فرق ومذاهب\العدد الثاني والخمسون شوال 1428هـ
النصيرية
السبت 13 أكتوبر 2007
النصيرية
 
 
 
طائفة من غلاة الشيعة ألّهوا عليَّ بن أبي طالب, وحجتهم في ذلك كما يروي الشهرستاني في الملل والنحل: أن ظهور الروح بالجسد الجسماني أمر لا ينكره عاقل.
فمثله في جانب الخير: كظهور جبريل عليه السلام بصورة بشر مثله, وفي جانب الشر كظهور الشيطان وكظهور الجن بصورة إنسان يتكلم بلسانه.
ويقولون: ولما لم يكن بعد رسول الله r شخص أفضل من علي بن أبي طالب وأولاده المعصومين من بعده باعتبارهم خير البرية: فظهر بصورتهم ونطق بلسانهم وأخذ بأيديهم . لذا سموا بالإلهية.
وينتسب النصريون إلى (محمد بن نصير) الفارسي الأصل, الذي كان بابًا للإمام الحسن العسكري, والذي ادعى أن الإمام الثاني عشر الغائب أوصى له بالإمامة من بعده؛ وبذلك جمع الاسم والباب وورثها من بعده لمشايخ المذهب النصيري . يقول النوبختي في فرق الشيعة ص 78: وقد شذت فرقة من القائلين بإمامة علي بن محمد في حياته – فقالت بنبوة رجل يقال له محمد بن نصير وكان يدعى أنه نبي بعثه أبو الحسن العسكري وكان يقول بإباحة المحارم وتحليل نكاح الرجال بعضهم بعضاًً, ويزعم أن ذلك من التواضع والتذلل وأنه أحد الشهوات والطيبات ولم يحرم شيئاً من ذلك – يقول ماسينو: يمثل النصيريون الجناح المحافظ والحشوي للحركة الشيعية السلمانية بينما يمثل الإسماعيلية والدروز الجناح التقدمي لها.
معتقداتهم
1. الولاية والإمامة: يعتقد النصيريون بولاية علي بن أبي طالب أمور المسلمين الدينية ويزعمون أن النبي r بايعه ثلاث مرات سراً:
    1. يوم نام في فراشه ليلة الهجرة   2. ويوم بيعة الشجرة   3.   وفي دار أم سلمة
أما البيعة الرابعة فكانت جهرية يوم غدير خم حيث أمره الله تعالى ببيعته كما يزعمون فقال يومها: ((ممن كنت مولاه فعلي مولاه)) ونزلت الآية الكريمة: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً) والولاية عندهم أعلى مرتبة من النبوة فإن الأنبياء يوحى إليهم بواسطة جبريل أو يكلمهم الله مباشرة أما الإمام المعصوم المطهر فهو مصدر الإرادة الإلهية دون وحي أو واسطة لأنه تحت تأثير الإرادة الإلهية مباشرة.
2. عصمة الإمام: والأئمة بنظرهم معصومون من أي خطأ فقد وردت الآيات بعصمتهم وطهارتهم ويقصدون الآية الكريمة (ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً). أما الأنبياء بنظرهم فلم يرد نص بعصمتهم متجاهلين قول الله تعالى في عصمة رسوله الأمين (وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى). عن تاريخ العلويين صفحة 174, 175
3. تأليه الإمام: الألوهية بنظر النصيريين مثلثة الأجزاء متحدة الحقيقة كما هي عند النصارى. فهي عندهم معنى و اسم وباب, كما هي عند النصارى أب ابن وروح قدس.
أما المعنى فهو علي بن أبي طالب وهو الله العلي القدير. وأما الاسم فهو محمد بن عبد الله وهو حجابها النوراني. وأما الباب فهو سلمان الفارسي الذي يوصل إلى الحجاب النوراني 0
 وبعد انتهاء دور النبوة أصبح هؤلاء الثلاثة يتنقلون في الأئمة الأثنى عشر حتى خلفوها إلى محمد بن نصير النميري حسب ادعائه.
أما التشهد عندهم فهو: أشهد أن لا إله إلا علي بن أبي طالب. وقد وصفوه في كتاب المجموع بأنه أحد صمد لم يولد ولم يلد وأنه قديم لم يزل. جوهرة نور ومن نوره تسطع الكواكب, وهو نور الأنوار تجرد من الصفاة يشق الصخور, ويسجر البحور ويدبر الأمور,
ويخرب الدول, حفي الجوهر , (وفي كتاب الهداية الكبرى للخصيبي): قال علي للشمس وعليك السلام يا خلق الله الجديد ثم همهم همهمة تزلزل منها البقيع فأجابت الشمس وعليك السلام يا أخ رسول الله ووصية أشهد أنك الأول والآخر والظاهر و الباطن وأنت بكل شئ عليم. (عن كتاب العلويين بين الحقيقة والأسطورة).
ويعتقدون أن عليًّا خلق محمد عليه السلام وأن محمدًا خلق سلمان الفارسي أن سلمان خلق الأيتام الخمسة وهم
1- اليتيم الأكبر المقداد بن الأسود الكندي الموكل بالرعود والعواصف
2- أبو ذر الغفاري وهو موكل بحركات الكواكب والأفلاك.
3- عبد الله بن رواحة وهو موكل بالرياح وقبض الارواح
4- عثمان بن مظعون وهو موكل بالأبدان أمراض الإنسان .
5- وقمبر بن كادان مولى علي وخادمه, وهو موكل بالتناسل .
و هؤلاء الخمسة خلقوا العالم. فعلي عندهم رب العالمين وخالق الكون وباعث الرسل وهو يسكن السحاب الرعد صوته والبرق ضحكه, ويرى الشماليون سكان الساحل السوري أنه يسكن القمر بينما يرى الكلازيون سكان الجبال أنه يسكن الشمس.
 
 
ويقول الدكتور الشكعة في كتابه إسلام بلا مذاهب ص 292 وما بعده: وتتقدم هذه الفئة المضللة أدلة علي ألوهية علي بن أبي طالب لا تخلو من فكاهة في كثير من الأحيان فهم يقرأون الآية الكريمة من سورة يس ( أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم) فيغيرون حرف الجر على إلى علي بعد أن ينقطوا الألف المقصورة وأن عثمان حين جمع المصحف حولها من علي إلى على فتصبح السورة (أوليس علي بقادر على أن يخلق مثلهم). ومن الطرائف حول التدليل على ألوهية ما ورد في الباكورة السليمانية ص 87 ما يلي: (أن علياًً أرسل جابر بن يزيد الجعفي في قضاء غرض له ولما وصل إلى الموضع المقصود رأى علياً بن أبي طالب جالساً على كرسي من نور والسيد محمد عن يمينه والسيد سلمان الفارسي عن شماله ثم التفت إلى ورائه فرآه هكذا ثم نظر عن يمينه فرآه أيضاً ثم نظر إلى السماء فرآه و الملائكة أمامه يسبحون بحمده ويسجدون له).
ويذكر القوم أن علياً ظهر بصورة ناقة صالح وعند بعض فرقهم ظهر بصورة كلب.
ويعتقد هؤلاء القوم أن الرعد صوته ينادي قائلاً با عبادي أعبدوني ولا تشكوا بي . وإذا كان الإله لم يلد ولم يولد فالحسن والحسين وأولاده في الظاهر ولقد ذكر صاحب الباكورة السليمانية خمس عشرة سورة كلها مكرسة لتأليه (علي) والتوكيد على عقد ع.م.س الذي يرمز فيه حرف العين إلى علي الإله والميم إلى محمد والسين إلى سلمان الفارسي الذي يمثل عندهم الباب. وسنجد في نصوص كتبهم المختلفة بعد قليل ما يؤكد ألوهية علي بن أبي طالب.
4-كتمان الدين والتقية: جاء في تاريخ العلويين لأمين غالب الطويل: لقد كان الأئمة من أهل البيت يحتمون بحماية الإسلام المعنوية, ولم يكن ذلك متحققاً للأبواب ولا لمن معهم لذلك اضطروا إلى التقية والكتمان فهم يتظاهرون بالإسلام تقية حتى يحضر الإمام الغائب صاحب الزمان وينتقم لهم من مخالفيهم أتباع الخليفتين, عندها لم يعد هنالك ضرورة للتكتم ويشبهون التقية بالثوب وديانتهم بالبدن ولا يضع البدن ولا يغير حقيقته إذا لبس أي ثوب كان. ومن حجتهم في التكتم: أنه لما أعلن كمال الإسلام كانت بعض العقائد مكتومة وخفية لذا بقيت مكتومة إلى يومنا هذا لخصوصيتها.
ويقولون: إن بني هاشم كانوا يعرفون أحكاماً لا يعرفها الأمويون, وإن أهل البيت تعلّموا علوماً لم يتعلمها غيرهم, وإن بيعة غدير خم هي إفشاء لبعض حقوق أهل البيت أما بقية الحقوق فبقيت مكتومة.
لذا كان إفشاء الدين خطيئة فهم يمنعونه عن أبنائهم حتى يبلغوا سن الرشد, وبعد تعهد أوليائهم على أنهم أهل لحفظ سر الدين, عندها يقسم المرشح بسر (ع.م.س) على كتمان هذا الدين عن الآخرين.
5-التناسخ: عقيدة التناسخ قديمة في التاريخ فهي سمة مشتركة بين ديانات العالم القديم يقول الشهرستاني في الملل والنحل ج2, ص54: والغلاة على أصناف كلهم متفقون على التناسخ والحلول. كان التناسخ مقالة في كل ملة من المجوس والمزدكية والبرهمية في الهند ولدى الفلاسفة والصائبة ويقول محمد فريد وجدي في دائرة المعارف: ولعل أوائل القائلين بها هم: أحمد بن ضابط وتلميذه أحمد ناقوس وأبو مسلم الخراساني ثم انتشر ذلك في القرامطة.
ولقد لخص النوبختي فكرتهم في كتابه فرق الشيعة ص 32-35 بقوله: ومقتضى مذهب هؤلاء الغلاة أن لا دار الدنيا وأن القيامة إنما هي خروج الروح من البدن ودخولها في بدن آخر, إن خيراً فخير وإن شراً فشر, وأنهم مسرورون في هذه الأبدان أو معذبون فيها. والأبدان هي الجنات وهي النار, وأنهم منعّمون في الأجسام الحسنة الأنيسة المنعمة, ومعذّبون في الأجسام الرديئة المشوهة من كلاب وقرود وخنازير وحيات, وأن المؤمن عندهم يتحول سبع مرات قبل أن يأخذ مكانه بين النجوم, أما نصوصهم في ذلك فهي:
أ-في الباب الرابع من الباكورة السليمانية يقول: إنهم كانوا قبل بدء العالم أنواراً مضيئة وكواكب نورانية لا يأكلون ولا يشربون ولا يغوطون.
ب-وفي الباب السادس يقول: إن النصيرية تعتقد أن أرواح الشرفاء من المسلمين الراسخين في العلم تحل في هياكل الحمير, وأرواح علماء النصارى تحل في أجسام الخنازير, وعلماء اليهود في هياكل القرود.
ج-في الباب السابع: متى خلصنا من هذه الكثايف البشرية ترتفع أرواحنا إلى ما بين تلك الكواكب المتلاصقة التي هي درب التبان وتلبس هياكل نورانية, وحينئذ نرى السماء صفراء وإذا سكنا في هذه الحياة الفانية تحل أرواحنا في أجسام؟ وليس لها حياة إلى أبد الآبدين.
لقد أجمع علماء المذاهب الإسلامية على إخراج من يقول بالتناسخ من دائرة الإسلام وحكموا عليه بالكفر لاصطدام هذه الفكرة مع ركن ثابت عرف من الدين بالضرورة ألا وهو الإيمان باليوم الآخر الثابت بنصوص يقينية.
كما أجمعت المجامع الكنسية المسيحية المنعقدة في ليون فرنسا عام 1276 وفي فلورنسة عام 1439 على إدانة القائلين بالتناسخ وتكفيرهم.
وكفّر المتكلم اليهودي المعروف سعديا الفيومي القائلين بالتناسخ من اليهود كما في كتاب الأمانات ص208.
6-التأويل وعلم الباطن: يقول الدكتور الذهبي في كتابه التفسير والمفسرون ج1 ص18 التأويل هو صرف المعنى الراجح إلى المعنى البديل يقترن به فإذا لم يكن اللفظ محتملاً المعنى الذي حمّل عليه ولم يبين المتأوّل الدليل الذي حمله على ذلك كان تأويلاً فاسداً بل تلاعباً بالنصوص. والتأويل الفاسد هو الذي اعتمده الغلاة مدعين أن القرآن ظاهراً وباطناً وأن المراد منه باطنه دون ظاهره.
ويقولون: إن الظاهر صدفة لابد من كسرها نهائياً لنصل إلى حقيقتها الباطنية بالتأويل, يقول أمين غالب الطويل في كتابه تاريخ العلويين: كان أهل السنة يظنون أن علم الباطن منحصر في الإسماعيلية والحقيقة أن علم الباطن هو علم مختص بالعلويين, ويقول إن الأحكام الإسلامية لم تكن كلها ظاهرة كما يظن البعض ولقد نسبوا للإمام الرابع علي زين العابدين هذه الأبيات:
إني لأكتم من علمي جواهره              كي لا يرى الحق ذو جهل فيفتينا
وقد تقدم في هذا أبو الحسن               إلى الحسين وأوصى قبله الحسنا
ورب جوهر علم لو أبوح به              لقيل لي أنت من يعبد الوثنا
ولا ستحل رجال مسلمون دمي            يرون أقبح ما يأتونه حسنا
ويقولون في تفسير الآية الكريمة ((منه آيات محكمات هنّ أم الكتاب وأخر متشابهات)) بأن الآيات المتشابهات لها معنى ظاهر ومعنى باطن يريدون أن يدعموا آراءهم بتأويل هذه الآيات, ويقولون بأن التفسير الصحيح منحصر في الإمام وحده ويستدلون على ذلك بالآية الكريمة ((وكل شيء أحصيناه في إمام مبين)) لذا فالإمام عندهم عارف بعلوم الأولين والآخرين –ولو كان جاهلاً- وذلك بسبب صلته المباشرة بالله تعالى. ويقولون بأن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم خصّ بالتنزيل وأن عليّاً رضي الله عنه خصّ بالتأويل, وأن التأويل خير من التنزيل والباطن خير من الظاهر لذا سموا الشيعة الاثنى عشرية بالظاهرية القشيرية ورموهم بالكفر والردة لوقوفهم عند ظواهر النصوص كما ذكر الشيبي في الفكر الشيعي ص 130 و 240.
من تأويلاتهم: الجنة: رجل أمرنا بموالاته وهو الإمام, والنار: رجل أمرنا بمعاداته وهو ضد الإمام.
الصلوات الخمس عندهم: علي والحسن والحسين ومحمد وفاطمة. وأن ذكر هؤلاء يغني عن الاغتسال من الجنابة والوضوء للصلاة أما الصوم فهو: حفظ سر الدين, والحج زيارة الإمام, والجهاد لعنة الخصوم (الباكورة السليمانية).
يقول سالسري: لقد انتهى التأويل الباطن بالأحكام الشرعية أن تتحول إلى حطام من السخف الذي لا ينطوي على معنى, إذ صار كل حكم من أحكام الشرع يمثل رمزاً أو تجسيداً لذات من الأشخاص.
وفي فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة ص 148 يقول حجة الإسلام أبو حامد الغزالي: من يغير برهان قاطع كالذي ينكر حشد الأجسام وينكر العقوبات الحسية في الآخرة بظنون يجب تكفيره قطعاً.
يقول كولد زيهر في كتابه العقيدة والشريعة ص 338 ما يلي: وهكذا أصبحنا لا نستطيع أن نتبين في مذهبهم قواعد الإسلام وأركانه وانتهى الأمر حقيقة إلى طمس معالم الإسلام وانحلال عقائده انحلالاً تامّاً.
7-إسقاط التكاليف وإباحة المحرمات: نزعة قديمة تبيح لأتباعها تجاوز الأحكام الدينية والإلزامات الخلقية والاعتبارات الاجتماعية. ربطها مؤرخو الأديان بالمجوسية والزرادشتيه والمزدكية. ذلك أن المجوس طبقة من الكهنة كانت تبيح الزواج بالأقارب المقربين. عن تاريخ حضارات الشرق ج2 ص 434, ويقول الشهرستاني في الملل والنحل ج ص286 ما يلي: عرف عن مزدك دعوته إلى الإباحية واستحلال النساء فقد تزوج يزدجر الثاني الذي تولى الحكم في القرن الخامس الميلادي من ابنته كما عرف أن بهرام جور الذي حكم في القرن السادس الميلادي قد تزوج من أخته. ويذكر أيضاً أن عادة الزواج بالمحارم كانت عادة منتشرة في الزرادشتية وكانت أكثر شيوعاً بين أهل التقى إرضاء لآلهتهم. وقد تأوّل الجناحية الآية الكريمة ((ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا)) في إسقاط التكاليف ثم انتقلت هذه العادة وتأصلت في المجتمع النصيري. يقول حمزة الدرزي في الرسالة الدامغة يصف النصيريين بقوله: فيهم القتل والسرقة والكذب والافتراء والزنا واللواط. وفي كتاب المقالات والفرق, يحذر الإمام أبو محمد الحسن العسكري أحد أتباعه من النصيريين فيقول له: إني أبرأ إلى الله من محمد بن نصير الطهري وابن بابا القمي. إني محذرك وجميع موالي ومخبرك أني ألعنهما عليهما لعنة الله, يقول لاجانش في تحفة النظّار لابن بطوطة وفي خطط الشام ما يلي: إن النصيرية يشكلون فرقة غالية تذكرنا أخلاق المجوس حيث يبيحون إشاعة البنات والأخوات والأمهات لا يصلّون ولا يتطهرون ولا يصومون متأوّلين قوله تعالى: ((يريد الله أن يخفف عنكم)) ((ويضع عنهم إصرهم والأغلال)) ويقول القمي في المقالات والفرق: ولكن النصيرية أوغلوا في التأويل فلقد أوّل ابن نصير الآية بإسقاط التكاليف وإباحة المحارم وحل نكاح الذكور في أدبارهم ويزعم أن ذلك من التواضع وأنها من الطيبات الحلال.
لقد أحلوا الخمر بل إنهم يعظمونها ويعظمون شجرة الكرمة التي هي أصل الخمرة لذلك يستعظمون قطعها. أما الاسم المقدس للخمرة عندهم فهو عبد النور لأن الله ظهر فيها كما وأنهم يحبون ابن ملجم قاتل الإمام علي بن أبي طالب لأنه خلّص اللاهوت من الناسوت ويخطئون من يلعنه.
8-العبادة عندهم: نوع من الحب والطاعة والولاء لأئمتهم ورؤسائهم. أما العبادات الظاهرية التي يؤدياه المسلمون السنيون فهي معرفة أشخاص من أئمتهم ورؤسائهم الدينيين وأصحاب المراتب عندهم, ورد في الباكورة السليمانية أن الصلوات الخمس وأوقاتها عندهم كالآتي: الظهر لمحمد العصر لفاطر أي فاطمة والمغرب للحسن والعشاء للحسين والصبح لمحسن الخفي. والزكاة دفع خمس ما يملكون لشيوخهم حتى من مهور بناتهم.
أما الحج فهو زيارة أئمتهم ورؤسائهم والصوم حفظ سر الدين والبعد عن النساء والجهاد سب الخصوم والنصيريون لا يؤدون صلاتهم في المساجد إنما يصلون في بيوتهم صلاة تشبه صلاة النصارى ويجتمعون أحياناً في بيوت معلومة ويسمون اجتماعهم (عيداً) يعظهم فيها شيوخهم ويتلون عليهم بعض القداسات التي نقلنا بعض نصوصها.
9-السباب والشتائم على الشيخين وغيرهم ممن عادى أحد أئمتهم: اعتقادهم أن مسبة المخالفين فريضة دينية وهي من الجهاد ويشملون بذلك كل من عادى الرسول ولو كان من أهل البيت, وكل من عادى عليّاً ولو كان من أصحاب الرسول, وكل من عادى فاطمة ولو كان من أصحاب علي, وكل من عادى الحسنين ولو صاحب أباهم, ويعلل الطويل صاحب كتاب تاريخ العلويين سبب ذلك اعتقادهم عصمة الأئمة وآبائهم فمخالفة أحدهم مخالفة للعصمة ومعاداة أحدهم معاداة لصاحب الحق, ويقولون: إن من أسلم من قريش بعد التحاق علي بالرسول الكريم ليس كامل الإيمان ولو لم يعاد أهل البيت ويقول صاحب الكتاب: بعد وقعة صفين اتخذ علي عادة بأن يلعن معاوية وعمرو بن العاص بعد صلاة كل ظهر وكذلك جعل معاوية شتم علي ووليه والأشقر وابن عباس من الفرائض وقد ظل الأمويون يشتمون عليّاً حتى خلافة عمر بن عبد العزيز الذي نهى عن ذلك لذا اعتبر العلويون شتم المخالفين والغاصبين لحقوق أهل البيت من الفرائض الدينية). وهذا لا دليل عليه.
ويرى بعض الدارسين أن سبب تخصيصهم سيدنا عمر بمزيد من شتائمهم ونقمتهم ويدّعون أنه هو الشيطان نفسه وهو الشجرة المنهي عنها في القرآن. يرجع إلى الفتوحات الساحقة التي تمت أثناء خلافته في بلاد فارس والمذهب النصيري كله تم تحضيره وتنسيقه ونشره في بلاد فارس وعلى أيدي أناس من فارس وأن عمر كان عوناً لأبي بكر في تولّيه الخلافة وحجبها عن علي. وأنه عارض عليّاً في منع السيدة فاطمة من ميراث فدك. وموقفه من جبلة بن الأيهم باني مدينة جبلة التي تقع في موطن إقامتهم بسوريا حين هروبه من بلاد الروم, ومن أسباب ذلك أيضاً إيصاؤه بالخلافة من بعده لستة يختارون الخليفة بينهم؛ مما مهد لتولي عثمان ولتقوية نفوذ الأمويين. تلك أسباب كرههم للشيخين جزاهما الله عنا كل خير.
10-المرأة في عقيدة النصيريين: ليس للمرأة عند النصيريين اعتبار إنساني لذا فهي ليست جديرة بتلقي الدين وتحمّل واجباته, ذلك لأن المحارم عندهم كانت مباحة في الماضي حتى منعتها القوانين السورية. ولقد كنا نظن قبل الاطلاع على عقائدهم –بأن تساهلهم في الحفاظ على بناتهم وتأجيرهن كخادمات في بيوت الأثرياء يرجع لفقرهم, ولكن نصوص ديانتهم التي تحط من قدر المرأة تفسر لنا هذه الظاهرة فقد ورد في الفصل السادس من درة الدرر: أن عليّاً قال في كتابه (الطاعة حتى تقوم الساعة) مخاطباً سلمان الفارسي: واعلم أنني إنما ظهرت للخلق والعباد بصورة التأنيس (الإنسان) حتى أبيّن لهم الخير والشر. فمنهم من سمع النداء وسكن في ضميره فنم على إقراره, ومنهم من سمع النداء ولم يؤكد ولم يسكن في ضميره فنم على إنكاره على مدى الأدوار والأكوار.
ومن من لم يسمع النداء وهم النساء وسائر الإناث, فمن ذلك اليوم حرمت على النساء المعرفة وحرمت على المؤمنين أكل لحوم الإناث (من الحيوانات) لهذا قلت وكل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه, واعلم يا سلمان أن إسرائيل اسمي. انتهى. لذلك يسمون فاطمة بصفة المذكر فينطقونها فاطم. لأن المرأة ليست من أهل الدين والمعرفة في نظرهم, وفي كتاب الباكورة السليمانية ص 61 ولعل من أهم العوامل التي ساهمت في تعميق عقدة النقص عند المرأة النصيرية هو اعتقادهم الديني بأنها لا تملك روحاً كما هي الحال بالنسبة لبقية الحيوانات الأخرى. ورد في كتابهم المصفت الشريف ص 168: وقال منه السلام الشياطين من المرأة. وإن الإنسان في كفره وعتوه وتمرده وتناهى في ذلك صار إبليساً ويرد في صورة امرأة.
11-القيامة في عقيدة النصيرية: القيامة عندهم هي قيام الإمام المحتجب صاحب الزمان ليحكم بين أتباعهم وخصومهم, ويحقق السيادة لهم وحدهم ضد خصومهم من أتباع الخلفتين الأول والثاني ومن شايعهم, وعندها يعلن الدين كل خفي ومكتوم منه. وهذه القيامة هي الرجعة الكبرى والكرة الزهرا. ومن نصوصهم في ذلك ما جاء في درة الدرر وفي الفصل السادس ما يلي:
عن جابر قال: أتيت مولانا الباقر عليه الصلاة فقلت: فما فعل الله بالأول والثاني (يعني أبا بكر وعمر) لعنهما الله قال: مزجهما بالخلق المنكوس حتى إذا قام القائم وصار إلى الغريب ودعي إلى ما دعى إليه السيد محمد ويجد الأول والثاني فيخرجهما ويأتي بهما إلى البقيع ثم يأتي بجذع من جذوع النخل ويأمر بشقه ويصلبهما عليه فيورق الجدعان من تحتهما فيفتتن بها الناس في آخر أمرهما, أشر مما فتنوا في أوله ثم ينادي القائم عليه السلام بأصحابهما فيزجرهم زجرة واحدة.
وفي سورة الشهادة من نفس المرجع: واقرأ في الرجعة البيضا والكرة الشقرا وفي كشف الغطا وجلا العمل وإظهار ما كتم وإعلان ما خفي وظهور علي بن أبي طالب من الشمس قابضاً على كل نفس, الأسد من تحته, وذو الفقار بيده, والملائكة من خلفه والسيد سلمان بين يديه والماء ينبع من بين قدميه والسيد محمد ينادي ويقول هذا مولاكم علي بن أبي طالب فاعرفوه وسبحوه وعظموه وكبروه. هذا رازقكم وخالقكم فلا تنكروه.
12-قداسات النصيرية: للنصيرية قداسات كما للنصارى، ذكر منها كتفاجو ثلاثة قداسات: أ-قداس الطيب لكل أخ حبيب. ب-وقداس النجور في روح يدور في محل الفرح والسرور. ج-قداس الآذان وبالله المستعان؛ جاء فيه: ديني مسلسل طاعة إلى القديم الأزل أقر كما أقر السيد سلمان حين أذن المؤذن في أذنه وهو يقول: شهدت أن لا إله إلا هو العلي المعبود, ولا حجاب إلا السيد محمد المحمود ولا باب إلا سلمان الفارسي ولا ملائكة إلا الخمسة الأيتام الكرام ولا رب إلا ربي شيخنا وهو شيخنا وسيدنا الحسين بن حمدان الخصيبي سفينة النجاة وعين الحياة, حي على الصلاة حي على الفلاح تفلحوا يا مؤمنون حي على خير العمل بعينه الأجل.
13-بعض نصوص كتبهم:
وتحمل السور أسماء مختلفة بعضها قرآني مثل سورة الفتح أو السجود محرّفاً عن السجدة, وأسماء أخرى غير قرآنية مثل الحجابية, والبيت المعمور, والجبل, والشهادة.
وقد تبدأ بعض السور بآية أو آيتين قرآنيتين ثم لا تلبث أن تتجه وجهتها في تأليه "عليّ" ففي الباكورة السليمانية ص 26 نجد؛ إن سورة الجبل تبدأ بالقرآن الكريم على هذا النمط: ((شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم * إن الدين عند الله الإسلام * ربنا آمنا بما أنزلت واتّبعنا الرسول فاكتبنا مع الشّاهدين))([1]) . وحتى الآن فإن تلاوة هذه الآيات البينات سليمة تماماً, غير أننا لا نلبث أن نفاجأ بأن الآية قد وصلت باللون النصيري مبتعدة كل الابتعاد عن قدسية المسرى القرآني وإذ الفقرة القرآنية الأخيرة تصير هكذا "واكتبنا مع الشاهدين بشهادة ع م س, اشهد عليّ أيها الحجاب العظيم, اشهد عليّ أيها الباب الكريم, اشهد علي يا سيدي المقداد اليمين, اشهد عليّ يا سيدي أبو الدر الشمال... بأن ليس إلهاً إلا عليّ بن أبي طالب الأصلع المعبود, ولا حجاب إلا السيد محمد المحمود, ولا باب إلا السيد سلمان الفارسي المقصود وأكبر الملائكة الخمسة الأيتام, ولا رأي إلا رأي شيخنا وسيدنا الحسن بن حمدان الخصيبي الذي شرع الأديان في سائر البلدان, أشهد بأن الصورة المرئية التي ظهرت في البشرية هي الغاية الكلية وهي الظاهرة بالنورانية وليس إله سواها وهي علي بن أبي طالب, وأنه لم يحط ولم يحضر ولم يدرك ولم يبصر, أشهد بأني نصيري الدين, جندبي الرأي, جنبلاني الطريقة, خصيبي المذهب, جليّ المقال, ميموني الفقه, وافر الرجعة البيضاء والكرة الزهراء, وفي كشف الغطاء وجلاء العلماء, وإظهار ما كتم وإجلاء ما خفي, وظهور علي بن أبي طالب من عين الشمس قايض على كل نفس, الأسد من تحته وذو الفقار بيده والملائكة خلفه والسيد سلمان بين يديه والماء ينبع من بين قدميه والسيد محمد ينادي ويقول: هذا مولاكم علي بن أبي طالب فاعرفوه وسبّحوه وعظّموه وكبّروه. هذا خالقكم ورازقكم فلا تنكروه. اشهدوا عليّ يا أسيادي أن هذا ديني واعتقادي وعليه اعتمادي وبه أحيا وعليه أموت وعليّ بن أبي طالب حي لا يموت بيده القدرة والجبروت, إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً علينا من ذكرهم السلام".
وحتى تكون الفكرة عن هذا الفريق أوسع فلا بأس من قراءة السورة الخامسة التي أطلق مؤلفها عليها "الفتح", وهو يستفتحها بسورة الفتح الكريمة, ثم لا يلبث كالعادة أن ينتقل إلى تأليه عليّ مع تعريج علي جمل غير مترابطة إذا لم يخرج القارئ منها بما يقنعه فإنه يخرج بمزيد من الفكر عن طبيعة العقيدة النصيرية حسبما تقدمها هذه الجماعة (عن الباكورة السليمانية 18, 19).
((إذا جاء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً * فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توّاباً)) أشهد أن مولاي أمير النحل عليّ اخترع السيد محمد من نور ذاته وسمّاه اسمه ونفسه وعرشه وكرسيه وصفاته متصل به ولا منفصل عنه ولا متصل به بحقيقة الاتصال ولا منفصل عنه في مباعدة الانفصال, متصل به بالنور منفصل عنه بمشاهدة الظهور, فهو منه كحس النفس من النفس أو كشعاع الشمس من القرص أو كدويّ الماء من الماء أو كالفتق من الرتق أو كلمع البرق من البرق أو كالنظرة من الناظر أو كالحركة من السكون, فإن شاء علي بن أبي طالب بالظهور أظهره وإن شاء بالمغيب غيبة تحت تلالي نوره, وأشهد بأن السيد محمد خلق السيد سلمان من نور نوره وجعله بابه وحامل كتابه, فهو سلسل وسلسبيل وهو جابر وجبرايل وهو الهدى واليقين وهو بالحقيقة رب العالمين, وأشهد بأن السيد سلمان خلق الخمسة الأيتام الكرام, فأولهم اليتيم الأكبر والكوكب الأزهر والمسك الأذفر والياقوت الأحمر والزمرد الأخضر المقداد بن أسود الكندي وأبو الذرّ الغفاري وعبد الله بن رواحة الأنصاري وعثمان بن مظعون النجاشي وقنبر بن كادان الدوسي هم عبيد مولانا أمير المؤمنين لذكره الجلال والتعظيم, وهم خلقوا هذا العالم من مشارق الشمس إلى مغربها وقبلتها وشمالها وبرها وبحرها وسهلها وجبلها ما حاطت الخضراء وحوت الغبراء من جابلقا إلى جابرصا إلى مراصد الأحقاف إلى جبل قاف إلى ما حاطت به قبة الفلك الدوّار إلى مدينة السيّد محمد السامرة التي اجتمع فيها المؤمنون واتفقوا على رأس السيد أبي عبد الله ولا يشكون ولا يشركون ولا في سر علي بن أبي طالب يبيحون ولا يخرقون له حجاباً ولا يدخلون إليه من باب اجعل المؤمنين مؤمنين ومطمأنين ومؤيّدين مجبورين على أعدائهم وأعدائنا منصورين, واجعلنا بجعلتهم مؤمنين مؤمنين ومطمأنين مستورين مجبورين, على أعدائهم وأعدائنا منصورين بسر الفتح ومن فتح الفتح ومن كل الفتح على يده اليمين بسر سيدنا محمد وفاطم (أي فاطمة) والحسن والحسين ومحسن سر الخفي وأشخاص الصلاة وعدّة العارفين علينا من ذكرهم السلام صلوات الله عليهم أجمعين".
ومن كتيب صغير محفوظ في باريس.
تحت رقم 6182 يضم مئة سؤال وسؤال مع أجوبتها تتضمن عقيدتهم نورد نصوصاً منه: من الذي خلقنا؟ الجواب: علي بن أبي طالب أمير المؤمنين, من أين تعلم أن عليّاً إله؟ - مما قاله هو عن نفسه في خطبة البيان "أنا سر الأسرار أنا شجرة الأنوار, أنا دليل السماوات, أنا أنيس المستجاب, أنا سائق الدعوة, أنا شاهد العهد أنا زاجر القواصف, أنا محرك العواطف, أنا فوق السحاب..... إلخ".
من الذي دعانا إلى معرفة ربنا؟ - محمد كما قال في خطبته إنه أي علي ربي وربكم.
إذا كان عليّاً الرب فكيف تجانس مع المتجانسين؟ - إنه لم يتجانس بل احتجب في محمد في دور تحوله واتخذ اسم علي.
ما المعنى وما الاسم وما الباب؟ هؤلاء الثلاثة لا ينفصلون كما في قولنا بسم الله الرحمن الرحيم – فالله هو المعنى والرحمن هو الاسم والرحيم هو الباب. ما اسم مولانا أمير المؤمنين في مختلف اللغات؟ - سماه العرب عليّاً وسمى نفسه هو أرسطوطاليس وفي الإنجيل اسمه إيليا أي إلياس وسماه الهنود كنكره.
لماذا تسمى مولانا باسم أمير النحل؟ - لأن المسلمين ويقصد النصريين مثل النحل ولذا سمي أمير النحل, ما أسماء المراتب السبع؟ - المرتبة الأولى وتحوي أربعمائة باب منها الأنوار والسحاب والشموس, المرتبة الثانية الأيتام الخمسة, والثالثة النقباء وعددهم ستمائة نقيب, والرابعة النجباء وعددهم سبعمائة, والخامسة المختصين وعددهم ثمانمائة والسادسة المخلصين وعددهم تسعمائة والسابعة المحسبين وعددهم ألف ومائة. ما اسم الخمر المقدس؟ - عبد النور لأن النور ظهر فيها. ما معنى الكلمة الظاهرة والباطنة؟ - الكلمة الظاهرة قدرة مولانا والباطنة هي ألوهيته.
وهناك نص آخر أورده ابن الفضل العمري في كتاب التعريف بالمصطلح الشريف نقله عنه القلقشندي في صبح الأعشى ج 13 ص 250 وهو كما يلي: إنني وحق العلي الأعلى وما اعتقده في المظن الأسنى وحق النور وما نشأ منه والسحاب وساكنه وإلا برئت من مولاي علي العلي العظيم وولائي له ومظاهر الحق وكشفت حجاب سليمان من غير إذن وبرئت من دعوة الحجة نصير, وخضت مع الخائضين في لعنة ابن ملجم وكفرت بالخطاب – يعني دين النصيرية – وأذعت السر المصون وأنكرت دعوى أهل التحقيق وإلا قلعت أصل شجرة العنب من الأرض بيدي حتى أجتث أصولها وأمنع سبيلها وكنت مع قابيل على هابيل ومع النمرود على إبراهيم وهكذا مع كل فرعون قام على صاحبه إلى أن ألقى العلي العظيم وهو علي ساخط وأبرأ من قول قنبر وأقول إنه بالنار ما تطهر, ويعلق الدكتور الشكعة على هذه النصوص فيقول ص 296: قد تستبد الحيرة بالمسلم وهو يقرأ هذه الصفحات التي سطرت عن العقيدة المنسوبة للعلويين ولقد هممت أن أنكر هذه المعلومات جملة وتفصيلاً, وأوشكت أن أفعل ذلك حتى ولو كان الأمر متعلقاً بعدد قليل من العلويين, ولقد أسهم في تزكية إنكاري هذا أن مصدر أكثر هذه المعلومات التي ذكرت مأخوذة من كتاب "الباكورة السليمانية في كشف أسرار الديانة العلوية" لمؤلفه سليمان الأدني (نسبة إلى أدنه) نشأ علوياً ثم تحول عن العلوية إلى اليهودية, ثم ما لبث أن تحول إلى البروتستانتية, ثم حلا له أخيراً أن يتحول إلى راهب كاثوليكي (تاريخ العلويين 393).
الواقع أن هذا التحول في حد ذاته يحمل معنى التقلب والتحدي الذي يجعل المرء يتردد في اعتماد ذلك الكتاب كمصدر يعتمد عليه, خاصة وأن الرأي العلوي في سليمان هذا أنه كان سكيراً عربيداً, الأمر الذي أدى إلى طرده من الجامعة العلوية. أما الرجل من ناحية وجهة نظره فيذكر أنه لم يستطع أن يتقبل عقائد القوم وغلوهم الشديد المقرون بالجهل, الأمر الذي زعزع عقيدته أو بالأحرى جعله وقد وجد نفسه بغير عقيدة, ومن ثم أخذ يبحث عن دين, وينتقل من عقيدة إلى أخرى بين الإسلام واليهودية والمسيحية, بل تأرجح بين فرقتين من الفرق المسيحية نفسها.
إن صاحب الباكورة السليمانية ربما كان معذوراً من الناحية الشكلية في تخبطه بين الديانات, شأن غيره من العلويين الذين افتقدوا التوجيه الديني الرشيد فتحولوا كلية عن الإسلام, وإن الشيخ الجليل عبد الرحمن الخير, وهو ممن نجلهم من إخواننا العلويين ديناً وعلماً وحسن إسلام يقول في هذا المقام: إن المخلصين من رجالات العلويين الأفذاذ ظلوا يجالدون سياسة الاستعمار الغاشمة التي كانت ترمي بين ما ترمي إليه تنصير جهلائهم, ومن البداهة أن الاستعمار لا يقدم على تنصير مسلم إلا إذا كان بين هذا المسلم وبين الإسلام شأن بعيد, مسافته جهل وغفلة, ولقد كان عدد كبير من مشايخ العلويين –ناهيك عن عوامهم- غارقين في تيارات الغلو, سالكين متاهات الجهل بحقائق العقيدة, هذا فضلاً عن كثرة عددهم الذي كان يناهز عدد العوام (عن تاريخ العلويين 477).
نقول: إننا أوشكنا أن نرفض كل ما جاء في كتاب الباكورة سالف الذكر –وما جاء فيه مفزع خطير- لولا أننا رأينا اتفاقاً ومطابقة في الكثير من الذي أورده مع آراء محمد بن الحسن العاني الخديجي المشهور باسم المنتجب العاني المتوفى حوالي سنة 400 هـ. والمنتجب العاني واحد من أعلام المذهب العلوي وشعرائه.
إن كلا من المنتجب العاني وسليمان الأدني يذكر "أيتام سلمان الخمسة, ويعدد أسماءهم, وهم المقداد الكندي, وأبو ذر الغفاري, وعبد الله بن رواحة الأنصاري, وعثمان بن مظعون, وقنبر بن كادان, وذكرهم مقرون بالتمجيد والإجلال عند كل من المصدرين([2]) .
وكل من المنتجب العاني وسليمان الأدني يتفقان في ذكر الآراء الشديدة الغلو حول ما أسمياه "ظهورات الإله في المظاهر التي اصطفاها" "فهابيل وشيت ويوسف ويوسف ويوشع وآصف وشمعون وعليّ كلهم ظهورات تتجلى فيهم ذاتية الله حيناً وتغيب حيناً آخر عن الأبصار"([3]) .
ويتفق كل من المنتجب وسليمان في تأليه علي بن أبي طالب وظهوره من عين الشمس على أسد, وسيفه بيده, والملائكة خلفه, وسلمان بين يديه, المنتجب يذكر ذلك في قصيدة أطلق عليها جذوة التوحيد, وصاحب الباكورة يذكر ذلك في سورة الشهادة أو الجبل([4]) . الحق أنني لا ألوم بعض "المشايخ" فضلاً عن العوام إذا ما قورن موقفهم بموقف عالم كبير كالمنتجب العاني.
وكل من سليمان الأدني والمنتجب يتفق في مثلث ع م س, أن هذا المثلث: علي. محمد. سلمان – يكاد يطفو على كل صفحات باكورة الأدني, وهو في نفس الوقت. يجري على لسان المنتجب في أكثر من قصيدة, إن قصيدة المنتجب التي أسماها كأس الوفاء ينثرها ويعلق عليها مؤلف المنتجب على هذا النحو قائلاً: "والحق ما دعا إليه محمد بن عبد الله في رسالة الإسلام, فالميم ويعني به محمداً هو استمرار الحقيقة الثانية في الأزل وبه يستجير, ويعني به سلمان الذي جعله محمد من آل البيت هو استمرار الحقيقة المحمدية كما فاض نور الحقيقة المحمدية الأحدية الجليلة التي لا تقاس ولا نسب لها... وتظهر مغالاته –أي مغالاة المنتجب- من جهة مقالته بإفراز عليّ بإمارة المؤمنين, ولعله كان يرى في علي المظهر الإنساني للذات الإلهية مما يجعل القارئ يتصور أن الهدف من قول المنتجب هو عقد ع م س صريحاً كل الصراحة.
ويتفق كل من المنتجب والأدني في هجاء الصحابة البررة والتطاول على أم المؤمنين السيدة عائشة, وسوف نعف عن ذكر نصوص التطاول على أم المؤمنين إجلالاً لمقامها الشريف, ونضرب صفحاً عما وصف به الصحابة الكرام إكراماً لمقامهم, وإنما يستطيع القارئ أن يراجع النصوص في مصادرها إذا أراد"([5]) .
ويتفق سلمان الأدني مع المكرون السنجاري في ذكر أشخاص الصلاة, وأعترف أنني حتى الآن ما فهمت أن هناك أشخاصاً للصلاة وأشخاصاً للصوم وأشخاصاً للحج([6]) .
الحق أن المنتجب شاعر بارع متمكن موهوب, أما أن يكون المنتجب نفسه ذا صلة وثيقة بالديانين فهذا أمر يكون الرجوع عنه بكثير من اليسر في ضوء النماذج السابقة التي أوردناها كأمثلة على تفكيره وعقيدته, خاصة إذا كان هذا الفكر يلصق بالعلويين ويستهدف استكناه ما يرويه البعض حول عقيدتهم.
إن أولى قصائد ديوان المنتجب على الرغم من عمده فيها إلى الإلغاز والتخفّي والإغراق في المصطلحات الباطنية والوقوف وراء الرموز لم يستطع أن يكون بمنجاة عن اقتناص القارئ اللبيب لأهدافه ومعانيه. إن أولى قصائده –وكانت مدح المهاجري- مطلعها:
إن كنت لي صاحباً قف لي بهبّود         وقل لعينيك في إطلالها جودي
بني نمير رضاكم منتهى أملي             وأنتم دون خلق الله مقصودي
أيامكم فهي أيامي وقولكم                  قولي ومعبودكم بالسر معبودي
وللحجاب سجودي مع سجودكم            وللعلي العظيم الشأن توحيدي
والباب سلمان منه أصل معرفتي           كما به طاب في الفردوس تخليدي
                                                       عن مستدرك الأعلام ص195
وفي كتاب الإسلام في مواجهة الباطنية لأبي الهيثم نشر دار الصحوة نصوص كثيرة مأخوذة عن مخطوطات ينشر بعضها لأول مرة لا تخرج في فحواها عن هذا الخط.
14-أشهر المؤلفات والمؤلفين في النصيرية: المؤلفون الخمسة الذين أدرجوا في التراث الكتابي للنصيرية في رأي ماسينيبون هم:
أ-المفضل الجعفي (المتوفى 180هـ) يلقب بالعالم وهو معتمد بوصفه راوياً للكتب المنسوبة للإمام جعفر الصادق أشهرها السراط والعقود والأساس والأشباه والأظلة وهي مخطوطات باريس.
ب-يونس أو يوسف بن ظبيان الكوفي له حقائق أسرار الدين.
ج-محمد بن سنان الظاهري (متوفى 225هـ) له الأنوار والحجب.
د-جعفر بن محمد بن المفضل الجعفي. له آداب عبد المطلب.
هـ-أبو شعيب محمد بن نصير النميري البصري (متوفى 270هـ) له الأمثال والصور مخطوط باريس.
و-محمد بن حبان الجنبلاني (المتوفى 287هـ) له الإيضاح في سبيل النجاح.
أما مؤلفو النصيرية الأقدمون فهم.
1-الخصيبي: (أبو عبد الله الحسين بن حمدان) ويلقب بالشيخ يبراق توفي في حلب 357هـ له الهداية الكبرى. أهداه لسيف الدولة –وكتاب المائدة والمجموع. وكتاب أسماء النبي وأسماء الأئمة وكتاب الإخوان.
2-والحلي محمد بن أحمد وله رسالة في باطن الصلاة وشرح المجموع والفتن والرتق وغيرها.
3-والقطيعي أبو الفتح محمد بن حسن البغدادي له الرسالة الاسمية.
4-والجسري علي بن عيسى له كتاب الأوحد.
5-وأبو ذهبية إسماعيل بن خلاد: من بعلبك وهو من الإسحاقية: له كتاب الفصح والبحث.
6-والشيخ الطبراني أبو سعيد ميمون بن قاسم: له مجموع الأعياد والحاوي والدلائل والرد على المرتد وغيرها.
7-أبو يعقوب إسحاق النخعي الملقب بالأحمر ألف كتاباً في التوحيد أسماه (الصراط) ملأه خرافات وتدجيلاً.
وأما مؤلفو النصيرية الحديثون:
فمنهم الكركي علي بن الحسين له السر الخفي والإفادة في إيضاح الشهادة.
ومحمد بن يونس كلازوجراني من أنطاكية له التأييد والجدول الوراني والباطن.
والشيخ إبراهيم مرهج, والشيخ حسين الأحمد همين تلميذ المرهج له اليمنية والزبدة والابتهالات والمنهل المورود وغنيمة السفر. والشيخ علي ماخوس له الوراثة. ومحمد أمين غالب الطويل الأدني متوفى 1922 في اللاذقية وله تاريخ العلويين. وسليمان الأدني من أدنة كان نصيرياً ثم تنصّر بتأثير المبشرين الأمريكان, جاء اللاذقية وألف فيها الباكورة السليمانية وطبعه المبشرون غير أنه سحب من السوق بسرعة ثم تظاهر أهله بالتسامح معه ودعوه للعودة إليهم ولما وصل إليهم حرقوه حيّاً لكشفه أسرارهم. كما ورد في دائرة معارف القرن العشرين لفريد وجدي.
15-تشكيلاتهم الدينية: يعتقدون أن الأجزاء الثلاثة (الاسم والمعنى والباب) لم تنته بعد انتهاء الرسالة بل بقيت متجسدة في أشخاص ثلاثة فظهر المعنى بصورة الإمام والاسم بولي عهد الإمام, الذي سيحل محله بعد وفاته, والباب هو الذي يقف بجانب الإمام يدعو له ويجمع الناس حوله ويبلغهم تعاليم الإمام.
فعلي بن أبي طالب بابه سلمان الفارسي ولقبه زوربة, والحسن بن علي بابه قيس بن ورقة ولقبه سفينة, والحسين بن علي باب رشيد الهجري, وعلي بن الحسين بابه عبد الله بن أبي غالب الكابلي (كنكر) ومحمد الباقر وبابه يحيى بن معمر بن أم الطويل الثومالي. وجعفر الصادق بابه جابر بن بريد الجعفي. موسى الكاظم وبابه محمد بن أبي زينب الكاهلي. وعلي الرضا بابه المفضل بن عمر. محمد الجواد بابه محمد بن المفضل بن عمر. وعلي الهادي بابه عمر بن الفرات الملقب بالكاتب. الحسن العسكري بابه محمد بن نصير البصري النميري مؤسس المذهب النصيري أما محمد الحجة المهدي المنتظر فقد اختفى في زعمهم عام 265هـ.
رجال الدين عندهم أربع عشرة مرتبة فيقسمون إلى قسمين: الأول خمسة عشر ألف شخص يتكون منهم العالم العلوي النوراني الكبير وهم السماوات السبع وهم الكواكب التي تقع خارج درب التبانة وهم سبعة: الأبواب والأيتام والنقباء والنجباء والمختصون والمخلصون والممتحنون. والقسم الثاني منهم تسعة عشر ألف شخص يتكون منهم, العالم النوراني الصغير هم: الأرضون السبع مجموعة كنجوم في درب التبانة, تتخلص أرواحهم من الهياكل البشرية وتتطهر من الأدناس بالتناسخ, ثم تلبس الهياكل النورانية وتلتحق بالنجوم السمتوية وتذهب إلى الجنة أما مراتبهم فسبعة كذلك هي: المقربون – الكرويون – الروحانيون – المقدسيون – التابعون – المستمعون – اللاحقون.
16-أعيادهم: أما أعيادهم فهي خليط من أعياد الديانات المختلفة كالنصرانية والهندوكية وغيرها وهي:
أ-عيد الغدير في 18 ذي الحجة وهو عيد الشيعة عامة, وسر تقديسه في اعتقادهم أن النبي الكريم آخى في حجة الوداع بين الصحابة ولم يؤاخ بين علي وأحد منهم فرأى الرسول في علي انكساراً لخاطره فضمه إلى صدره وقال له: ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي)) والتفت الصحابة وقال لهم: ((من كنت مولاه فعلي مولاه)) وبيعة الغدير عند النصيرية هي ذكرة استخلاف النبي صلى الله عليه وسلم لعلي وفيها كمال الدين الذي عنته الآية الكريمة ((اليوم أكملت لكم دينكم)).
وفي صبيحة هذا اليوم يصلون صلاة العيد ركعتين قبل الزوال ويلبسون الجديد ويذبحون الأغنام ويلحقون الأجانب بالأهل في الإكرام كما روي في صبح الأعشي.
ب-عيد الفطر: ويسمى عيد الفطاير يحتفلون به في 6 كانون الثاني يناير بعد انتهاء الصوم الخاص بهم (عن الدسم).
ج-عيد الأضحى: يحتفلون به في الثاني عشر من ذي الحجة أي بعد احتفال المسلمين بيومين, كما يحتفلون ليلة العاشر من ذي الحجة باعتبارها الليلة التي ولد فيها سيدنا علي بن أبي طالب.
د-عيد الفراش: وهي ذكرى جلوس سيدنا علي في فراش ابن عمه رسول الله ليلة الهجرة (رأس السنة الهجرية).
هـ-عيد عاشوراء: في العاشر من محرم وهي ذكرى مصرع الحسين في كربلاء وهو عيد عند سائر الشيعة غير أنهم يعتقدون أن الحسين لم يمت بل اختفى كعيسى بن مريم.
و-عيد الغدير الثاني: في التاسع من ربيع الأول وهي ذكرى ضم الرسوم للحسن والحسين في ردائه. وهو يوم المباهلة حيث اجتمع الرسول الكريم بوفد نصارى نجران وضم إليه أهله وقال ((تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم)) والآية من آل عمران.
ز-عيد النوروز: أو العيد الجديد يحتفلون به في أول الربيع وهو عيد فارسي الأصل مدته ستة أيام. والظاهر أن بعض المسلمين قد تأثروا به في بعض الأقطار فشاركوا بالاحتفال به حتى منع في عهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه.
ح-عيد المهرجان: في 16 تشرين الأول أكتوبر ويصادف أول الخريف. وهو عيد فارسي كذلك.
ط-عيد رأس السنة الميلادية: وهو عيد النصارى ويسمونه عيد (القوزلّة) يجتمعون فيه وهم سكارى ويطفئون الأنوار. كما يحتفلون بعيد البربارة وعيد الميلاد النصرانيين.
ي-عيد الصليب: يحتفل فيه النصيريون ويجعلونه بداية معاملاتهم كدفع الأجور وبدء الزراعة وقطف الثمار ثم يتجهون إلى المعارض المقامة في الأديرة لشراء لوازمهم كمعرض دير الحميراء في تكعاغ ويعرض دير مار إلياس في صافينا كما يروي مصطفى الشكعة في الإسلام بلا مذاهب.
ك-عيد ليلة النصف من شعبان: ويعتقدون أن التجلي الأعظم سيكون فيها.
17-طوائف النصيريين وعشائرهم:
أ-الحيدرية: نسبة إلى حيدر وهو لقب سيدنا علي رضي الله عنه.
ب-الشمالية: أو الشمسية, وهم الذين يقولون إن عليّاً في السماء يسكن الشمس وإن الشمس هي محمد.
ج-الكلازية: أو القمرية: يعتقدون أن عليّاً يقيم في القمر ويعتقدون أن الإنسان إذا شرب الخمر الصافية يقترب من القمر وينتسبون إلى الشيخ محمد بن كلازي.
د-الغيبية: يقولون إن الله تجلى ثم غاب والزمان الحالي هو زمان العودة. وهم يجردون الله من صفاته مثل الإسماعيلية.
أما من ناحية أصولهم القبلية: فيعتبر اليعقوبي أن أصل النصيريين المتواجدين في جبال النصيرية (جبل السمان سابقاً) تنحدر من القبائل اليمنية همدان وكندة ويزيد الهمذاني قبائل غسان وبهرا وتنوخ وهم ممن اعتنق المذهب الشيعي في وقت مبكر, فلقد هاجرت غسان إثر الحروب الصليبية مع أميرهم الحسن بن مكزون وهو جد الحدادين, وفرضوا سيطرتهم على جبل سنجار كما ورد في تاريخ العلويين للطويل إلى أربعة أقسام:
1-الكلبية في قرداحة ومعهم عدة عشائر منها الرشاونة والرسالنة والنواجرة والجلقية والقراطلة.
2-الخياطين في المرقب ومعهم عشائر أخرى. نسبة للشيخ علي الخياط. وتشمل: البساترة والخزرجية والسوارخة والعبدية والبغدادية.
3-الحدادين ومعهم المهالبة وغيرهم في سنجار. والحدادين نسبة إلى المعلم محمد الحداد بن الأمير ممدوح السنجاري بن أخ الأمير محمد المكزون وهم أصل عشائر بني علي والمتاورة والمهالبة والدراوسة.
4-المتاورة (أو المتاولة) والنيلاتية قرب حلب والمتاورة نسبة إلى متوار أول موطن نزل به المكزون.
ومن العشائر التي تنسب إلى أمكنة إقامتها: الرشاونة نسبة إلى قرية الرشية في جبل الشعراء, والجردية نسبة لجرود الجبال التي سكنوها, والفقاورة نسبة إلى قرية فقرو في جنوبي مصياف, والدراوسة نسبة إلى جبل دريوس وقد سبق القول أنهم من الحدادين.
ومن العشائر التي نسبت إلى صفة عرفت بها أو إلى شخص تولى زعامتها: عشيرة الغيبية أي الذين رضوا بما كتب عليهم في الغيب وانقادوا للمقادير, وجماعة الجرانة لأنه حفروا أجراناً في الصخور حيث كانوا يدخرون الماء الذي يشربونه أيام انقطاعهم للدعاء, ثم يتغلب اسم الكلازية على الجرانة نسبة إلى الشيخ محمد بن يونس كلازو, من قرية كلازو التابعة لأنطاكية, وبنفس الطريقة يتغلب اسم الحيدرية أو المواخسة نسبة إلى الشيخ على الماخوس الذي انشق على الكلازية واتبع الحيدرية فسمي الذين اتبعوه الماخوسية, وهي اسم قرية في جهات اللاذقية. (عن تاريخ العلويين 373 / 474).
ومن أكبر العشائر العلوية عشيرة الكلبية, وهم يسكنون قلب جبال العلويين في عديد من قراه, وهي تضم الرشاونة والرسالنة والنواصرة والجلقية والقراطلة.
وواقع الأمر أن قضية العشائر العلوية قضية معقدة, لأنها لا تخضع للنظام العشائري المعروف من حيث الانتماء العرقي, وإنما هي مجموعات من القوم ارتبطت برباط الإقامة أو المصحلة المشتركة او العقيدة أو الوشيجة الصوفية أو الحلف ضد الأخطار, فإذا أخذنا مثلاً عشيرة الدراوسة وجدنا نسبتهم إلى جبل دريوس حسبما مرّ بنا قبل قليل, ولكنهم في نفس الوقت يمثلون فروعاً من الحدادية –وقد ذكر ذلك- والمهالبة وبني علي وفرعاً من القراطلة, وهؤلاء الأخيرون من الأتراك وليسوا عرباً على عكس المهالبة وبني علي, ويمكن القياس على ذلك في تكوين أكثر العشائر توزيعهم في البلاد الإسلامية كما ورد في دائرة المعارف الإسلامية.
يستوطن في جبل العلويين (النصيرية) /213000 / نسمة حسب إحصاء عام 1956.
وفي لواء اسكندرون بتركيا / 58000 / نسمة. ومنهم فيلسوف القومية العربية (زكي الارسوزي).
وفي محافظة حماة وحمص وبعض أحياء حلب وريف جسر الشغور وشمالي بحيرة الحولة / 3060 / نسمة (بانياس الفلسطينية وعين فيت).
وفي فلسطين شمالي نابلس / 2000 / نسمة.
وفي قيلقية أو كيلكيا وطرسوس في تركيا / 8000 / نسمة. ويعرفون باسم التختجية والحطابون ويطلق عليهم في شرق الأناضول اسم القزل باشيه.
وفي كردستان من إيران قبائل تتشابه عقائدهم مع النصيريين ويسمون بالنصيريين, أو (العلي الهية) كذلك. وفي ألبانيا باسم البكتاشية.
الأقليات وإحصاؤها في سوريا حسب إحصاء عام 1949م
 
الطوائف
اللاذقية
حماة
حمص
السويداء
السنيون
92131
161932
225774
2000
النصيريون
281798
62530
57572
 
الإسماعيليون
5200
33557
238
 
الأرثوذوكس
45015
28282
72495
 
الكاثوليك
1502
1059
12442
 
بروتستانت
32806
860
2642
 
طوائف أخرى
8675
1353
7149
 
الدروز
-
-
-
18500
 
وأما بقية المحافظات فغالبية السكان الساحقة مسلمون سنيون.
 
 فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية
 
هؤلاء القوم الموصوفون المسمون بالنصيرية هم وسائر أصناف القرامطة الباطنية: أكفر من اليهود والنصارى بل وأكفر من كثير من المشركين, وضررهم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم أعظم من ضرر الكفار المحاربين, مثل كفار الترك والإفرنج وغيرهم. فإن هؤلاء يتظاهرون عند جهال المسلمين بالتشيع وموالاة أهل البيت, وهم في الحقيقة لا يؤمنون بالله ولا برسوله ولا بكتابه, ولا بأمر ولا بنهي ولا بثواب ولا عقاب ولا جنة ولا نار ولا بأحد من المرسلين قبل محمد ولا بملة من الملل السالفة, بل يأخذون كلام الله ورسوله المعروف عند المسلمين ويتأولونه على أمور يقرونها ويدعون أنها علم الباطن من جنس ما ذكر السائل, ومن غير هذا الجنس فإنهم ليس لهم حد محدود فيما يدعونه من الإلحاد في أسماء الله تعالى وآياته, وتحريف كلام الله ورسوله عن مواضعه إذ مقصودهم إنكار الإيمان وشرائع الإسلام بكل طريق, مع التظاهر بأن هذه الأمور حقائق يعرفونها هي من ما ذكر السائل, ومن جنس قولهم أن الصلوات الخمس معرفة أسرارهم والصيام المفروض كتمان أسرارهم وحج البيت العتيق زيارة شيوخهم, وأن يدي أبي لهب هما أبو بكر وعمر وأن النبي العظيم والإمام المبين هو علي بن أبي طالب, ولهم في معاداة الإسلام وأهله وقائع مشهورة وكتب مصنفة, فإذا كانت لهم مكنة (استطاعة) سفكوا دماء المسلمين كما قتلوا مرة الحجاج وألقوهم في زمزم وأخذوا مرة الحجر الأسود, وبقي معهم مدة وقتلوا من علماء المسلمين ومشايخهم وأمرائهم من لا يحصي عددهم إلا الله تعالى وصنفوا كتباً كثيرة فيها, وصنف علماء المسلمين كتباً في كشف أسرارهم وهتك أستارهم وبينوا ما هم عليه من الكفر والزندقة, وبالإلحاد الذي هم فيه أكفر من اليهود والنصارى ومن براهمة الهند الذين يعبدون الأصنام, ويقول: إن التتار إنما دخلوا بلاد المسلمين وقتلوا خليفة بغداد وغيره من ملوك المسلمين بمساعدتهم ومؤازرتهم. فإن منجم هولاكو سلطان التتار والذي كان وزيره هو النصيري الطوسي بآلاموت وهو الذي أمر بقتل الخليفة وبولاية هؤلاء ويقول: وهم إذا كانوا في بلاد الإسلام التي يكثر فيها أهل الإيمان قد يخفون على من لا يعرفهم, وقد اتفق علماء الإسلام على أن مثل هؤلاء لا تجوز مناكحتهم ولا يجوز أن ينكح الرجل مولاته منهم ولا أن يتزوج منهم امرأة, ولا تباح ذبائحهم ولا يجوز دفنهم في مقابر المسلمين ولا يصلي على من مات منهم أبداً, فإن الله نهى نبيه عن الصلاة على المنافقين كعبد الله بن أبي ونحوه ممن يتظاهرون بالصلاة والزكاة والصيام والجهاد مع المسلمين. ولا يظهرون مقالات تخالف دين المسلمين فقال تعالى: ((ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره)) فكيف هؤلاء الذين هم مع الزندقة والنفاق ويظهرون الكفر والإلحاد ويقول: وأم استخدام هؤلاء في ثغر من ثغور المسلمين أو حصونهم وجندهم فهو من الكبائر بمنزلة من استخدم الذئاب في رعي الغنم, فإنهم من أغش الناس للمسلمين ولولاة أمرهم ومن أحرص الناس على إفساد الملة والدولة, فالواجب على ولاة الأمور قطعهم من الدواوين المقاتلة لا يغزو ولا يغيره ولا يجوز لهم تأخير هذا الواجب مع القدر عليه (عن فتاوى ابن تيمية).
 
رأي من عرف عقائدهم من النصارى
 
رأي الدكتور فيليب حتّى فيهم والوارد في كتاب تاريخ سورية ولبنان وفلسطين ص 220-221 الجزء الثاني يقول: إن مذهبهم مذهب سري الطابع كهنوتي النظام باطني التعليم, وعن عقائدهم يقول: إن النصيرية شأن غلاة الشيعة يؤلهون عليّاً وهو فيما يرون آخر مراحل التجسد الإلهي وأهمها, ويتمثل مذهب هذه الملة في آراء شيعية متطرفة ثابتة من أصل وثني, أو هو بتعبير آخر رواسب من ملل سورية وثنية مغلفة بغلاف من التعليم الشيعي المنحرف, ويقول: ويسمى النصيريون أحياناً بالعلويين وقد اشتهروا بهذا الاسم عندما حول الفرنسيون هذه المنطقة إلى دويلة منفصلة سموها دولة العلويين عام 1920, ويقول لامانس: إن النصيريين يشكلون فرقة غالية تذكرنا بأخلاق المجوس حيث يبيحون إشاعة البنات والأخوات والأمهات. لا يصلون ولا يتطهرون ولا يصومون, وإذا ألزموا ببناء المساجد فإنهم لا يدخلونها ولا يعمرونها وربما أوت إلى المسجد مواشيهم ودوابهم, وربما وصل إليهم الغريب فينزل في المسجد ويؤذن للصلاة فتقول له: لا تنهق علفك يأتيك (تحفة النظار ابن بطوطة) وخطط الشام ج3 ص 107-109 ويقول نولدكه في كتابه جوتينكان ص 29: وأدى بهم التأويل إلى نسيج سقيم من الأكاذيب والجهالات.
وفي المرجع السابق صفحة 152 يقول لامانس بعد زيارته للشيخ الأعلى للنصيرية الحيدرية: ومما جعلني أشك في النظام الديني للنصيرية أن كثيراً من طقوسهم وعباداتهم مبني على تشويه الآيات القرآنية ومسخها.
وفي المصدر السابق صفحة 122 يقول أيفاتو: لقد انتهى التأويل الباطني بالأحكام الشرعية إلى أن تتحول إلى حطام من السخف الذي لا ينطوي على معنى إذا صار كل حكم من أحكام الشرع يمثل رمزاً أو تجسيداً لذات من الأشخاص. راجع الباكورة السليمانية ص37 عن سالسبري يقول كولد زيهير في كتابه العقيدة والشريعة في الإسلام ص338 ما يلي وهكذا أصبحنا لا نستطيع أن نتبين في مذهبهم قواعد الإسلام وأركانه وانتهى الأمر حقيقة إلى طمس معالم الإسلام وانحلال عقائده انحلالاً تامّاً.
 
رأي الشيعة الاثنى عشرية بالنصيرية
 
ولو رجعنا إلى المصادر الشيعية الاثنى عشرية وتتبعنا رأيها في ادعاءات واعتقادات ابن نصير لوجدنا إجماعاً على بطلان هذه الادعاءات والاعتقادات, وهذا سعد بن عبد الله القمي –المتوفى عام 301هـ يقول: وقد شذت فرقة من القائلين بإمامة علي بن محمد في حياته, فقالت بنبوة رجل يقال له محمد بن نصير النميري كان يدعي انه نبي رسول, وأن علي بن محمد العسكري أرسله, وكان يقول بالتناسخ, ويغلو في أبي الحسن (علي بن أبي طالب) ويقول فيه بالربوبية, ويقول بالإباحة للمحارم, ويحلل نكاح الرجال بعضهم بعضاً في أدبارهم, ويزعم أن ذلك من التواضع والتذلل في المفعول به, وأنه من الفاعل والمفعول به إحدى الشهوات والطيبات, وأن الله لم يحرم شيئاً من ذلك, وكان محمد بن موسى بن الحسن بن الفرات([7]) يقوي أسبابه ويعضده. أخبرني بذلك عن محمد بن نصير أبو زكريا يحيى بن عبد الرحمن بن خاقات أنه رآه عياناً وغلام له على ظهره, قال فلقيته فعاتبته بذلك, فقال: إن هذا من اللذات وهو من التواضع لله وترك التجبر([8]) . وهذا الرأي نجده أيضاً في كتاب فرق الشيعة للنوبختي المتوفى عام 310هـ, فيوافق القمي على قوله في ابن نصير([9]) . ويصف الفقيه الشيعي أبو جعفر الطوسي ابن نصير بالإلحاد والجهل([10]) .
والحقيقة أن محمد بن نصير لم يكن أول من زعم هذه المعتقدات, فلو تتبعنا تاريخ الغلاة والباطنيين, لوجدنا السبئية –أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي- أول من ادعى أن عليّاً إله في الحقيقة, ثم تبعهم في ذلك (بيان) الذي زعم أن جزءاً إلهياً حل في علي, واتحد بجسده وبه كان يعلم الغيب([11]) . وجاء بعد البيان أبو الخطاب, والذي يعتبر من الأصول التي اعتمد عليها بن نصير, فادعى أن الأئمة آلهة, فلما بلغ ذلك جعفر الصادق لعنه وطرده, فادعى الألوهية لنفسه بعد ذلك([12]) .
 
لمحة تاريخية عن نشأة المذهب النصيري ومؤسسيه
 
لقد اتخذ محمد بن نصير مدينة سامراء مقراً له إلى أن هلك 262هـ, وكان محمد بن نصير البصري النميري باباً للإمام الحسن العسكري وبعد وفاة الإمام العسكري ووفاة أو غيبة ابنه محمد –حسب اعتقادهم- استقل ابن نصير بزعامة الطائفة وادّعى لنفسه الخصائص التي كانت للأئمة من أهل البيت فجمع بذلك الباب والإمامة, وبعد وفاة ابن نصير تولى الزعامة من بعده محمد بن جندب, ومن بعده أبو محمد عبد الله بن محمد الجنان الجنبلاوي الفارسي نسبة إلى جنبلان في العراق العجمي وكان عالماً بالفلسفة والنجوم والتصوف وبقية علوم عصره. وقد أحدث النصيريون طريقة خاصة بهم نسبوها للجنبلاوي سموها الطريقة الجنبلانية وكا الجنبلاوي معاصراً للجنيد بن محمد بن حبيب الخراز البغدادي الصوفي, سافر الجنبلاوي إلى مصر وتعرف فيها بالحسين بن حمدان الخصيبي المصري وضمه إلى طريقته واصطحبه معه إلى جنبلان حيث صاحبه بقية حياته, واستلم رئاسة الطائفة من بعده, ثم رحل الخصيبي إلى بغداد حيث قام بمعظم أعماله الدينية وألف كتاباً أسماه –زست باش- أهداه إلى تلميذه عضد الدولة ابن بويه ويعرف عند النصيريين باسم الرسالة الرستباشية ومعناه الطريق إلى الاستقامة. وفي بغداد نظم الخصيبي طريقته الجنبلانية ومذهبه النصيري وعين وكلاء عنه لقيادة الطريقة والمذهب, ثم سافر إلى خراسان وبلاد الديلم ومضارب بني ربيعة وتغلب لنشر أفكاره وجمع الأنصار حوله. ثم ازدادت جذور التصوف عمقاً عند المنتجب العاني والمكزون السنجاري وغيرهم من زعماء النصيرية.
لقد تمكن البويهيون من التسلط على مركز الخلافة العباسية سنة 334 هـ وكانوا كسائر المواطنين الفرس والديلم يعتنقون المذهب الزيدي إلا أنهم لأسباب سياسية أعلنوا المذهب الشيعي الاثنى عشري مذهباً رسمياً للدولة, وقد رافق هذا الحدث تحول فكري أدى إلى التواصل والتفاعل بين التشيع والاعتزال بلغ غايته في وزارة الصاحب بن عباد الذي ورث الاعتزال من والده, فنتج عن ذلك نشاط علمي قام به صفوة علماء الاثنى عشرية أمثال ابن بابويه القمي والشيخ المفيد والشريف الرضي والمرتضى علم المهدي لتحديد معالم المذهب ورفع الاشتباه بينهم وبين المذاهب المتداخلة معه. بعد هذا التطور السياسي وافكري اضطرت الجماعات الغالية التي كانت تدعي التشيع زوراً وبهتاناً إلى الانتقال إلى بلاد الشام, علها تبعد عن رقابة فقهاء الإمامية, وخاصة بعد أن فقدت وزيرها اين الفرات الذي عرف بنزعته الباطنية وبانتمائه للقرامطة, والتي سوغت له ادعاء الوحي والنبوة كما ورد في صفحة 313 من كتاب الوزراء للصابي, دخل الخصيبي دمشق فلم يرتح لها ولم يجد فيها مبتغاه فغادرها بعد أن ذم أهلها في قصائده, واستقر في حلب وألف كتابه الهداية الكبرى وقدمه هدية إلى سيف الدولة الحمداني وبقي في حلب حتى توفي 346هـ, ودفن شمالي حلب ولا يزال قبره حتى الآن معروفاً باسم قبر الشيخ يابراق, ويعتقد النصيريون أن الخصيبي هو الإمام العظيم الذي نفخ فيهم روحاً عالية رفعتهم من حضيض الأسر والهوان إلى الاستقلال والحاكمية. كما ورد في كتاب تاريخ العلويين ص 195 وفي صفحة 199, 200 يقول: لقد دأب الخصيبي ووكلاؤه في الدين إرشاد بعض أفراد من بقية الأديان إلى دينهم, وهؤلاء يبقون بصفتهم مسلمين شيعة أو جعفرية والذين يشاهد فيهم الكفاءة يدخلهم في الطريقة الجنبلانية التي استحال أفرادها في يومنا هذا إلى الشعب العلوي النصيري الذي أصبح يملك سجايا وميزات نبوية تقارب جميع الطوائف العربية والتركية من مسيحية ويهودية.
فقد كان للخصيبي وكلاء في العراق والشام وله تلاميذ من الملوك والأمراء من بني بويه وبني حمدان والفاطميين, لذا كانوا يسمونه شيخ الدين. مما تقدم يتضح أن الخصيبي كان يتظاهر بتشيعه لآل البيت ويكتم نصيريته حتى إذا وثق من أتباعه أدخلهم في الطريقة الجنبلانية ومن ثم ينقلهم إلى دين الطائفة النصيرية.
بعد وفاة الخصيبي نشأ للنصيريين مركزان أحدهما في بغداد يرأسه السيد علي الجسري ناظر جسور بغداد والذي انقرض بعد حملة هولاكو على بغداد, والثاني في حلب يرأسه محمد بن علي الجلي الذي استلم رئاسة الطائفة بعد أبي سعيد الميمون سرور بن قاسم الطبراني فنقل مركزه إلى اللاذقية عام 423هـ وبقي فيها حتى توفي عام 426هـ وله مقام في مسجد الشعراني باللاذقية معروف باسم قبر الشيخ محمد البطرني أو الطبراني. والجلي نسبة إلى جلية قرب أنطاكية حيث تضم زعيم الفرع الجيلاوي من النصيرية, حتى اليوم. حين انتقل أبو سعيد الميمون إلى اللاذقية كانت جبلة مركزاً للإسحاقية وهي فرقة باطنية غالية تنتسب إلى أبي يعقوب إسحاق النخعي الملقب بالأحمر لأنه كا يستر برصه بصبغة حمراء. ألف كتاباً أسماه الصراط وجعل موضوعه التوحيد أكثر فيه من الخلط والزيغ (كما في تاريخ بغداد وتاريخ العلويين والبداية والنهاية) والذي تولى الزعامة بعده الأعسر ثم اللقيني ثم الحقيني ثم إسماعيل بن خلاد –الملقب بأبي ذهبية لكثرة غناه- ولما نقل أبو ذهبية مركز إقامته إلى اللاذقية خاف منه أبو سعيد الميمون الطبراني, وتصادف قدوم جماعة من عشيرة الهلاليين مهاجرين بزعامة الأمير دياب بن غانم طلباً للكلاً, فنزلوا على ضفة نهر العاصي الغربية فاستعان بهم أبو سعيد الميمون الطبراني لقتل إسماعيل بن خلاد أبو ذهبية زعيم الإسحاقية. فقتلوه عام 245هـ وله قبر في اللاذقية يعرف بقبر الشيخ قرعوش وبقتله انحلت زعامة الإسحاقية وانفرد ابن ميمون بزعامة الطائفة وبعد وفاة أبي سعيد الميمون الطبراني تناوب على رئاسة الطائفة عدة مشايخ إلى أن جاء الأمير حسن المكزون السنجاري إلى اللاذقية بناء على طلب الشيخ محمد اليانياسي والشيخ علي الخياط اللذين شرحا له مضايقة الأكراد والأتراك لهم فزحف لجيش قوامه خمسة وعشرون ألفاً وعسكر قرب قلعة أبي قبيس على جبل الكليبة فتنبه الأكراد والأتراك لخطره فتجمعوا في مصياف وأغاروا عليهم فهزموهم فرجع إلى سنجار وبعد ثلاثين عاماً أغار على جبال النصيريين واتخذ قلعة أبي قبيس مقرّاً هدفياً له وقرية سيانو قرب جبلة يقرأ شفوياً ثم بدأ للتأليف في قواعد المذاهب حتى هلك عام 638هـ ودفن في كفر سوسة وصار قبره مزاراً للجاهلين.
وفي الأسماء الكبيرة التي تولت رئاسة العلويين أبو الحسن الطرسوسي الصغير المتبتل العابد الزاهد الصائم وأبو الحسن الطرسوسي الكبير.
كان أبو سعيد الميمون الذي ولد في طبرية أعظم رجل بعد الخصيبي ألف كتباً عديدة في المذهب وكان مشهوراً بالسباب على الشيخين وأتباعهما, ثم انفرط عقد الطائفة من بعده لعدم وجود من يحل محله في العلم والقيادة, وبقي للطائفة مجلسهم الطائفي الذي يخطط للوصول إلى الحكم, كما وأن لجوءهم إلى الجبال الحصينة في محافظة اللاذقية ليؤكد شعورهم بالعزلة الدينية أولاً بسبب احتقار المسلمين لهم في وقت يعتبرون فيه أنفسهم شعب الله المختار, كما يؤكد عزلتهم عن المجتمع الذي ناصبوه العداء فكانوا مع الغزاة ممن يكيدون له ولوطنه ولعقيدة شعبة.
أ- مواقفهم من القضايا القومية والوطنية:
 
أول هذه المواقف تواطؤهم مع الصليبيين ضد العرب والمسلمين, إذ الثابت كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في رسائله: إن السواحل الشامية إنما استولى عليها الصليبيون من جهتهم ولتأكيد صلتهم بالغزاة, ورد قول محمد كرد علي في خطط الشام ص 52: (دبروا محاولة مزدوجة لقتل البطل صلاح الدين الأيوبي وإنهاء حياته ولو وفقوا لقتلوا أمة بأسرها) ويعترف محمد أمين غالب الطويل بأن مدينة أنطاكية سقطت بعد الصليبيين بفعل الاتفاق والذي وقع بين الزعيم النصيري فيروز وبين قائد الصليبيين بوهموند.
وفي تحفة النظار ص65 ورد ما يلي: (عندما تصدى الملك الظاهر بيبرس لحملات التتار المغول وأفلح في صدّ اجتياحهم الأسود للبلاد العربية كان النصيريون عوناً للتار ولم يتمكنوا من دخول حلب ودمشق إلا بمؤازرتهم, ولما انتهى الظاهر بيبرس من التتار عام 676هـ في عين جالوت توجه إلى حصون النصيرية فعمل فيها هدماً وتخريباً. يقول ابن تغري بردي: ثم خرج الظاهر من دمشق يوم السبت عاشره وتوجه بطائفة من العسكر بجهة وولده ويبليك الخازندار بطائفة أخرى إلى جهة, وتواعدوا الاجتماع في يوم واحد وبمكان معين ليشنوا الغارة على جبلة واللاذقية والمرقب وعزفة ومرقية والقليعات وصافيتا ومجدل الطرطوس, ويتم في رحلة ابن جبير ثم ألزمهم ببناء المساجد وتعميرها علّهم يعودون إلى دين الإسلام, ثم لم يلبثوا أن تركوها خربة لا يدخلونها ولا يعمرونها وربما أدت إليها مواشيهم وربما أدى إليها مستطرق فأذن فيها فيقولون لا تنهق علفك يأتيك (النجوم الزاهرة ج7 ص150).
ثم أعادوا الكرة فحمل عليهم المنصور سيف الدين بن قلاوون حملة شديدة وأمرهم بتشييد المساجد والإنفاق عليها, ورد في البداية والنهاية للحافظ ابن كثير الجزء الرابع الصفحة 53 ما يلي:
وفي مطلع القرن الثامن للهجرة عام 707هـ خرجت النصيرية عن الطاعة وقام بينهم رجل اسمه محمد بن الحسن المهدي القائم بأمر الله, فكان تارة يدعي أنه علي بن أبي طالب وتارة يدعي أنه محمد بن عبد الله صاحب البلاد, تزعم شن حملة من التكفير على المسلمين فتبعه الكثيرون من النصيرية ثم هاجموا المسلمين في مدينة جبلة فقتلوا الكثيرين من أهلها وهم يصيحون لا إله إلا علي ولا حجاب إلا محمد ولا باب إلا سلمان, وأمر أصحابه بتخريب المساجد واتخاذها خمارات وسبوا الشيخين وكانوا يقولون لمن أسروه من المسلمين: قل لا إله إلا علي واسجد لإلهك المهدي الذي يحيي ويميت حتى يحقن دمك. ويقول صاحب كتاب تاريخ العلويين ص328 وهو نصيري لاذقاني: ثم سافر تيمور إلى الشام وهو كمصيبة سماوية وقبل سفره جاءت هذه العلوية –درة الصدف- بنت سعد الأنصار ومعها أربعون بنتاً بكراً من النصيريين وهي تنوح وتبكي وتطلب الانتقام لأهل البيت, وسعد الأنصار هذا هو من رجال الملك الظاهر, فوعدها تيمور بأخذ الثأر ومشت معه إلى الشام والبنات النصيريات معها تنوح وتبكي وينشدن الأناشيد المتضمنة للتحريض والأخذ بالثأر, فكان ذلك سيجيء للشام بمصائب لم يسمع بمثلها. ويقول: (ولم ينج من بطش تيمورلنك بالشام إلا عائلة واحدة من المسيحيين وأمر تيمور بقتل أهل السنة واستثناء العلويين النصيريين وبعد الشام ذهب تيمور إلى بغداد وقتل بها تسعين ألفاً).
وتشير ملفات السياسة للدولة العثمانية في كتاب باش وكالة أرشيفي مهمة دفتري 70 و 80 ما يلي: أن التدابير الوقائية التي تعتمدها السلطنة ضد النصيريين كان دافعها وباستمرار تحقق العثمانيين من وقوف النصيرية إلى جانب الفرس؛ ذلك لأن الشيخ جنيد الجد الأعلى للشاه إسماعيل الصفوي كان قد أقام ردحاً من الزمن في قلاع النصيرية القريبة من جبل أرسوس بخليج إسكندرون. ودخل في علاقات مصاهرة وزواج معهم كما أكدت ذلك دائرة المعارف الإسلامية. لذا أرسلت الدولة العثمانية أكثر من حملة ضدهم لأنهم كانوا رديفاً يعين الصفويين الفارسيين في حربهم ضد السلطنة, وكانت المعركة الفاصلة بينهم معركة جالديران عام 1514م انتصر فيها ياروز سليم على الصفويين وأنصارهم من النصيريين.
ويبرر محمد أمين غالب الطويل خيانتهم في كتابه تاريخ العلويين يقول:
ولما كان لابد للضعيف المظلوم من التوسل والخيانة لكي يحافظ على حقوقه أو يستردها وهذا أمر طبيعي يساق إليه كل إنسان كان العلويون كلما غصب السنيون حقهم يتوسلون بغدر السنيين عند سنوح الفرصة. إن كارثة بغداد عام 656 هجرية حيكت بيد الوزير الباطني ابن العلقمي ومساعده ابن أبي الحديد والرافضي النصير الطوسي الذي ما زال يتزلف لهولاكو حتى أصبح مستشاره المفضل.
مواقفهم في عهد الانتداب الفرنسي:
سكن النصيريون جبال اللاذقية المنيعة وقلاعها الحصينة, كقلعة صهيون قرب الحفة وقلعة المرقب قرب بانياس وقلعة الحصن قرب تلكاخ مما ساعدهم في الحفاظ على شخصيتهم الانعزالية وعقيدتهم الطائفية وتعصبهم لبعضهم كأقلية. ومما شجعهم بالتالي على التعاون مع القوى الخارجية الغازية في سيطرتها على سكان البلاد الأصليين([13]) ولئن شجع المجلس الملي النصيري أتباعه على النزوح للمدن بغية تضليل المسلمين والسيطرة عليهم, إلا أن الغالبية العظمى ظلت محتفظة بطابعها الطائفي وبعزلتها الشعورية وبولائها لكل مستعمر دخيل. ورد في كتاب تطور الحركة الوطنية لزوقان قرقعط "درزي قومي".
ففي كانون أول 1912م صرح بوانكاريه رئيس وزراء فرنسا في البرلمان الفرنسي آنذاك قائلاً: لست بحاجة أن أقول للمجلس: إن لنا في لبنان وسورية مصالح تقليدية وأننا لعازمون على جعلها موضع احترام.
ولكي لا تتداخل خارطة التجزئة الفرنسية مع خارطة التجزئة البريطانية كانت الاتفاقيات التي تمت بينهما بعد الحرب العالمية الأولى تهدف إلى الحفاظ على حصة كل منهما, فلقد استثنت بريطانيا في مراسلاتها مع الشريف حسين المناطق الداخلة في حصة فرنسا والتي منها منطقة النصيريين في اللاذقية والإسكندرونة وبيروت, كما تم الاتفاق بين لويد جورج وكليمنصو على أن يتم انسحاب الإنكليز من كليكية وسورية وجبل لبنان في 1 تشرين الثاني. على أن يحل محله الجيش الفرنسي والذي انتشر بالفعل في الساحل السوري وكليكية, كما انتشر الجيش العربي في دمشق وحمص وحماة وحلب, وقد أثار هذا الاتفاق مشاعر الغضب والاحتجاج لدى الملك فيصل والحركة الوطنية. وسافر فيصل إلى باريس في 20 تشرين الأول 1919 لإجراء محادثات تهدف إلى وحدة القطر السوري واستقلاله, ولكن الجنرال غورو المفوض السامي الفرنسي في بيروت أرسل إلى فرنسا يحذرها من التساهل مع فيصل لعدم رغبة النصيريين بالاتحاد مع السوريين, فقال في برقيته كما ورد في كتاب بلاد الشام للكوثراني ص211 ما نصه:
وأفيدكم بهذا الصدد أن النصيريين الذين يستيقظ حسهم الإقليمي الذاتي قد ساعدوني كثيراً في قمع الفتنة التي أثارها الشريف حسين في منطقة تلكلخ, ولقد تلقيت برقية تفيد أن 73 زعيماً نصيرياً يتحدثون باسم جميع القبائل يطالبون بإنشاء اتحاد نصيري مستقل تحت حمايتنا المطلقة.
وبانتهاء الحرب قسم الفرنسيون سوريا إلى ثلاث حكومات منتدبة هي: حكومة بيروت وحكومة اللاذقية وحكومة الإسكندرونة. أما بالنسبة لحكومة اللاذقية فقد ضمت إليها كافة النصيريين الملحقين بريف المحافظات المجاورة حماة وحلب وحمص. وجلعت لها كياناً مستقلاً وسمتهم باسم حكومة العلويين وذلك بتاريخ 1/9/1925. وذلك تغطية لواقع هذه الطائفة الغريبة عن المجتمع السوري؛ وذلك استجابة لرغبة النصيريين أنفسهم كما يذكر يوسف الحكيم في كتابه سورية والعهد العثماني ص68, لقد أشار الملك فيصل على رجال الحركة الوطنية ضرورة عقد مؤتمر يضم ممثلين عن سوريا بمناطقها الثلاث يهدف إلى إثبات رغبة الشعب السوري في الوحدة والتحرر.
ويقول الحكيم الذي شغل مناصب وزارية في عهد فيصل في الصفحة 99 من المرجع السابق: إن النصيرية أخلصوا للانتداب الفرنسي ولم يبعثوا بنائب عنهم إلى المؤتمر السوري ويبرر موقفهم بأنه كان متفقاً مع مزية العرفان بالجميل حيث شملهم الفرنسيون بالعناية والعدالة والعطف البارز.
وقد يتوهم البعض بأن ثورة صالح العلي النصيري كانت بدافع الوطنية مما يدل على وجود وطنيين بينهم وخونة كغيرهم من الطوائف الأخرى ولكن المطلعين على تاريخ هذه الطائفة ليدللون على أنها لم تكن لدافع وطني بل كانت بدوافع شخصية وحجتهم في ذلك:
1-أن ثورة صالح العلي كانت محصورة في منطقته ولم تعمم كافة مناطق النصيريين.
2-يقول محمد كرد علي في خطط الشام ج3 ص 174, 175: أما مبعث ثورة صالح العلي, فإن الدراسة التحليلية لها قادتنا إلى القول بأنها ترتبط أساساً بالصراع الذي كان قائماً بين النصيريين والإسماعيليين, وهو صراع قديم اشتد حين استولى الإسماعيلية على بلدة القدموسي التي تعد من أهم مراكز النصيرية, وكان صالح العلي يشن هجماته عليها لطرد الإسماعيلية منها, ولما جاء الفرنسيون وتحالفوا مع الإسماعيليين فكان طبيعياً أن يهاجم صالح العلي الإسماعيلية وحلفاءهم الفرنسيين.
3-استغلت الحكومة العربية برئاسة الملك فيصل النزاع القائم بين صالح العلي وخصومه الإسماعيليين وحلفائهم الفرنسيين, فعينته نائباً عن جبل النصيريين لقاء تعاونه معهم كما اتصلت به حركة الاتحاديين في تركيا وأمدته بالسلاح لتضغط على فرنسا فتجبرها على الانسحاب من كليكيا وتقطع كل صلة لها بالعروبة والإسلام وكان لها ذلك حيث انسحبت فرنسا من كليكيا عام 1920م.
4-وما أنا تخلى الاتحاديون عن صالح العلي بعد انسحاب فرنسا من كليكية واشتدت هجمات الفرنسيين على صالح العلي حتى استسلم عام 1921م بعد وساطة زعماء النصريين دون أن يمسوه بأذى بينا أعدموا كل من وقع في أيديهم من قادة الجهاد الوطني من المسلمين.
5-وقامت الثورة السورية في المحافظات عام 1925 واستمرت حتى عام 1927م ولم تحرك نداءات المجاهدين وقادة الحركة الوطنية الشعور القومي والوطني لدى صالح العلي, مما يؤكد أن ثورته لم تكن بدوافع وطنية بل بدوافع شخصية وطائفية, ولو كانت بدوافع وطنية لاستجاب صالح لنداءات المجاهدين ولضم جهوده إلى جهودهم. ولكن صلحه مع المستعمرين أخمد في نفسه رغبته في تحرير وطنه, ولم يبق في الميدان سوى رجال الحركة الوطنية يتجاوب معهم كافة أفراد الشعب المسلم, وتحرك يوسف العظمة وزير الحربية السوري ليقاوم زحف الجيش الفرنسي في معركة غير متكافئة القوى, نال خلالها شرف الشهادة في الوقت الذي كان فيه صالح العلي يعلم ولاءه للمستعمرين, واضمحلت روحه الوطنية التي تتاجر بها طائفته والجاهلون ممن حولهم.
وفي استعراض ميليران رئيس وزراء فرنسا لخطته المرسلة ببرقيته بتاريخ 6 أيار سنة 1920 يقول: وبالنسبة لهؤلاء المقيمين في المنطقة الساحلية, والذين يتكلمون جميعاً اللغة العربية فيشكلون جماعة دينية مرتبطة نظرياً بالإسلام لكنها في الواقع منفصلة عنه تماماً ويجب أن لا تندمج بالمسلمين.
وجاء قرار غورو في أيلول 1920 كما يقول يوسف الحكيم في كتاب الوثائق التاريخية ص 254 وثيقة رقم 43: (إنه لما كان النصيرية قد صرحوا جلياً ومراراً بآمالهم بأن يكون لهم إدارة قائمة بذاتها تحت رعاية فرنسية؛ لأجل ذلك يجب أن تنشأ مقاطعة تجمع أكثرية هؤلاء ليتاح لهم أن يواصلوا السعي في سبيل مصالحهم السياسية والاقتصادية, وتحقيقاً للأماني التي صرحوا بها) وأصر الفرنسيون على تقسيم سوريا إلى دويلات طائفية, فسموا جبل العرب بحكومة الدروز وحكومة اللاذقية بحكومة العلويين, وضمت إليها أقضية صهيون وجبلة وبانياس وصافيتا ولواء طرابلس الشام القديم ومصياف وطرطوس بلغت مسحتها آنذاك حوالي سبعة آلاف كيلو متر كما ورد في كتاب بلاد الشام ص235, 236 للكوثراني.
وما أن بدأت فرنسا تتخذ سلسلة الإجراءات التمهيدية للاعتراف باستقلال سوريا حتى تقدم زعماء النصيرية بمذكرتهم إلى الحكومة الفرنسية يطالبون بالإبقاء على انفصال منطقتهم, ففي الوثيقة 124 من وثائق الخارجية الفرنسية ذكر المفوض السامي بونسو في خطابه لوزير الخارجية بتاريخ 28 نيسان 1933م أن وفداً من وجهاء النصيرية برئاسة رئيس المجلس التمثيلي في اللاذقية وصل بيروت لإبداء وجهة نظره بالوحدة السورية, وقد حدد رئيس المجلس موقفه بقوله: إننا لا نريدها بل على العكس نعارضها فالسوريون يعدوننا من الوجهة الدينية وأكدوا معارضتهم حتى لاتحاد كونفدرالي.
وفي مذكرة بتاريخ 12 مارس 1933 تحمل اسم محمد سليمان الأحمد الابن الأكبر للشيخ سليمان الأحمد والمعروف باسم بدوي الجبل جاء فيها: أن النصيريين ليسوا بمسلمين, ويذكر العالم الشهرستاني الذي يشكل أكبر موسوعة في الأديان يذكر في كتابه الملل والنحل أن النصيرية من المذاهب الإلحادية ولا صلة لهم بالدين الإسلامي وأن تسمية أنفسهم مسلمين محض افتراء لجئوا إليها لتغطية زندقتهم.
وعن ثورة الشيخ صالح العلي تقول المذكرة: إنها حتمية نتيجة سوء التفاهم بادئ الأمر, لكن الفرنسيين استثمروا هذه الثورة استثماراً نبيلاً حيث شملوا زعيمها بالعفو وعاملوه معاملة نبيلة. ثم حددوا موقفهم من الوحدة السورية بقولهم: إننا نعلن تمسكنا بالاستقلال وإننا نرى في فرنسا منقذتنا في هذا المجال / وثيقة 205 /.
أما الوثيقة 492 والمؤرخة في 8 حزيران 1926 فقد جاء فيها ما يلي: لقد جاءت حكومة الانتداب إلى بلادنا ونحن فريقاً منا بادئ الأمر إلى محاربة الجيش الفرنسي, ولكن الفريق الأكبر منا وثق بشرف فرنسا, فوضعنا أيدينا بيد الانتداب الذي قدر لنا هذه الثقة فحفظ لنا استقلالنا ونظمه, ومنذ ذلك الحين أخلصنا لفرنسا إخلاصاً لا حد له, وزاد هذا الإخلاص أن جميع المفوضين السامين كانوا يصرحون ويعدون باسم فرنسا بضمان هذا الاستقلال وحمايته, وكنا نتقبل هذه الوعود والتصريحات كما نتقبل كلام الله, وكم كانت دهشتنا عظيمة حين رأينا الفرنسيين ولأول صدمة يتلقونها من السوريين يتناسون جميع وعودهم السابقة ويعدون السوريين بإمكانية إلحاقنا بسوريا. إننا لا نسمح حتى لفرنسا الكريمة المحسنة أن تتصرف باستقلالنا وتهبه هدية لمن تريد, متناسية إخلاصنا وتضحيتنا وثقتنا من جهة ووعودها وتأكيداتها من جهة أخرى, وفي الملف 493 من سجلت الخارجية الفرنسية يسجل كتاب رئيس حكومة النصيريين إبراهيم الكنج المؤرخ في 25/6/1936, إلى وزير خارجية فرنسا يقول فيه:
كانت فرنسا وعدتنا بالاستقلال تحت حمايتها وقد حافظت على هذا الاتفاق ونظمته خلال الست عشرة سنة الماضية, ونحن لا نرى إلا أنها تنسى التزاماتها ومهمتها التحريرية عندما توافق الآن على التضحية بنا إلى أعدائنا القدماء, خلافاً لمصلحتها ومصلحتنا ولأجل أن أثبت حسن نوايانا واهتمامنا بالمصلحة العامة وفي حالة الاستحالة كلياً للإبقاء على استقلالنا من وجهة النظر الدولية فنحن نوافق على بحث اتحاد دولتنا مع لبنان البلد الجار الذي يتألف مثل بلادنا من أقليات سنتوصل دون شك إلى التفاهم معها وسنعرض مبررات هذا الاتحاد اللبناني النصيري بما يلي:
1-أن البلدين كانا مرتبطين بولاية بيروت في العهد العثماني.
2-كان لهذين البلدين صلات اقتصادية واسعة.
3-التشريعات الواردة في حكومة اللاذقية وحكومة لبنان بخلاف التشريعات السورية.
4-يتألف لبنان من أقليات دينية وهذا يشبه حكومة اللاذقية.
5-باتحاد حكومة اللاذقية ولبنان سيصبح لبنان الوطن الأوسع للأقليات في كل المشرق فيصبح عدد نفوسه ما يقارب 1.700.000 .
وفي الملف 493 تشير الوثيقة 852 إلى ما يلي: أن المجلس التمثيلي لدولة العلويين الذي يضم سبعة عشر عضواً وفق عدد السكان إلى اثنى عشر عضواً نصيرياً يؤيدون الاستقلال خمسة منهم يؤيدون الوحدة مع سوريا ومن هؤلاء الخمسة ثلاثة مسلمين سنيين واثنان نصيريان.
أما الوثيقة ذات رقم 3547 في وزارة الخارجية الفرنسية والتي وقع عليها سليمان الأسد ومحمد سليمان الأحمد, ومحمود أغا حديد, وعزيز أغا هواش, وسليمان مرشد, ومحمد بك جنيد, وفيما يلي نص هذه الوثيقة نورده لأهميته:
((دولة ليون بلوم, رئيس الحكومة الفرنسية: إن الشعب العلوي الذي حافظ على استقلاله سنة فسنة بكثير من الغيرة والتضحيات الكبيرة في النفوس, هو شعب يختلف في معتقداته الدينية وعاداته وتاريخه عن الشعب المسلم (السني). ولم يحدث في يوم من الأيام أن خضع لسلطة من الداخل.
إننا نلمس اليوم كيف أن مواطني دمشق يرغمون اليهود القاطنين بين ظهرانيهم على عدم إرسال المواد الغذائية لإخوانهم اليهود المنكوبين في فلسطين, وإن هؤلاء اليهود الطيبين الذين جاءوا إلى العرب المسلمين بالحضارة والسلام, ونثروا على أرض فلسطين الذهب والرخاء, ولم يوقعوا الأذى بأحد, ولم يأخذوا شيئاً بالقوة, ومع ذلك أعلن المسلمون ضدهم الحرب المقدسة بالرغم من وجود انكلترا في فلسطين وفرنسا في سوريا.
إننا نقدر نبل الشعور الذي يحملكم على الدفاع عن الشعب السوري ورغبته في تحقيق استقلاله, ولكن سوريا لا تزال بعيدة عن الهدف الشريف, خاضعة لروح الإقطاعية الدينية للمسلمين.
ونحن الشعب العلوي الذي مثله الموقعون على هذه المذكرة, نستصرخ حكومة فرنسا ضماناً لحريته واستقلاله, ويضع بين يديها مصيره ومستقبله, وهو واثق أنه لابد واجد لديهم سنداً قوياً لشعب علوي صديق, قدم لفرنسا خدمات عظيمة)) (عن العلويون أو النصيرية ص 55 و 56).
  
النصيريون والنصيرية في العصر الحديث
 
من المبالغة أن تقول بأن النصيريين اليوم يدينون كلهم بالمذهب النصيري الذي عرضنا تعاليمه, ومن الخطأ أن تقول بأن صلتهم قد انقطعت بهذا المذهب. إذ من الواضح أن المذهب قد تشكل لأهداف سياسية وطالما وجد بين شعب مسلم كان لابد له من أن يأخذ صبغة دينية حتى يحافظ على أنصاره وأعوانه.
وقد ساعد تفشي الجهل بين هذه الطائفة على رواج هذه الخرافات والأباطيل التي تنتهي بأن تجعل للزعماء من أهل البيت وخلفائهم سلطة إلهية تخولهم حق تغير العقائد والعبادات, وأنه لا قيمة لأي تفسير عندهم إلا إذا كان عن طريق الأئمة أو من ينوب عنهم وإن لم يكونوا من أهل البيت, وبذلك يسهل طمس معالم الدين وهذا ما يهدف إليه تأسيس أمثال هذه المذاهب. والنصيريون إزاء هذا المذهب ثلاثة أصناف:
1-المتعلمون وهؤلاء لا يدينون بالمذهب النصيري لمخالفته أبسط الحقائق العلمية, لذلك فقد تأثروا بالمبادئ المستوردة والدخيلة التي أوجدت لكي تكون البديل للأفكار الدينية, كالماركسية والوجودية والقومية العربية والقومية السورية وقليل منهم من تأثر بالإسلام.
2-الطبقة العامة: وهي متمركزة في قرى الجبل وهؤلاء لا زالوا يتأثرون بالخرافات الدينية ويخضعون لسلطة رجال الدين والزعماء الطائفيين.
3-طبقة شيوخ الطائفة والرؤساء: وهو صنفان المتعلمون منهم لا يقتنعون بدينهم النصيري, غير أنهم لا يبصرون أتباعهم من العامة وذلك لكي تبقى لهم السيطرة الكاملة عليهم, والجاهلون منهم لا زالوا يأخذون بحظ من هذه الخرافات بحكم التوارث حفاظاً على شخصيتهم المتميزة, ففي العصر الحديث وفي قرية الجوبة التابعة لقضاء الحفة في محافظة اللاذقية السورية, وفي عهد الانتداب الفرنسي ادعى سليمان المرشد الألوهية وآمن به أتباعه سنين عدداً, ولقد ساهم المستشار الفرنسي في إيهام نصيري الحفة بهذه الألوهية حيث قيل بأنه كان يسجد للرب سليمان أمام أتباعه ليوهمهم بصدق نبوءة سليمان, وكان يكشف بعض الحقائق التي لا يعرفونها بالوسائل الحديثة, كالراديو والهاتف وغيرها فيبنبئ أصحابه بها فيزدادون إيماناً به وبهذا يمكن للاستعمار أن يشتري عشيرة كاملة بشراء رئيسها الذي يدين له أنصاره بالطاعة العمياء. وما أن أخذ الشعب السوري استقلاله حتى عاش النصيريون في مواقعهم الحصينة منعزلين لا تعرف السلطة حقيقة ما يجري بينهم. وما أن اغتر الرب سليمان بقوته حتى راح يطالب بالحكم الذاتي وبتعيين وزير نصيري لمدينة اللاذقية, وتمرد على الدولة وأعلن العصيان المدني وهدد بالانفصال إن لم يستجب لطلبه فكان أن جهزت الحكومة السورية قوة عسكرية وهاجمته في مركز ربوبيته, وألقت القبض عليه وحكم عليه بالإعدام بعد محاكمة علنية ونفذ الحكم فيه زمن الرئيس شكري القوتلي عام 1946 وتولى الربوبية من بعده ابنه مجيب. لاحظ النصيريون أن انعزالهم واعتمادهم على الأجنبي لم يحقق شيئاً من أهدافهم بل زاد في تسويد صفحتهم وتدني سمعتهم, فقرروا أن يغيروا خطتهم ليسدلوا ستاراً على ماضيهم الأسود ويوشحوه بوشاح الوطنية علّهم يصلون إلى هدفهم بالسيادة التي دغدغت أحلامهم طويلاً. جاء في الملف 515 من سجلات الخارجية الفرنسية أن التنظيمات العشائرية والتي كان اعتمادنا عليها لتشكيل العمود الفقري للاستقلال الذاتي والتي يشكل زعماؤها أعضاء المجلس التمثيلي بدأت الآن تفقد قدرتها, كما أخذت الدعاية الوحدوية الدمشقية تستقطب الزعماء العشائريين الثانويين الطموحين هذا إضافة إلى أن انتشار التعليم الابتدائي صار يهدد الرابطة الباطنية القديمة التي لم يعد جهازها الوعظي الساذج يرضي الأجيال الجديدة.
إزاء مخاوف الرؤساء من فقد سيطرتهم على أتباعهم كان لابد من رسم خطة ماكرة تستهدف استقطاب هؤلاء الاتباع باسم مصلحة الطائفة والتخطيط لسيادتها فكان أن رسموا لهم الخطط التالية:
1-الخروج من عزلتهم التي لم تحقق لهم أي مكسب سياسي وذلك بالهجرة إلى المدن المجاورة كي تضيع هويتهم الطائفية ويتغلغلوا بين أوساط المسلمين البسطاء فينخدعوا بهم ويتألفوا معهم ويتزاوجوا فيما بينهم ويسخروهم لخدمة الطائفة.
2-الولاء والانصياع لشيوخ الطائفة: وخشية أن يتناسى النصيريون طائفتهم نتيجة هذا الاختلاط كان لابد من الولاء لشيوخ الطائفة للأسباب التالية:
أ-إرضاء لله وطاعة للإمام واستجابة لدوافع الحقد التي رضعوها ضد المسلمين منذ نعومة أظافرهم.
ب-التسلل إلى المراكز الهامة في الدولة والتخطيط لملئها واحداً بعد الآخر بهدوء وصمت, فهم أقلية منظمة, الجيل الناشئ فيها مجهول الهوية الطائفية, يسهل شغل المناصب الهامة بهم دون لفت نظر المسلمين الأكثرية الساحقة لأنهم غير منظمين ومتفرقين يسهل تمرير المخططات عليهم.
ج-حسماً لأي خلاف ينشب فيما بينهم لأن في خلافهم ضياعاً لسيادتهم وفقداناً لمناصبهم ومكاسبهم الدنيوية.
3-الإقبال على التعليم لملء مراكز التوجيه الهامة وللسيطرة على المؤسسات الثقافية العليا وتوجيهها لقطع كل صلة بين الجيل الجديد وتراثه الحضاري.
4-الانتساب إلى الأحزاب القومية باعتبارها مظنة الوصول إلى الحكم, وبوصولها يصل أبناء الطائفة إلى الحكم ويعملون على السيطرة عليه والانفراد به كما أن رفع هذه الأحزاب لشعارات الوطنية والقومية يضفي عليهم صفة الوطنية, وبذلك يسدلون الستار على ماضيهم التآمري الخياني المخزي.
5-الإقبال على التطوع في الجيش والانتساب للكليات العسكرية وذلك لكي يتمكنوا من السيطرة على الأسلحة الفعالة وأجهزة الأمن فيكونوا دعماً لأي تحرك عسكري أو سياسي أو حزبي لهم فيه ضلع.
ومما ساعدهم على التغلغل في صفوف القوات المسلحة وبسرعة أن فرنسا في عهد الانتداب السوري شكلت فرقة عسكرية خاصة أسمتها (فرق الشرق الخاصة) اعتمدت فيها على أبناء الأقليات عامة وعلى النصيريين خاصة, مما جعل المسلمين يحجمون عن التطوع فيها, فكانت الأقليات هي الأكثرية فيها, ولما نالت سورية استقلالها أصبحت هذه الفرق نواة جيش الاستقلال, تعج بأبناء الطوائف وأكمل النصيريون بتخطيطهم السيطرة الكاملة على القوات المسلحة, وعلى حين غفلة من المسلمين الذين اتخذوهم مطية للسيطرة والتسلط ولا حول ولا قوة إلا بالله.
 
 
 
 

([1] ) نلاحظ أن الآيات الثلاثة من سورة آل عمران ولكنها غير متتابعة, فالآية الأولى رقمها 18, تليها فقرة من الآية 19, تليها الآية 53.
([2] ) انظر الباكورة السليمانية ص18, 19 والمنتجب العاني ص 111, 112.
([3] ) المنتجب العاني ص89, والباكورة السليمانية ص47.
([4] ) المنتجب العاني ص89, والباكورة السليمانية ص27.
([5] ) المنتجب العاني ص 193, 194 والباكورة السليمانية ص:44.
([6] ) المكزون التجاري 2/270 والباكورة السليمانية سورة الفتح ص 18, 19.
([7] ) من المحتمل أن المقصود هنا الوزير ابن الفرات الذي سيأتي ذكره بعد قليل. فقد كان بالفعل من المتعاطفين مع الغلاة, ولذلك سجن ثلاث مرات وقتل بعد ذلك.
([8] ) كتاب المقالات والفرق / سعد بن عبد الله القمي ص 100, 101.
([9] ) فرق الشيعة / الحسن النوبختي ص 78.
([10] ) كتاب الغيبة / للطوسي ص 244.
([11] )
([12] )
([13] ) لقاء حمايتهم وبسط نفوذهم بدعم السلطة المستعمرة.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: