سطور من الذاكرة\العدد السابع والخمسون غرة ربيع اول 1429 هـ
مؤامرات على الكعبة والحج (1)
الأحد 9 مارس 2008
مؤامرات على الكعبة والحج (1)
الكعبة قبلة المسلمين، وإليها تهوى أفئدة المؤمنين، وبها ارتبطت عبادات وفرائض في مقدمتها الصلاة والحج. وغني عن القول ما تحظى به الكعبة المشرفة والمسجد الحرام ومكة المكرمة، والمدينة النبوية من مكانة وقدسية لدى المسلمين، وبالمقابل ما تحظى به من بغض وكره لدى الكافرين والمنافقين وبعض المحسوبين على المسلمين.
والمؤامرات على الكعبة قديمة قدم الإسلام، بل وقبل ظهور الرسالة، وقد تحدث القرآن الكريم، في سورة الفيل، عن إحدى المؤامرات لهدم الكعبة، والمتمثلة بجيش أبرهة الحبشي، الذي تقدمه الفيل لهدم الكعبة، وتحويل الأنظار إلى كنيسة بناها بأرض اليمن.
وبعد هلاك أبرهة وجيشه وفيله، وفشل محاولتهم لهدم الكعبة، سار آخرون على درب أبرهة، وعاودوا الكرّة، لكن المعتدين هذه المرّة هم من المحسوبين على المسلمين، من أتباع الفرق المنحرفة، وعلى رأسها الإسماعيلية والشيعة.
ولا عجب أن تلجأ جماعات من الشيعة والإسماعيلية إلى التآمر على الكعبة وترويع الحجيج، وتخريب مواسم الحج، مادامت روايات الشيعة وأحاديثهم تنتقص من مكة والمدينة وعرفة، والحج والعمرة، وتعلي في المقابل من شأن مقامات وأضرحة أئمة الشيعة، وتفضلها على ما سواها، وتجعل الذي يزور قبر الحسين رضي الله عنه، خيراً من الذي يحج بيت الله الحرام.
تزعم إحدى رواياتهم أن جعفر الصادق قال: إن المؤمن إذا أتى قبر الحسين عليه السلام يوم عرفة، واغتسل من الفرات ثم توجه إليه، له بكل خطوة حجة بمناسكها، ولا أعلمه إلاّ قال وغزوة (فروع الكافي للكليني 4/ 580).
وفي كتاب "منهج الصالحين" للخوئي، وردت عدة مسائل تؤيد انتقاص الشيعة لمقدسات المسلمين، منها:
ـ تستحب الصلاة في مشاهد الأئمة عليهم السلام، بل قيل: إنها أفضل من المساجد. وقد ورد أن الصلاة عند علي (ع) بمائتي ألف صلاة.
أما محمد صادق الصدر فيقول: "وردت رواية بتفضيل كربلاء على البيت الحرام، ونحن نعلم أن علياً عليه السلام خير من الحسين، كما نطقت به الروايات، فيكون قبره خيراً من قبره، فيكون أفضل من الكعبة أيضاً"([1]).
الحج عرضة للإلغاء والتأجيل
وعليه، فلا عجب أن تكون شعائر الحج في ذيل قائمة الأولويات الشيعية، بل عرضة للإلغاء! كما يرى إمامهم الخميني، بل ويجعل ذلك من صلاحيات الولي الفقيه.
ويؤكد الباحث أحمد الكاتب في معرض حديثه عن تطور ولاية الفقيه عند الشيعة، والخميني تحديداً، أن الخميني كان يعتقد بأن الحاكم الإسلامي (والمقصود هنا الفقيه الشيعي) يستطيع استخدام صلاحياته المطلقة، والاجتهاد حتى في مقابل النص، إذا رأى مصلحة في ذلك.
وبناء على الصلاحيات التي أعطاها الخميني لنفسه بحكم أنه نائب للإمام الغائب، فإنه باستطاعة الحاكم أن يعطل المساجد عند الضرورة... وأن يلغي من طرف واحد الاتفاقيات الشرعية التي تعقدها مع الشعب إذا رأتها مخالفة لمصالح البلد والإسلام.
أما أداء مناسك الحج، فهي الأخرى داخلة في صلاحيات الفقيه الشيعي، إذ يقول الخميني: "إن الحكومة تستطيع أن تمنع مؤقتاً وفي ظروف التناقض مع مصالح البلد الإسلامي إذا رأت ذلك أن تمنع من الحج الذي يعتبر من الفرائض المهمة الإلهية"([2]).
وقد جاءت ممارسات الشيعة العملية، منسجمة مع نظرياتهم تجاه الكعبة والحج، ولعله من الضروري هنا أن نستعرض شيئاً من سياسات دولتين شيعيتين، قامتا في إيران قديماً وحديثاً، إزاء مقدسات المسلمين في مكة المكرمة.
أولاً: الدولة الصفوية
ويتجلى ذلك في التحالف الذي قام بين الصفويين والأوربيين وفي مقدمتهم البرتغاليون، لمهاجمة الدولة العثمانية السنيّة، وبعض الإمارات السنيّة المستقلة، ومعلوم أن التواجد البرتغالي في منطقة الخليج العربي، واحتلال بعض المناطق الإسلامية، كان امتداداً للحروب الصليبية.
وقد ذكرت المراسلات التي تمت بين ملك البرتغال، والقادة البرتغاليين الميدانيين في الخليج أنه إذا سيطر البرتغاليون على بعض مناطق الخليج كالبحرين والقطيف، فإن الطريق للأراضي المقدسة من ناحية الشرق ستصبح ممهدة للسيطرة البرتغالية على مكة والمدينة، وانتزاع اسم محمد صلى الله عليه وسلم من الجزيرة العربية كلها.
وفي هذا الصدد أرسل القائد البرتغالي، البوكيرك، رسالة إلى أول حكام الدولة الصفوية، الشاه إسماعيل، ليكسب ودّه، ويأمن جانبه، جاء فيها:
"إنني أقدّر لك احترامك للمسيحيين في بلادك، وأعرض عليك الأسطول والجند والأسلحة لاستخدامها ضد قلاع الترك في الهند، وإذا أردت أن تنقض على بلاد العرب أو أن تهاجم مكة ستجدني بجانبك في البحر الأحمر أمام جدّة أو في عدن أو في البحرين أو في القطيف أو في البصرة، وسيجدني الشاه بجانبه على امتداد الساحل الفارسي، وسأنفذ له كل ما يريد"([3]).
وهكذا لم يجد الصفويون الشيعة مانعاً من مساندة البرتغاليين في محاولتهم الاعتداء على مكة والمدينة، ما دام تحالفهم معهم سيؤدي إلى إضعاف الدول السنيّة.
الشاه عباس والحج
إحدى سياسات الصفويين المنتقصة لمكة المكرمة، تجلت في محاولة الشاه عباس (996 ـ 1028هـ/ 1587ـ 1648م) صرف أنظار الإيرانيين إلى مدينة مشهد الإيرانية التي تضم مقام الرضا، ثامن الأئمة الاثنى عشر لدى الشيعة، بدلاً من التوجه إلى مكة المكرمة.
ومن أجل أن يكون الشاه عباس قدوة للشيعة في ذلك، سار من أصفهان التي كانت عاصمة الصفويين آنذاك، إلى مشهد، ماشياً، وقطع في الرحلة التي دامت 28 يوماً، أكثر من 1200 كيلومتراً، ثم بقي هناك مدة ثلاثة أشهر، يعمل فيها مع الخدم في التنظيف، وخدمة زوار مقام الرضا، ومساندة عمال البناء.
وقد جاءت فعلة الشاه عباس الصفوي هذه منسجمة غاية الانسجام مع الفكر الشيعي الذي يفضل مقامات أئمة الشيعة على الحرمين الشريفين، إضافة إلى الخلاف المحتدم آنذاك بين الصفويين والعثمانيين، فاعتبر عباس أن الواجب القومي يحتم عدم السفر عبر الأراضي العثمانية، ودفع رسم العبور لها([4]).
وكان عباس يشجع بعض القبائل الموالية له من التركمان وغيرهم على قطع الطريق، وسلب أموال الحجاج القادمين من آسيا عبر إيران والعراق والاعتداء على أرواحهم وأعراضهم([5]).
ثانياً: الدولة الخمينية
أما الدولة الشيعية التي أسسها الخميني في إيران سنة 1979م، فهي الأخرى جاءت ممارساتها منسجمة مع الفكر الشيعي إزاء الحرمين الشريفين، فمنذ السنوات الأولى لانتصار ثورة الخميني، بدأت أعداد الحجاج الإيرانيين تزداد عاماً بعد عام، وصارت عناصر الحرس الثوري والمخابرات الإيرانية تشكل نسبة كبيرة من الحجاج.
ومنذ انتصار الثورة أخذت إيران على عاتقها إفساد مواسم الحج، وإحداث الاضطرابات والفتن، لاسيما بعد أن ساءت علاقتها بالسعودية، بعد اندلاع الحرب العراقية الإيرانية (1980ـ 1988)، ومن أهم ما كان يقترفه الشيعة الإيرانيون في الحرمين الشريفين:
ـ التظاهرات والهتافات للخميني وعلماء الشيعة، ورفع صورهم.
ـ الاعتداء على الحجاج ورجال الأمن والممتلكات.
ـ إدخال المتفجرات، واستعمالها في بعض المواسم، مما أدى لمقتل عدد من الحجاج.
وفي 12/12/ 1401هـ (10/10/ 1981م) أرسل الملك خالد بن عبد العزيز، رسالة إلى الخميني، مرشد الثورة الإيرانية، يقول له فيها إن هذه التظاهرات السياسية تتنافى ومكانة الشعب الإيراني، ويطلب أن يقتصر نشاط الحجاج الإيرانيين على أداء مناسك الحج فقط.
وما كان من الخميني إلاّ أن أصرّ على باطله معتبراً أن ما يقوم به الإيرانيون ليس جريمة، وأن السلطات السعودية تصلها تقارير محرفة، في حين أن ما تذكره السفارة الإيرانية في السعودية، هو الصحيح([6]).
الإسماعيلية والحج
ومثلما وقف الشيعة الاثنى عشرية (أو بعض جماعاتهم على الأقل) موقف العداء والكره للكعبة والحج والحرمين الشريفين، فإن فرقة الإسماعيلية، وهي فرقة انفصلت عن الشيعة بعد الإمام السادس، هي الأخرى وفقت موقف البغض، وهو ما سنتناوله في هذه الزاوية في العدد القادم إن شاء الله.
للاستزادة:
1 ـ الاعتداءات الباطنية على المقدسات الإسلامية ـ د. كامل الدقس.
2 ـ التوحيد والشرك في ضوء القرآن الكريم ـ د. طه الدليمي.
3 ـ تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه ـ أحمد الكاتب.
4 ـ الراصد نت.
 
 

[1]) ) ـ انظر هذه الروايات وغيرها: كتاب التوحيد والشرك للدليمي ص 9ـ 21 + ص 185ـ 188.
[2]) ) ـ تطور الفكر السياسي الشيعي لأحمد الكاتب، ص 331ـ 332.
[3]) ) ـ انظر مقال "الصفويون يدخلون الاستعمار إلى منطقة الخليج" في العدد 56 من الراصد على الرابط التالي: http://www.alrased.net/show_topic.php?topic_type=4
 
[4]) ) ـ انظر مقال "عباس الصفوي يحول الحج إلى مدينة مشهد"، في العدد 54 من الراصد، على الرابط التالي:
 
[5]) ) ـ الاعتداءات الباطنية للدقس ص 174.
[6]) ) ـ يمكن الاطلاع على بعض ما اقترفه الإيرانيون في مكة، كتاب: الاعتداءات الباطنية على المقدسات الإسلامية ص 176ـ 204.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: