سطور من الذاكرة\العدد الرابع والخمسون ذو الحجة 1428 هـ
عباس الصفوي يحول الحج إلى مدينة مشهد
الأثنين 10 ديسمبر 2007
عباس الصفوي يحول الحج إلى مدينة مشهد
"مشهد" إحدى أكبر مدن إيران، وأكثرها قدسية لدى الشيعة، وتنبع هذه القدسية من وجود ضريح علي بن موسى (الرضا) فيها، وهو الذي يعتبره الشيعة الاثنى عشرية ثامن أئمتهم.
لم تكن "مشهد" مجرد مدينة تحتوي ضريح شخص يعتبره الشيعة أحد أئمتهم الاثنى عشر، بل غدت في يوم من الأيام مكاناً للحجّ، بدلاً من مكة المكرمة!
تعود بنا الذاكرة إلى الدولة الصفوية الشيعية التي قامت في إيران بدءاً من عام 906 هـ (1500م) واستمرت 250 سنة، وتعود بنا تحديداً إلى عهد الشاه عباس الكبير، الذي أزكمت جرائمه هو وباقي حكام الصفويين، الأنوف، وقد عرضنا في الراصد عدداً من هذه المخازي كالجرائم التي ارتكبها الصفويون ضد أهل السنة في إيران والعراق، وكالتحالفات التي كانوا يعقدونها مع الدول النصرانية ضد الدولة العثمانية السنية، والبدع والخرافات التي نشروها وأدخلوها على التشيع([1]).
والحديث عن مخازي الصفويين وعباس الكبير([2]) أمر يطول لكننا في هذه السطور نعرض شيئاً من تعصبه لمذهبه الشيعي، وكرهه بالمقابل لعقيدة المسلمين، هذا التعصب تمثل في إحدى صوره بطلب عباس من الإيرانيين أن يتوجهوا بالحج إلى مقام الرضا في مشهد، بدلاً من مكة المكرمة، وكي يكون عباس قدوة الناس في هذه الفعلة النكراء توجه هو إلى هناك، ماشياً!!
نعم، توجه الشاه عباس سيراً على الأقدام من أصفهان التي كانت عاصمة للدولة الصفوية آنذاك، إلى مدينة مشهد، وقطع في هذه الرحلة التي دامت 28 يوماً، أكثر من 1200 كيلو مترا، ثم بقي هناك مدة ثلاثة أشهر، يعمل فيها مع الخدم في التنظيف وخدمة زوار مقام الرضا، ومساندة عمال البناء([3]).
 
لماذا الرضا ومشهد؟
ثمة أسباب عديدة جعلت عباس الصفوي يتوجّه بالحج إلى مقام الرضا في مدينة مشهد بدلاً من مكة، أهمها:
1 ـ تقديس الشيعة لأضرحة أئمتهم، كما سيأتي بيانه، واعتبار زيارتها أفضل من الحج والكعبة ومكة ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم والمدينة النبوية.
2 ـ الخلاف المحتدم آنذاك بين الصفويين، والدولة العثمانية، فاعتبر عباس أن الواجب القومي يحتم عدم السفر عبر الأراضي العثمانية ودفع رسم العبور لها([4]).
3 ـ لفت الأنظار إلى مدينة مشهد وإيران، ومحاولة تحويل ولاء الشيعة لها([5])، لاسيّما وأن "مشهد" هي المدينة الإيرانية الوحيدة التي تضم ضريح أحد أئمة الشيعة الاثنى عشرية، بعكس العراق مثلاً، الذي يوجد فيه أضرحة خمسة من الذين يعتبرهم الشيعة أئمة لهم (علي، الحسين، الكاظم، الهادي، العسكري) إضافة إلى مكان اختفاء المهدي المزعوم.
تبرير شيعي
ومع إقرار الشيعة بتوجه الشاه عباس إلى مشهد ماشياً، إلاّ أنهم ـ أو بعضاً منهم على الأقل ـ ينفي أن تكون هذه الزيارة للحج، ويقولون إن عباس الصفوي لم يتخذ مقام الرضا كعبة، إنما قصد زيارته ماشياً "للتزلف إلى المولى عز وجل بزيارة ولي من أوليائه، والتوسل إليه بخليفة من خلفائه... والشيعة إنما تقصد زيارته بداعي الولاء للعترة الطاهرة الذي هو أجر الرسالة، ورغبة في المثوبات الجزيلة المأثورة عن أئمتهم عليهم السلام"([6]).
لكن جملة من الحقائق تدحض هذا الكلام وتؤكد أن عباس الصفوي قصد من عمله هذا توجيه الناس إلى حج مشهد ومقام الرضا وليس فقط مجرد الزيارة، ومن تلك الحقائق:
1 ـ تقديس الشيعة مقامات وأضرحة أئمتها، ومن ضمنها مقام الرضا، وتفضيلها على مكة والمدينة، كما دلت بذلك رواياتهم قديماً وحديثاً، ومن تلك الروايات:
أ ـ روى الكليني عن أبي عبد الله (أي جعفر الصادق) أنه قال: إن المؤمن إذا أتى قبر الحسين (ع) يوم عرفة واغتسل من الفرات ثم توجه إليه، له بكل خطوة حجة بمناسكها، ولا أعلمه إلاّ قال وغزوة!
ب ـ يقول الخوئي، وهو المرجع الأكبر للشيعة الإمامية في زمانه،: "تستحب الصلاة في مشاهد الأئمة (ع) بل قيل: إنها أفضل من المساجد. وقد ورد أن الصلاة عند عليّ (ع) بمائتي ألف صلاة" كتاب منهاج الصالحين، مسألة 562.
جـ ـ عن أبي عبد الله أن رجلاً سأله عن الغسل إذا أتى قبر الحسين، قال: اجعله قبلة إذا صليت وتنحّ هكذا ناحية.
د ـ عن الرضا (ع) قال: زيارتي تعدل عند الله ألف حجّة! ونسبوا له أيضاً القول:
هـ ـ يكتب الله لزائري مائة ألف شهيد، ومائة ألف صدّيق، ومائة ألف حاج ومعتمر، ومائة ألف مجاهد.
و ـ نسبوا إلى عليّ القول: من زار الرضا غفر الله ذنوبه ما تقدم منها وما تأخر مهما كانت.
ز ـ وادّعوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ستدفن بضعة مني بأرض خراسان (أي مشهد)، لا يزورها مؤمن إلاّ أوجب الله له الجنة، وحرّم جسده على النار([7]).
2ـ أنه في عام 390هـ، جرت محاولة من قبل إحدى فرق الشيعة لتحويل الحج إلى مصر. كان ذلك في زمن الحاكم بأمر الله، أحد حكام الدولة العبيدية الفاطمية، التي تتبع المذهب الشيعي الإسماعيلي، ففي ذلك العام حاول الحاكم نبش قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ونقلها إلى مصر حيث مقر الدولة العبيدية([8]). وعليه فإن ما قام به الشاه عباس الصفوي، من صرف الإيرانيين عن مكة والحج، حاول القيام بمثله حاكم آخر من الشيعة.
للاستزادة:
1 ـ عودة الصفويين ـ عبد العزيز المحمود.
2 ـ زيارة المراقد عند الشيعة ـ د. طه الدليمي.
3 ـ التشيع بين مفهوم الأئمة والمفهوم الفارسي ـ محمد البنداري.
4 ـ مقال "مرجع شيعي يعلن ولادة قاتل المهدي المنتظر" ـ صباح الموسوي، موقع مفكرة الإسلام. 
 


[1]) ) ـ انظر على سبيل المثال:
 
 
[2]) ) استمر حكم عباس الصفوي 42 سنة (996 ـ 1028 هـ)، (1587 ـ 1648م).
[3]) ) ـ مقال "مرجع شيعي" للموسوي.
[4]) ) ـ عودة الصفويين ص 39، نقلاً عن "الشاه عباس الكبير" للدكتور بديع جمعة.
[5]) ) ـ التشيع للبنداري ص 263.
[6]) ) ـ رد على كتاب "الجولة في ربوع الشرق الأدنى" الذي ألفه محمد ثابت المصري سنة 1936.
[7]) ) ـ انظر هذه الروايات وغيرها: زيارة المراقد للدليمي ص 6 ـ8 ، والتشيع للبنداري ص 255 ـ 264.
[8]) ) ـ تحدثنا في العدد 49 من الراصد / زاوية سطور من الذاكرة عن هذه المحاولة الآثمة، يمكن الرجوع إليها على الرابط: http://www.alrased.net/show_topic.php?topic_id=720
 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: