دراسات\العدد الثالث والخمسون - ذي القعدة 1428 هـ
سورية وإيران.. تنافس وتعاون
الأحد 11 نوفمبر 2007
سورية وإيران.. تنافس وتعاون
عرض وتلخيص : فيصل الشيخ محمد
 
[ الراصد تنشر ملخص هذه الدراسة رغم كونها تعود لعام 1995م لأهمية هذه الدراسة وكونها لا تزال صالحة للتداول ، وأيضاً بسبب ندرة الكتابة الأكاديمية الموثقة عن طبيعة العلاقة بين إيران وسوريا ، ولكونهما محط الأنظار حالياً في الشرق الأوسط . ] 
 
تمهيد : ليس مستغرباً أن تهتم مراكز البحوث في الغرب اهتماماً كبيراً بمنطقة الشرق الأوسط.. وخاصة بلاد ما بين النهرين وبلاد الشام.. فهما عقدتا الوصل بين الشرق والغرب.. وملتقى الحضارات التي أثرت الإنسانية بما قدمت لها من شرائع وقوانين تنظم حياة الناس والمجتمعات والدول.
إضافة إلى ما حبا الله هذه المنطقة من ثروات طبيعية وكنوز دفينة.. كانت محل شغف قلوب الطامعين والمغامرين.
فعلى مر التاريخ كانت منطقة الشرق الأوسط عسل يسيل له لعاب ملوك الغرب والشرق على السواء.. فهذا الإسكندر الأكبر يغزوها قبل ثلاثة آلاف عام من الميلاد.. وهذه ملوك أوربا يقودون الحملات الصليبية لنحو قرنين مستهدفين بيت المقدس وساحل بلاد الشام ومصر.. وحتى قبائل التتار لم تسلم منهم هذه المنطقة.. فاجتاح هولاكو بغداد ودمر أعظم حضارة عرفها التاريخ.. وفي القرن الثامن عشر قاد المغامر الفرنسي نابليون بونابرت حملة استهدفت المنطقة.. ولولا هزيمته أمام أسوار عكا لكان فعله لا يقل همجية عن أسلافه.
وفي أوائل القرن العشرين غزت بريطانيا وفرنسا المنطقة وتقاسمتها بموجب اتفاقية سايكس – بيكو المعقودة بينهما؛ بما عرف باقتسام تركة (الرجل المريض) الدولة العثمانية التي انهارت.. وجاءت أم الكوارث بتنفيذ وعد (بلفور) الذي وعد به اليهود بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين عام 1917.. وتم بموجبه إقامة دولة يهودية مغتصبة على أرض فلسطين.
وفي أوائل القرن الواحد والعشرون (2003) غزت جيوش أمريكا وبريطانيا العراق ودخلت بغداد السلام.. وأحالوا العراق إلى مستنقع دموي ابتلع مئات الألوف من الأبرياء.. ولا يزال أهل العراق يتجرعون الموت على أيدي القوات الأمريكية وحلفائهم من الميليشيات الشيعية العميلة لها وفرق الموت التي تربت على عينها.
وكانت الأسباب الحقيقية لكل هذه الغزوات وضع اليد على الكنوز الدفينة والثروات الهائلة التي حبا الله بها هذه المنطقة.. وفي مقدمة هذه الثروات النفط الذي يشكل بالنسبة للغرب شريان الحياة.
لقد دأب الغرب منذ مطلع القرن العشرين على محاولة دق أسافين النزاعات في المنطقة.. وبين المنطقة العربية ودول الجوار. فقد قدمت بريطانيا التي كانت تحتل العراق إمارة المحمرة (الأهواز) هدية لإيران لتكون بؤرة خلاف وصراع بين إيران من جهة والدول العربية (وخاصة العراق) من جهة أخرى.. وقامت فرنسا عندما كانت تحتل سورية بسلخ لواء اسكندرونة وقدمته إلى تركيا.. ليكون بؤرة صراع وخلاف مستديم بين سورية وتركيا.. وتكرر نفس الحال في الدول العربية التي كانت مستعمرة من قبل الدول الأوربية في شمال إفريقية.
وتوَّج الغرب حقده على العرب والمسلمين بإقامة دولة يهودية مغتصبة في فلسطين العربية.. ليبق النزيف العربي متفجراً دون أي أمل في وقفه.. وساحة صراع وتنافس مفتوح إلى ما لا نهاية.
لهذه الأسباب وغيرها كان اهتمام الغرب بالمنطقة كبيراً وعميقاً.. وخاصة الاهتمام بأوضاع المنطقة العربية.. ومنها الدول الأساسية ذات الأهمية والمتميزة من بينها.
من هنا فإننا نجد اهتمام مراكز البحوث الغربية تتسابق في جمع المعلومات حول هذه المنطقة.. خدمة للباحثين والسياسيين والمتابعين والدارسين والمهتمين لأوضاعها.. إضافة إلى الحكومات الغربية لرسم استراتيجيتها في هذه المنطقة.. استناداً إلى لغة البحث والأرقام والمعلومات الموثقة.. بما في ذلك أدق التفاصيل والمعلومات التي قد يرى البعض في المنطقة العربية بأنها تمس الجرح.. أو تقع في دائرة المحرمات.. أو أنها تثير النزعات والأحقاد الأثنية والمذهبية والطائفية.. أو أن الحديث عنها هو خط أحمر غير مسموح تجاوزه.
من بين هذه الدراسات دراسة بعنوان : " سورية وإيران.. تنافس وتعاون" [1] صادرة عن (معهد دراسات كلية القديس أنطوني) في أكسفورد.. حيث كلفت الباحثين: (أحمد خالدي وحسين ج. آغا) في إعداد هذه الدراسة.. وقد أنجزا عملهما الموثق هذا بشكل جيد ودقة كبيرة.. ونشره المعهد عام 1995.
صدرت الترجمة العربية لدراسة " سورية وإيران.. تنافس وتعاون " في (214) صفحة من الحجم الصغير.. موزعة على سبعة فصول.. إضافة إلى مقدمة الناشر العربي ومقدمة الطبعة الإنكليزية.. ورغم صغر الدراسة إلا أنها تكتنز في داخلها كمّاً هائلاً من المعلومات المكثفة والمضغوطة.
لقد استقصى الباحثان بشكل كامل أصول العلاقة بين سورية وإيران ومسار تطورها.. وبعملهم هذا فإن إسهامهما في فهم ديناميكية سياسة الشرق الأوسط يتعدى العلاقة الثنائية المحضة بين دمشق وطهران.. انسجاماً مع ايديولوجية نظاميهما.. فإن الباحثين قد درسا أيضاً التأثير الذي مارسه محور دمشق-طهران.. والمتوقع تأثيره على النزاع العربي – الإسرائيلي.
قد أختلف في بعض جوانب هذه الدراسة مع الباحثين.. ولكن هذا لا يمنع من أن أقدر استنتاجهما الهام وتحليلهم للدوافع التي جعلت إيران ذات النظام الإسلامي المتزمت تتحالف مع سورية ذات النظام القومي العلماني المنفتح.. وهذه الدراسة هي محل تقدير واهتمام حري بكل باحث أو سياسي أو مهتم في المنطقة قراءتها بإمعان وروية.. ففيها العديد من الجوانب والتحليلات التي تستحق الوقوف عندها.
إن تلخيص هذه الدراسة ومناقشة ما جاء فيها تطلبت كثيراً من التمحيص والتدقيق والمراجعة والصبر.. لتكون مرآة تعكس بصدق ما جاء فيها من معلومات وتحليلات وتوقعات.. تفيد القراء والدارسين والباحثين والمهتمين.. ولكنها وبكل الأحوال لن تكون بديلاً عن اقتناء الأصل والاطلاع على ما جاء فيه.
 
الفصل الأول:
تحدث الفصل الأول عن (جذور التحالف السوري – الإيراني).. فقد ربط الباحثان أهمية هذه العلاقة إلى المصالح المشتركة في العراق والدور الحيوي للشيعة فيه.. كذلك للدور الشيعي في لبنان بالنسبة لسورية وإيران على حد سواء.. معيدان جذور تلك العلاقة زمنياً إلى ما قبل سقوط الشاه بزمن بعيد.. حيث الروابط الاجتماعية الدينية تتمثل في موطن الشيعة اللبنانيين التاريخي في جبل عامل جنوب لبنان؛ مع إيران الصفوية (السلالة الفارسية الشيعية) إلى القرن السادس عشر.. وكانت الفترة اللاحقة منذ استقلال سورية قد شهدت خصاماً سياسياً بين سورية – وإيران نتيجة القلق الإيراني حول الطبيعة الراديكالية للنزعة القومية العربية التي تبنتها سورية.. خشية أن يمتد تأثيرها إلى المناطق الناطقة بالعربية في إيران.. ويؤدي إلى زعزعة الاستقرار فيها.. وفي المقابل كانت نظرة سورية والدول العربية إلى إيران على أنها تحت حكم الشاه ليست سوى شرطي أمريكي في المنطقة.. وعنصر مهم في المخطط الاستراتيجي الغربي الكبير (ومعها إسرائيل بالطبع).
ولكن بحلول السبعينات من القرن الماضي.. وسيطرة حافظ الأسد على مقاليد الحكم في دمشق.. بدأ عدد من العوامل الجديدة تحدث تأثيراً جوهرياً في العلاقات العربية الإيرانية عموماً.. وعلى موقف سورية المتميز إزاء إيران بشكل خاص.
حيث بدأت العلاقة تتوطد بين دمشق وطهران عقب حرب 1973.. لتتوج هذه العلاقة بتوقيع اتفاق اقتصادي عام بين البلدين سنة 1974 وزيارة حافظ الأسد الرسمية إلى طهران.
كما يتحدث الباحثان في هذا الفصل عن لبنان والصلة الشيعية – العلوية بعد أن اعترف موسى الصدر بأن العلويين هم شيعة اثني عشرية.. بعد أن كانت نظرة الشيعة إلى الطائفة العلوية على أنها فرقة مغالية تتصف بالهرطقة.. والطائفة العلوية في سورية التي ينتمي إليها حافظ الأسد.. كان لها دور مميز في شغل القاعدة الأساسية للسلطة منذ قيام انقلاب الثامن من آذار عام 1963.. بالرغم من أنهم أقلية في سورية (يشكلون ما بين 10- 12%).. وعمل حافظ الأسد منذ وصوله إلى السلطة عام 1970 على تمتين علاقته مع شيعة لبنان وإيران على التوالي.. كما أقام صداقة حميمية مع الزعيم الشيعي اللبناني موسى الصدر (اختفى عندما كان في زيارة إلى ليبيا فيما بعد).. وراح حافظ الأسد أبعد من ذلك في علاقته مع المعارضة الإيرانية؛ عندما قدَّم عرضاً لاستقبال الخميني في دمشق بعد أن طردته العراق عام 1978.
كما يتحدث الباحثان في هذا الفصل عن العلاقة الإيرانية – الفلسطينية.. ولقاء المعارضة الخمينية مع حركة فتح.. وإقامة أمتن العلاقات معها.. وقد تطورت هذه العلاقة إلى قيام حركة فتح بتدريب عناصر من التيار الخميني المعارض للشاه وعناصر من حركة مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة أيضاً.. وكان الخميني يهدف من ذلك إلى الوصول إلى الساحة الإقليمية الأوسع.. والتي تم استغلالها لاحقاً – كما يقول الباحثان – في إرسال مجموعات من الحرس الثوري إلى البقاع في عام 1982.
ثم يأتي الباحثان على دور المدارس الدينية الشيعية خلال الفترة السابقة للثورة الإيرانية في كل من قم والنجف ولبنان.. حيث تم إرساء الأسس من أجل رؤية عالمية للمذهب الشيعي.. وإقامة شبكة من الصداقات الشخصية والولاءات السياسية والدينية التي سيكون لها أثر هام على المنطقة ككل.
 
الفصل الثاني:
تحدث الباحثان في هذا الفصل عن المراحل الحرجة في نشوء التحالف السوري مع الثورة الإسلامية الإيرانية.. فقد اندفع النظام السوري بعد نجاح ثورة الخميني في طهران نحو إيران كسراً للعزلة التي كان يعيشها.. وخاصة بعد تورطه في الحرب الأهلية اللبنانية .
وجاءت الحرب العراقية – الإيرانية عام 1980 لتساعد في تحضير الأساس لتحالف رسمي بين سورية وإيران.. حيث ذهب حافظ الأسد في دعمه لإيران بعيداً.. فأمدها بالسلاح والعتاد والمواد التموينية.. وهذا دفع العراق أن ينشر بعض فرقه العسكرية المهمة على حدود العراق مع سورية لأغراض دفاعية.. إضافة إلى تزويد سورية لأكراد العراق الثائرين في المنطقة الكردية من شمال العراق بالسلاح والعتاد والتسهيلات اللوجستية.. وهذا فرض على العراق إلى حشد بعض فرقه العسكرية المهمة لردع الثوار الأكراد.. مما أضعف دفاعات الجبهة العراقية وأراح في المقابل القوات العسكرية الإيرانية.
بعد وقف الحرب الإيرانية – العراقية التي دامت ثماني سنوات واصل النظام السوري تمتين علاقته مع الثورة الخمينية.. هذه العلاقة المتنامية جعلت سورية في موقف قوي بمواجهة محور (مصر-الأردن-العراق-والسعودية).
ويتحدث الباحثان في هذا الفصل باقتضاب عن الأحداث الدامية التي وقعت في سورية بين عامي (1976-1982).. والمجازر التي ارتكبها حافظ الأسد بحق السوريين وخاصة بأهل مدينة حماة.
ثم ينتقل الباحثان إلى استعراض أحداث غزو إسرائيل للبنان عام 1982.. والهزيمة الكبرى التي تعرض لها الجيش السوري هناك.. حيث تمكن الطيران الإسرائيلي من تدمير شبكة الصواريخ أرض-جو السورية.. وإسقاط (102) طائرة حربية سورية؛ ومقتل (61) طيار سوري.
ويسترسل الباحثان في الحديث عن العلاقات الإيرانية الفلسطينية.. والسورية الفلسطينية.. وشيعة لبنان والفلسطينيين.. والانشقاقات الشيعية اللبنانية؛ بين متحالف مع سورية ومؤيد لمنظمة التحرير الفلسطينية.
بعد إنهاء الغزو الإسرائيلي للبنان اتسع تقاطع المصالح والتوجهات بين سورية وإيران – كما يقول الباحثان - وتمتنت العلاقات بين البلدين بشكل كبير.. حيث أصبح لإيران موطئ قدم في لبنان وفي مواجهة إسرائيل.. مترافقاً بوجود بعض الوحدات العسكرية الغربية في لبنان (مارينز أمريكي، قوات خاصة فرنسية).
ولا ينسى الباحثان الحديث عن بعض التوترات التي كانت تحدث بين الإيرانيين والسوريين في لبنان.. حيث كان لبنان محطة تجاذب واستقطاب بين دمشق العلمانية وطهران الدينية.. لينعكس ذلك على العلاقة السورية الفلسطينية.. والذي أدى إلى طرد السوريين لمنظمة التحرير الفلسطينية من لبنان.. وتأسيس حزب الله الشيعي المتطرف.. وقيام حزب التوحيد السني في شمال لبنان بقيادة الشيخ سعيد شعبان.. كما كان للاقتتال الشيعي – الشيعي في لبنان دافعاً لإيران للتشاور الكامل مع حافظ الأسد.. ومنحه دوراً في ضاحية بيروت الجنوبية معقل حزب الله الموالي لطهران.
لم تدم الخلافات السورية – الإيرانية طويلاً.. فقد جاءت حرب الخليج الثانية ومشاركة الجيش السوري في التحالف الثلاثيني الذي قادته الولايات المتحدة الأمريكية.. لإخراج العراق من الكويت محل رضا من الولايات المتحدة وقبول من إيران.. وبالتالي إضعاف صدام حسين العدو اللدود لكل من طهران ودمشق.. وهذا بالتالي أتاح لسورية أن تكون جسراً بين طهران ودول الخليج العربي.. حيث أعادت هذه الدول علاقاتها الدبلوماسية معها تباعاً.. كما نجحت دمشق في إزالة التوترات بين هذه الدول وإيران.. وخفت مطالبات دولة الإمارات بالجزر التي احتلتها إيران في الخليج العربي (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى).
 
الفصل الثالث:
يناقش الباحثان في هذا الفصل الرؤية الإيرانية للصراع العربي – الإسرائيلي.. والعداء الذي تكنه الثورة الإسلامية في طهران للكيان الصهيوني المغتصب لفلسطين.. ونظرة الثورة الإسلامية لهذا الكيان على أنه غير مهتم بشكل حقيقي بأي سلام مع العرب.. ونيته السيئة تجاه حل قضية فلسطين.. وبالتالي دعوتها العلنية إلى تدمير إسرائيل.
ثم يعود الباحثان في نفس السياق إلى الحديث عن الغزو الإسرائيلي لجنوب لبنان عام 1982.. ويوردان شهادة وزير الداخلية الإيرانية السابق (علي أكبر محتشمي) والتي قال فيها: (إن الخميني رفض مشاركة الوحدات القتالية الإيرانية والمتطوعين الإيرانيين إلى جانب القوات السورية أثناء الغزو الإسرائيلي للبنان) وبرر ذلك – بحسب ما جاء في شهادة محتشمي – بقوله:
(إن إيران لا يمكنها أن تحارب إسرائيل عبر هذه المسافات الطويلة وفي غياب حدود مشتركة مع لبنان وفلسطين).. وأضاف الخميني قائلاً: (لذلك فإن الحرب هي مسؤولية العرب).
وهذا يكشف عن حقيقة وجود مستويين من الخطاب السياسي الإيراني ، أحدهما دعائي ثوري يستقطب العواطف والتأييد لإيران وآخر واقعي يراعى المصالح السياسية القطرية الإيرانية فقط .
ثم يتحدث الباحثان عن موقف إيران السلبي من الأزمة الشيشانية.. حيث مُنع الشيشانين من العبور إلى أراضي إيران.. بحجة المحافظة على العلاقات الجيدة التي كانت تقوم بين الثورة الإيرانية والنظام الشيوعي في موسكو.. آخذين بالاعتبار ثقل روسيا كدولة مهمة ويمكن الاعتماد عليها في توريد الأسلحة إلى طهران بعد أن أوقف الغرب مد إيران بالأسلحة بعد نجاح ثورة الخميني.
كما يستعرض الباحثان في هذا الفصل الرؤية السورية للصراع العربي – الإسرائيلي.. والقومية العربية ومسألة فلسطين وبصمات الأسد عليها.. والدور السوري التاريخي في معالجة هذه القضية الشائكة.. إلى أن يصل إلى الشعار الذي رفعه حافظ الأسد وهو (مبدأ التوازن الاستراتيجي) مع إسرائيل.
وقد اعتبر حافظ الأسد أن تحالفه مع إيران هو جزء أساسي من التوازن الاستراتيجي الذي يسعى إليه لمواجهة إسرائيل.
ثم يعرّج الباحثان بالحديث عن المقاربة السورية للتسوية مع إسرائيل ما بعد حرب 1973.. وقبول سورية بقراري مجلس الأمن (242 و 338).. وبالتالي عقد اتفاق فك الارتباط بين القوات السورية والإسرائيلية في الجولان عام 1974.. الذي التزمت به سورية بشكل مثير للشكوك – كما يقول الباحثان – على مدى العقدين الماضيين.
كما يتحدث الباحثان في هذا الفصل عن قمتي العرب في تونس والمبادرات الأمريكية من أجل السلام في المنطقة.. واللقاء الباهت الذي تم بين صدام حسين وحافظ الأسد في قمة فاس الثانية.. والتي لم تؤثر على العلاقة المتينة بين طهران ودمشق.
وتطميناً للحليفة إيران ندب حافظ الأسد وزير إعلامه أحمد اسكندر أحمد إلى طهران.. ليؤكد للقيادة الإيرانية بأن التحالف السوري الإيراني هو أقوى من أن ينقص منه أو يخدشه لقاء عابر بين حافظ الأسد وصدام حسين.. نزولاً عند الضغوط التي مارسها القادة العرب عليه من أجل أن يتم هذا اللقاء.
وقد أكد الوزير أحمد اسكندر أحمد في طهران دعم سورية للثورة الإسلامية ضد (أعدائها الداخليين والخارجيين.. وإلى تطابق وجهات نظريهما.. وعلى متانة العلاقة بين البلدين.. وإلى تطابق وجهات نظريهما بخصوص مؤتمر فاس وجدول أعماله).. معتبراً – أي اسكندر – أن (الثورة الإيرانية هي الحدث الأهم في النصف الثاني من القرن العشرين).
وفي نفس الفصل يتحدث الكتاب عن اتفاقية منظمة التحرير مع الأردن عام 1985.. ومعارضة كل من طهران ودمشق لتلك المعاهدة.. وشجبها ورفض كل ما جاء في بنودها.
 
الفصل الرابع:
يستعرض الباحثان في هذا الفصل العوامل المحلية والإقليمية التي طرأت ما بعد مؤتمر مدريد للسلام.. وعن مقتضيات عملية السلام بالنسبة للتحالف الإيراني – السوري.. وسكوت طهران على ذهاب سورية إلى المؤتمر حفاظاً على الروابط المتينة التي أقامتها معها رغم رفض إيران لمثل هكذا مؤتمرات غير مجدية.
كما استعرض الباحثان نظرة سورية وإيران لأي تسوية عربية – إسرائيلية.. مستنتجان أن مثل هذه التسويات وهذه المؤتمرات لن تؤثر على المصالح الحيوية التي تربط بينهما.. لا على المدى المنظور أو المتوسط بل ولا على المدى البعيد.. حيث تعتبر كل من دمشق وطهران أن الهم الأكبر لهما يتمثل في العراق وما يمثله النظام فيها من تهديد لهما.. وأن هناك ما يربطهما في لبنان من مصالح مشتركة تستحق الالتفات إليها والاهتمام بها.. فوجود الطائفة الشيعية في لبنان تستحق الرعاية والعناية المشتركة بين العاصمتين لما تمثله من دعم للوجود السوري والإيراني في لبنان.. فليس غير هذه الطائفة يمكن الاعتماد عليها في تحقيق ذلك وترسيخه.
كما يستعرض الباحثان في هذا الفصل أوضاع الشيعة في لبنان والصراعات اللبنانية – اللبنانية والدور السوري والإيراني في لبنان.
ثم ينتقل الباحثان للحديث عن العامل التركي في استقرار المنطقة أو زعزعتها من خلال التحالف العسكري بين أنقرة وتل أبيب.. وتأثير هذا التحالف على سورية ولبنان.. وهذا دفع كل من إيران وسورية للتنسيق مع تركيا لمراقبة التطورات في العراق وصياغة فهم مشترك لمستقبل العراق.
كذلك لم ينس الباحثان دور دول الخليج العربي وما يمكن أن تلعبه سورية في تجسير الهوة بين هذه الدول- التي تتهيب من الطموحات الإيرانية وأطماعها في المنطقة - وبين طهران والتقريب بينهما والتقليل من مخاوف هذه الدول من برامج إيران التسليحية.. وكذلك في نقل هذه المخاوف إلى الجانب الإيراني للسعي إلى طمأنة دول الخليج بأن إيران لا أطماع لها في الخليج وأنها تريد إقامة أحسن العلاقات معها.. وأن قواتها المسلحة ستكون في خدمة دول الخليج والدفاع عنها.
ثم ينتقل الباحثان إلى الحديث عن العامل الفلسطيني ومدى تأثيره على العلاقات السورية – الإيرانية.. والدور الذي لعبته إيران مع منظمة التحرير الفلسطينية وعن العلاقة التي أنشأتها معها.
كذلك يستعرض الباحثان الخلافات التي كانت تحدث بين إيران ومنظمة التحرير من حين لآخر.. والحديث عن العلاقة بين طهران وحركتي حماس والجهاد الإسلامي.. وأن إيران تقر بأن وجودها في لبنان ودورها مع الحركات الفلسطينية محكوماً إلى حد كبير بموقف سورية إزاء مثل هذه الروابط.. طالما لبنان منطقة نفوذ سورية.
 
الفصل الخامس:
ويتحدث الباحثان في هذا الفصل عن أهمية علاقات البلدين سورية وإيران.. حيث يمكن أن تلعب سورية دوراً ملطفاً للسياسة الخارجية الإيرانية.. وكقناة غير مباشرة محتملة بين الغرب وأمريكا مع إيران.. وقد كان بالفعل لسورية دوراً مهماً أثناء أزمات الرهائن المختلفة في لبنان وهو مشابه لنوع الدور الذي لعبته سورية لبعض الوقت بين إيران والأقطار العربية الأخرى، وخصوصاً دول الخليج..
وعلى نحو مشابه، فإن مصلحة إيران بالصلة السورية – كما يعتقد الباحثان – يمكن رؤيتها كعامل لمصلحتها في الحفاظ على الأقنية اللارسمية للاتصال مع الولايات المتحدة وما يتمتع به السوريون من إمكانية التعويل عليهم نسبياً في هذا الخصوص بالمقارنة مع الأقنية الممكنة الأخرى من وجهة النظر الإيرانية.
كما أن كل من سورية وإيران وضعتا في الحسبان دور الولايات المتحدة وروسيا المهم في المنطقة.. ودورهما المؤثر في أي تسوية محتملة بين العرب وإسرائيل.. معترفتين بأن دور روسيا في المنطقة هو دور محدود.. في مقابل الدور الكبير الذي يمكن أن تلعبه الولايات المتحدة الأمريكية.. كما يعتقد الباحثان أن مصلحة الولايات المتحدة لا تكمن في إضعاف الروابط السورية الإيرانية كجزء من الثمن الذي يتعين على سورية أن تدفعه مقابل تسوية شرق أوسطية، بل إنها تكمن في الاتجاه المعاكس تماماً، أي في استغلال هذه الروابط لتسهم في الوصول إلى تحقيق علاقات غربية جيدة مع إيران، إضافة إلى احتواء السياسة الإيرانية المعادية للغرب حيثما يكون ذلك ممكناً.
إن إيران من ناحيتها، تعترف بقيمة مثل هذه الاتصالات، وقد تسعى لتشجيع طموحات سورية للعب دور الوسيط، وهو دور لا يحمل أية عقوبة أو خطورة من وجهة النظر الإيرانية. وقد لوحظ أن علاقة جديدة أكثر إيجابية قد بدأت بالتطور بين البلدين، بما في ذلك وجود مقدار واسع من التفاهم حول القضايا الإقليمية واحتمال قيام علاقات اقتصادية واسعة. وجاءت هذه النتائج – كما يقول الباحثان – بفضل الجهود الأمريكية المواظبة للحفاظ على علاقات جيدة مع سورية، كما اتضح ذلك من خلال عقد اجتماعي قمة بين الرئيسين الأسد وكلينتون، بما في ذلك زيارة كلينتون الهامة، سياسياً ورمزياً، إلى دمشق في تشرين الأول 1994، التي استقبلت برضا علني كبير من الجانب السوري، وعدم انزعاج من الجانب الإيراني.. إن هذه الجهود الأمريكية لا تخدم فقط في تسهيل الاتفاق السوري الإسرائيلي حول الجولان، بل تساعد أيضاً في ضمان التأييد السوري المستمر لسياسة الولايات المتحدة إزاء العراق، كما حصل أثناء حشد القوات العراقية على الكويت في تشرين الأول 1994، بهذا المعنى، فإن السياسة الأمريكية في الاحتواء المزدوج ضد العراق وإيران تسمح لسورية بهامش أوسع من المناورة مع الولايات المتحدة ذاتها ويساعد سورية في أن تعتبرها الولايات المتحدة بمثابة (استقرار) ضد العراق وإيران.
كما لا يجب أن تقلل سورية وإيران في المستقبل من دور روسيا كمورد وحيد للأسلحة لكل من سورية وإيران.. وهذا يحتم على كل من طهران ودمشق المحافظة على علاقة جيدة مع موسكو.
ومن هنا نجد السياسة الإيرانية الرسمية منذ عام 1991 قد تميزت بحذر ملحوظ في التعامل مع الأحداث الجارية في الجمهوريات الجنوبية السابقة من الاتحاد السوفييتي. هذا الحذر ينبع من الرغبة في الحفاظ على مستوى مقبول من النوايا الحسنة المتبادلة مع موسكو إضافة إلى تجنب الخلاف المباشر والمنافسة مع تركيا – أو بشكل معكوس – تجنب أي انطباع بالاصطفاف مع تركيا ضد روسيا. وأخيراً، فإن لطهران مصلحة واضحة في تجنب أي تأثير للصراعات المحلية في تلك الجمهوريات إلى داخل إيران نفسها نظراً للتعقيدات السياسية والإثنية الدفينة في المنطقة، وهذه المصلحة هي وراء تحمل طهران المدهش لسياسة روسية (المعادية للإسلام) في الشيشان والبوسنة.
 
الفصل السادس:
يستعرض الباحثان في هذا الفصل العلاقات العسكرية بين إيران وسورية.. دون الخوض في التفاصيل لغياب التأكيد الرسمي – كما يقولان – ولكنه تأكد أن هناك تعاوناً عسكرياً بين دمشق وطهران في مستوى معين.. وخاصة في مجال صناعة الصواريخ أو تعديلها.. والتي من بينها ما بإمكانه حمل رؤوس غير تقليدية.
وينوه الباحثان إلى أن زيارة الرئيس الأسد إلى موسكو للتوقيع على معاهدة الصداقة والتعاون السورية – السوفييتية في أوائل تشرين الأول من عام 1980، بعد شهر واحد من اندلاع الحرب الإيرانية – العراقية،تم فيها توسط الأسد لدى الاتحاد السوفييتي لصالح إيران لتسهيل شحنات الأسلحة السوفييتية إلى طهران وإرسال إمدادات إضافية مباشرة من سورية وليبية. وبدءاً من تشرين الثاني 1980 فإن المجال الجوي والموانئ السورية استخدمت أيضاً للمحافظة على تدفق الأسلحة العربية إلى إيران بما في ذلك الشحنة الأولى من صواريخ سكود – ب من ليبيا وأسلحة أخرى من الجزائر في منتصف 1981. وقد دُعمت ببعثة تدريب ومساعدة عسكرية سورية إلى إيران وبمساعدات سورية متزايدة للتمرد الكردي ضد النظام العراقي.
كما تحدث الباحثان عن الساحة الاقتصادية الواسعة بين سورية وإيران، التي توجت باتفاقية النفط والتجارة السورية – الإيرانية في آذار 1982 التي كانت مؤشراً على الشكل الأول للتحالف وشملت الاتفاقية إمدادات الأسلحة السورية إلى إيران إضافة إلى نشر القوات السورية على الحدود العراقية تزامناً مع إغلاق سورية لخط أنابيب النفط العراقي السوري في نيسان 1982... معتبران أن ما بين إيران وسورية هو تحالف اقتصادي منوع ومتين.. وقد لا يكون أقلها تزويد إيران لسورية ب 300 ألف طن من النفط المجاني سنوياً حتى عام 1987.. ليرتفع إلى مليون طن مجاني سنوياً.. إضافة إلى إمدادات نفطية أخرى بسعر السوق.. وهناك العديد من التعاون الاقتصادي بين البلدين في المجال الصناعي والغذائي.
وفي هذا الفصل يسهب الباحثان في القلق لدى أمريكا والغرب من إمدادات الأسلحة الروسية إلى المنطقة وخاصة منها الصواريخ البلاستية البعيدة المدى.. وتعاون إيران وسورية في حقل تكنولوجيا الصواريخ ذات مغزى في ضوء جهود البلدين لتطوير أنظمة إطلاق طويلة المدى ذات رؤوس حربية غير تقليدية.
 
 الفصل السابع:
في هذا الفصل الختامي لهذه الدراسة يستنتج الباحثان تكاليف التحالف بين طهران ودمشق.. فمن منظور سورية فإن التحالف يخدمها ويخدم مصالحها الحيوية.
وكذلك نفس النظرة بالنسبة إلى إيران.. فهي تعتقد أن تحالفها مع سورية قدم لها دعماً مهماً خلال الحرب الإيرانية – العراقية التي لولاه لما صمدت إيران أمام العراق كل هذه السنوات.. وأن تحالفها مع سورية أتاح لها فرصة التواجد في لبنان.. كما أن سورية قدمت لها تسهيلات تجارية كبيرة.. كما أن سورية كانت جسرها إلى دول الخليج والدول العربية.
وبالرغم ما بين النظامين العلماني في سورية والديني المتشدد في إيران من تباين.. فإن هناك تسامح من كلا الطرفين تجاه الآخر حفاظاً على التحالف الذي يربطهما.
هذا ملخص قد يكون معقولاً لهذه الدراسة المهمة.. مجدداً القول بأن هذا الملخص أو هذه الدراسة لا تغني عن اقتناء الأصل وسبر أغوار ما جاء فيه.     
 

[1] - ترجمة عدنان حسن ، نشر دار الكنوز الأدبية - بيروت 1997.
 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: