سطور من الذاكرة\العدد الثاني والخمسون شوال 1428هـ
صفحات من تاريخ التنوخيين الدروز
السبت 13 أكتوبر 2007
صفحات من تاريخ التنوخيين الدروز
 
يشعر المرء بالحيرة أحياناً إزاء ما يراه من انضمام أبناء طائفة الدروز في فلسطين إلى جانب سلطات الاحتلال في محاربتها للمسلمين من أبناء فلسطين، حتى غدا بطش الجنود الدروز بالفلسطينيين أمراً مشهوراً، سواءً من قوات حرس الحدود الإسرائيلي الذي يشكل الدروز نسبة مهمة فيه، أو سلطات السجون والمعتقلات الإسرائيلية.
لكن شيئاً من الحيرة قد يزول، إذا علمنا أن ما يقوم به أبناء الدروز اليوم في فلسطين، هو ما كان يمارسه بعض أجدادهم من العداء للمسلمين، وموالاة الكافرين، خاصة وأن عقائد الدروز تنص على التذلل والسير في ركاب الغالب([1]) .
ولتوضيح شيء من هذه الممارسات تجاه المسلمين، يجدر بنا العودة إلى سيرة دولة من دول الدروز، قامت في وقت ما من التاريخ الإسلامي، وهي دولة التنوخيين.
وتعود بنا الذاكرة إلى 657هـ، ففي ذلك العام زحف المغول إلى بلاد الشام، بزعامة كتبغا، ابن هولاكو واحتلوا دمشق في ربيع الآخر سنة 658هـ وكان الأمراء الدروز التنوخيون يسيطرون على لبنان.
ولما دخل المغول دمشق، جاء الأمير الدرزي جمال الدين حجي إلى كتبغا يعلن خضوعه له، مما جعل كتبغا يقر جمال الدين على مقاطعة الغرب التي كان يتولاها. وانضم إلى جمال الدين، أمير درزي آخر هو زين الدين صالح. "ولما سمع الأميران أن جيش المماليك في طريقه إلى قتال التتار اتفقا أن يتوجه زين الدين إلى المماليك، ويقيم جمال الدين حجي عند التتار بدمشق، مما يضمن وجود أحدهما إلى جانب المنتصر، وبذلك تسلم مصلحة قومهما"([2]) .
وهكذا اتخذ الدروز أسلوب "اللعب على الحبلين"([3])، بدلاً من الوقوف مع المسلمين في وجه الهجمة المغولية الشرسة، التي كانت قد أنهت للتو الخلافة العباسية في بغداد وقتلت خليفة المسلمين، وارتكبت أفظع الجرائم هناك.
وبعد انتصار المماليك على المغول، وسيطرتهم على بلاد الشام، فإنهم لم يتعرضوا لمناطق الدروز بسوء، ووجّهوا اهتمامهم لاحتلال المناطق الساحلية التي كانت لا تزال بيد الصليبيين ، لكن قائد المماليك الظاهر بيبرس كانت تساوره الشكوك في حقيقية موقف الدروز، خاصة بعدما نما إلى علمه أن أمراء الدروز على اتصال بوالي طرابلس الصليبي([4]) "ولما كان بيبرس يستعد لحملته ضد الصليبيين، فللاحتراس أمر بسجن زين الدين صالح، وجمال الدين حجّي وأخيه سعد الدين خضر. ولمّا كلّم أحد الأمراء السلطان بأمرهم، قال بيبرس أنه لن يؤذيهم، ولن يطلق سراحهم إلاّ بعد أن يفتح صيدا وبيروت وطرابلس. ولم يخرج السلطان عنهم إقطاعهم ولا ممتلكاتهم الخاصة"([5]).
وقد كان للتنوخيين مواقف مشينة، قبل عهد بيبرس ، فعندما سيطر الصليبيون على أنطاكيا خلال حملتهم الأولى سنة 490هـ، عزم الصليبيون على التوجه إلى جنوب بلاد الشام لاحتلالها، والوصول إلى بيت المقدس، وكانوا قد تمكنوا من احتلال شمال بلاد الشام.
وفي ذلك الوقت كان التنوخيون يشكلون عماد دعوة الدروز في جبل لبنان، ولم يعترضوا سبيل القوات الصليبية المتجهة لاحتلال بيت المقدس، بل مرت بأمان من جوارهم.
كما ظل التنوخيون خلال الحملات الصليبية في موقع المتفرج أو المتواطئ، وقام أحد زعمائهم بتسليم مدينة صيدا إلى الصليبين سنة 504هـ، بعد أن صالحهم عليها بالأمان([6]).
 
 
 
 
للاستزادة:
1ـ الدروز في التاريخ ـ د. نجلا أبو عز الدين.
2ـ الفرق الإسلامية ـ د. محمد أحمد الخطيب.
3ـ التنوخيون أجداد الموحدين الدروز ـ نديم حمزة.
 
 

[1]) ـ نشرنا في باب "فرق" في العدد التاسع من الراصد، موضوعاً مفصلاً عن طائفة الدروز وعقائدهم وعباداتهم وانتشارهم.
[2]) ـ الدروز في التاريخ ص 222ـ 223.
[3]) ـ الفرق الإسلامية ص 216.
 ([4]ـ المصدر السابق ص 216.
[5]) ـ الدروز في التاريخ ص206.
[6]) ـ التنوخيون أجداد الموحدين الدروز.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: