال([3])
2 ـ ادّعاء النبوة ثم تطور به الحال فادّعى الألوهية، فكان يقول أنا الله . وأنا الحق. وفي إحدى المرات أمر حفيدته بالسجود له فقالت: أو يسجد بشر لبشر؟ فقال: نعم، إله في السماء وإله في الأرض.
3 ـ انتقاصه من القرآن الكريم والادّعاء بأنه يستطيع أن يكتب مثله، إذ يقول عمرو بن عثمان المكّي: "كنت أماشيه يوماً فقرأتُ شيئاً من القرآن، فقال (أي الحلاّج): يمكنني أن أقول مثل هذا".
4ـ له كلام يبطل به أركان الإسلام كالصلاة والحج والصيام، وهو ما سنتحدث عنه عند تناول أيام الحلاج الأخيرة ومناقشة العلماء والفقهاء له.
5 ـ كان الحلاّج لا يرى بأساً في الأديان والعقائد والمذاهب الموجودة، كما يتجسد ذلك في قوله:        
  عَقَدَ الخلائق في الإله عقائدا      وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه
ويعلق كاتب مقال "من هو الحلاّج" على بيت الشعر هذا قائلاً: "وهذا الكلام مع تضمنه إقراره واعتقاده لجميع الكفر الذي اعتقدته الطوائف الضالة من البشر، فإنه مع ذلك كلام متناقض لا يقبله عقل صريح، إذ كيف يعتقد التوحيد والشرك في آنٍ واحد"؟!
6 ـ السحر والشعوذة والحيل. يقول ابن كثير: " وصح أنه دخل إلى الهند وتعلم بها السحر وقال: أدعو به إلى الله". وقد ذكر الخطيب البغدادي وغيره أمثلة لبعض ما كان يقوم به الحلاّج من خداع البسطاء ليظهر أمام الناس أنه صاحب قدرات وكرامات، وبالتالي نشر باطله وأخذ أموالهم.
7 ـ عرف عنه الانحراف والفجور. يقول ابن كثير بعد أن ذكر شيئاً من عقيدته وأتباعه: "ورجع عنه رجلان صالحان ممن كان اتّبعه، أحدهما أبو علي هارون بن عبد العزيز الأوراجي ، والآخر يقال له الدباس، فذكرا من فضائحه وما كان يدعو الناس إليه من الكذب والفجور والمخرقة والسحر شيئاً كثيراً، وكذلك أحضرت زوجة ابنه سلميان فذكرت عنه فضائح كثيرة من ذلك: أنه أراد أن يغشاها وهي نائمة فانتبهت، فقال: قومي إلى الصلاة، وإنما كان يريد أن يطأها".
وإذا كان حال الحلاج على النحو الذي ذكرنا من الزندقة والانحراف والإضلال فقد انبرى له العلماء والقضاة، بل ولقد تبرأ منه عدد من معارفه منهم:
ـ عمرو بن عثمان الذي كان يعلن الحلاج ويقول لو قدرت عليه لقتلته بيدي. ولما سئل عن سبب ذلك البغض قال: قرأت آية من كتاب الله فقال: يمكنني أن أؤلف مثله وأتكلم به.
ـ أبو يعقوب الأقطع: وهو والد زوجة الحلاّج، وقد ندم على تزويجه ابنته قائلاً: زوّجت ابنتي من الحسين الحلاج لما رأيت من طريقته واجتهاده، فبان لي منه بعد مدة يسيرة أنه ساحر محتال، خبيث كافر.
وأيد كثير من الصوفية وحتى اليوم موقف الحلاج وأفكاره منهم. أبو العباس بن عطاء، وأبو عبد الله بن حفيف، وأبو القاسم النصر آبادي، وفارس الدينوري وقد قال بعض هؤلاء: "لو كان بعد النبييّن والصدّيقين موحّد فهو الحلاّج".
وإضافة إلى الصوفية فقد انبرت في العصور المتأخرة فئة أخرى للدفاع عن الحلاج وأفكاره تتمثل بالمستشرقين والعلمانيين، فعامة المستشرقين يظهرون أن الحلاج قتل مظلوماً، فقد وافقهم على الحلول الذي يعتقدونه في عيسى عليه السلام، بأن الله تعالى قد حلّ فيه، ولهذا تكلم الحلاّج باللاهوت والناسوت كما يفعل النصارى، ومن ذلك قوله:
سبحان من أظهر ناسوته          سر لاهوته الثاقب
         ثم بدأ في خلقه ظاهراً                في صورة الآكل والشارب
بل رأى بعض المستشرقين مثل الفرنسي بارتلوم دي هيربلوت في كتابه "المكتبة الشرقية" أن الحلاج "مسيحي متخف" وقد تبنى هذه النظرة كل من المستشرق أوغست موللر، والمستشرق أدلبرت ميركي، وظهرت في الفترة الأخيرة دراسات في اللاهوت الشرقي، أهمها أطروحة (ن، م، دهدال ) ترى بأن الحلاج تم صلبه بسبب أفكاره النصرانية.
ازداد خطر الحلاج بعد ما استمال عدداً من الحشم والحجاب في دار السلطان، وجعل لهم في جملة ما ادّعاه أنه يحيي الموتى، وأن الجن يخدمونه ويحضرون له ما شاء ويختار ويشتهيه.
وقد انتبه الوزير حامد بن العباس مبكراً إلى خطر الحلاج وإفساده، وأخذ يلحّ على الخليفة العباسي المقتدر بالله بأن يتخذ إجراءً حاسماً، إلاّ أن الحلاج حظي في وقت من الأوقات بحماية أم الخليفة، ومن هنا يجب أخذ العبرة بضرورة الانتباه والرصد لبدايات المبتدعة واستشعار أخطارهم القادمة ، وعدم الركون لعواطف بعض الجهلة من المسؤولين ومعارفهم في حماية هؤلاء الزنادقة والذين سيكونون مصدر للمتاعب والفتن مستقبلاً وهم في زمننا هذا – الزنادقة والجهلة المدافعون عنهم – كثير ولا حول ولا قوة إلا بالله .
ولمّا فُوض الوزير بأمر الحلاج، استدعى عدداً من أصحابه وأتباعه وهدّدهم، فاعترفوا له بما كان يدّعيه الحلاج، وبما كانوا يعتنقونه من أنه إله مع الله وأنه يحيي الموتى فما كان من الحلاج إلاّ أن كذبهم وأنكر، وأخذ يدّعي الإيمان والالتزام بشرائع الإسلام.
وبحضور الوزير جيء بالحلاج، وأحضر القاضي أبو عمر محمد بن يوسف، وأحضر كتاب عثر عليه في بيوت بعض أصحابه وأتباع الحلاج، مكتوب فيه:
من أراد الحج ولم يتيسر له، فليبنِ في داره بيتاً لا يناله شيء من النجاسة، ولا يمكن أحداً من دخوله، فإذا كان في أيام الحج فليصم ثلاثة أيام، وليطف به كما يطاف بالكعبة، ثم يفعل في داره ما يفعله الحجيج بمكة.
ثم يستدعي ثلاثين يتماً فيطعمهم من طعامه، ويتولى خدمتهم بنفسه، ثم يكسوهم قميصاً قميصاً، ويعطي كل واحد منهم سبعة دراهم... فإذا فعل ذلك قام له مقام الحج.
وإن من صام ثلاثة أيام لا يفطر إلاّ في اليوم الرابع على ورقات هندبا، أجزأه ذلك عن صيام رمضان.
ومن صلى في ليلة ركعتين من أول الليل إلى آخره، أجزأه ذلك عن الصلاة بعد ذلك.
وأن من جاور بمقابر الشهداء وبمقابر قريش عشرة أيام يصلي ويدعو ويصوم ثم لا يفطر إلاّ على شيء من خبز الشعير والملح الجريش، أغناه ذلك عن العبادة في بقية عمره.
هال القاضي أبو عمر ما قرأ من زندقة الحلاج. ومحاولته إبطال أركان الإسلام، فقال له: من أين لك هذا؟
فقال الحلاج: من كتاب الإخلاص للحسن البصري.
فقال القاضي للحلاّج: كذبت يا حلالَ الدم. قد سمعنا كتاب الإخلاص للحسن بمكة ليس فيه شيء من هذا. وهذا من فطنة القاضي أنه لم يخدع بنسبة هذه الزندقة للحسن البصري ، وكم في زماننا من يخدع بنسبة كثير من الباطل لبعض العلماء السابقين !!
اغتنم الوزير حامد بن العباس قول القاضي للحلاج: يا حلال الدم، فألح عليه بكتابة ذلك، ورفع ما كتبه القاضي بحق الحلاج إلى الخليفة المقتدر الذي حكم بعد فترة انتظار دامت ثلاثة أيام بأن يسلم الحلاّج إلى صاحب الشرطة ويضرب ألف سوط، فإن مات وإلا ضربت عنقه.
فضرب ألف سوط ثم قتل وصلب في بغداد في ذي الحجة سنة 309 هـ (922م)، وأحرق جسده، وكان من آخر ما تحدّث به قوله لأصحابه: لا يهولنكم هذا الأمر (أي إعدامي)، فإنني عائد إليكم بعد ثلاثين يوماً.
للاستزادة:
1ـ تاريخ بغداد ـ الخطيب البغدادي.
2ـ الفرق بين الفرق ـ عبد القاهر بن طاهر البغدادي.
3ـ البداية والنهاية ـ الإمام ابن كثير.
4ـ مقال "من هو الحلاّج" ـ موقع الإسلام سؤال وجواب بإشراف الشيخ محمد صالح المنجد.
5ـ مقال "صرخة الحلاّج" ـ صحيفة الاتحاد الكردستانية.
 

[1]) ) ـ الفرق بين الفرق ص 254.
[2]) ) ـ المصدر السابق ص 263.
[3]) ) ـ البداية والنهاية ج11 / ص 153.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: