فرق ومذاهب\العدد السابع والخمسون غرة ربيع اول 1429 هـ
سلسلة المجموعات المسيحية في المنطقة العربية 5- السريان
الأحد 9 مارس 2008
سلسلة المجموعات المسيحية في المنطقة العربية 5
السريان
تمهيد
نقوم بالتعريف بعدد من المجموعات المسيحية الموجودة في المنطقة العربية كالأقباط في مصر، والموارنة في لبنان، والكلدانيين في العراق...إلخ، كون هذه المجموعات تعيش في المنطقة ، وبعضها يتولى سدة الحكم كما في لبنان، إضافة إلى أن علاقاتها مع المسلمين كثيراً ما يشوبها الاضطراب والصدام كما في مصر.
ثمة أسباب أخرى تدفعنا لطرق موضوع الجماعات المسيحية منها أن هذه المجموعات لا تعيش بمعزل عن المسلمين، فهي جزء من المجتمع وتلعب أدوارا سياسية واجتماعية واقتصادية، وربما عسكرية، ونحن نرى الآن في لبنان مثلاً أن الشيعة الممثلين بحزب الله وحركة أمل يقيمون تحالفاً مع بعض الأطراف المارونية المسيحية (عون، فرنجية) في مواجهة تحالف آخر يرأسه تيار المستقبل (السني) المتحالف مع بعض الأطراف المارونية (الجميل، جعجع) إضافة إلى التيار الدرزي الذي يمثله وليد جنبلاط.
كما أننا لا نغفل عن أن هذه المجموعات المسيحية، أو غيرها من الأقليات يراد لها أن تكون عنصر اضطراب في المجتمعات الإسلامية، إذ يتم في كثير من الأحيان دعمها ورعايتها واستغلالها من قبل الغرب لإضعاف المجتمع الإسلامي، وضرب سكانه بعضهم ببعض، لاسيما عندما يتم المبالغة في أعداد ونسب هذه الأقليات، لإظهار أنها مضطهدة مهمشة ولا تحصل على الحقوق والامتيازات التي توازي أعداد أفرادها.
ومما يجدر ذكره أيضاً أن هذه المجموعات ليست كتلة واحدة متفقة ومنسجمة، إذ أن داخل كل جماعة مسيحية ـ شأن الجماعات والأديان الأخرى ـ توجهات وتيارات دينية وسياسية عديدة، تصل فيها الأمور في غالب الأحيان إلى مستوى الصراع والتخوين وربما التكفير.

السريان

السريان جماعة مسيحية تنتشر بشكل أساسي في دول الشام (سوريا، لبنان، فلسطين، الأردن) والعراق والهند، إضافة إلى عدد من الدول الغربية.
وبحسب المصادر المسيحية، فإن السريان هم أول شعب وثني اعتنق المسيحية منذ السنوات الأولى لظهورها، وهم بالأصل "الآراميون"([1]) الذين تنصّروا واعتنقوا المسيحية.
أما تسمية الآراميين المتنصرين بـ "السريان" فاختلفت فيها الآراء، فمن قائل أنه منذ أن اعتنق الآراميون المسيحية بدأوا يحملون اسم "سورايا أو سوريايا" ومعناها مسيحي، وقد تحوّر اللفظ لاحقاً إلى سيريان أو سوريان، ومن ثم سريان على ألسنة اليونان والرومان... إلى قائل بأن السريان تعني: سكان سوريا، إلى غير ذلك من الأقوال.
وتقول المصادر المسيحية بأن السريان تخلوا عن اسمهم القديم "الآراميين"، لأنه كان يذكّرهم بوثنيتهم، وصارت اللغة الآرامية تعرف بـ "اللغة السريانية"([2]). وما زال بعض سكان قرى سوريا وشمال العراق يتحدثون هذه اللغة إلى اليوم.
ويُعرف السريان أيضاً باسم: اليعاقبة أو اليعقوبيين، نسبة إلى يعقوب البرادعي، أحد أنشط دعاتهم في أواسط القرن السادس الميلادي، والذي ثبّت السريان على العقيدة "المونوفيزية"([3]).
وبالرغم من تعظيم السّريان ليعقوب البرادعي واعتباره قدّيساً، والاعتراف بجهده في تثبيت دعائم عقيدتهم، إلاّ أنهم يرفضون تسميتهم باليعاقبة، لأنهم يعتبرون عقيدتهم أقدم من يعقوب، وأن انتسابهم إليه إنكار لعلاقتهم بمن سبقوه من الآباء والقدّيسين([4]).
عرفت كنيسة السريان باسم "الكنيسة السريانية الأرثوذكسية" إلى أن اعتنق مجموعة من السريان الأرثوذكس المذهب الكاثوليكي بفعل التبشير، وصاروا يتبعون لبابا روما، ومن هنا نشأت كنيسة جديدة، هي "كنيسة السريان الكاثوليك" أو "بطريركية أنطاكيا للسريان الكاثوليك".
السريان في العصور الإسلامية
أتقن السريان عدداً من العلوم والمعارف وعلى رأسها الطب والفلك والهندسة واللغات والترجمة، لذلك استعان بهم عدد من الخلفاء الأمويين والعباسيين، إضافة إلى حكام بعض الدول والممالك الإسلامية.
وكان السريان يتقنون اللغة اليونانية، وخلال عهد الخلفاء الأمويين الأوائل كانت دواوين الدولة تغص بالكتبة المسيحيّين، وكانت لغتها اليونانية، حتى عهد الخليفة عبد الملك بن مران     (65 ـ 87هـ/ 685ـ 705م) الذي عّرب الدواوين، وجعل العربية لغة رسمية.
وفي العصر العباسي نشط السريان في الترجمة، ونقل المؤلفات التي كتبت باليونانية والفارسية والسريانية، إلى العربية، وبخاصة كتب الفلسفة، التي تحتوي على الكثير من الوثنية والشرك، مثل مؤلفات: أرسطو وسقراط وأفلاطون وجالينُس وبطليموس... كما عمل بعض السريان كأطباء خاصين لبعض الخلفاء، ومن السريان المشاهير الذين برزوا في العصر العباسي:
 
1 ـ الطبيب جرجيس، في عهد المنصور، وكان قبل ذلك عميداً لمعهد الطب الذي أنشأه كسرى أنوشروان.
2 ـ بختيشوع بن جرجيس، رئيس الأطباء في مصحّ بغداد في عهد هارون الرشيد.
3 ـ قسطا بن لوقا البعلبكي، الطبيب والفيلسوف، الذي نقل إلى العربية مؤلفات اليونان، واشتغل في صنع الآلات الفلكية.
4 ـ الطبيب حنين بن إسحاق.
5 ـ الطبيب اسحاق بن حنين بن إسحاق.
6 ـ الطبيب والفيلسوف ابن العبري.
7 ـ الفيلسوف يحيى بن عدي، المعروف بأبي زكريا المنطقي.
 
السريان والصليبيون
يؤكد المؤرخون المسيحيون، والسريان على وجه الخصوص، بأن علاقة السريان بالصليبين ظلت وثيقة طيلة فترة وجود الصليبين في بلاد المسلمين، يقول مخائيل الكبير، وهو بطريرك سرياني مونوفيزي معاصر للحقبة الصليبية: "أساقفة السريان وكهنتهم تمتعوا بالراحة والسَّكينة في عهد دولة الصليبيين، فلمّ يلحقوا بنا أدنى أذى، لأنهم كانوا يعتبرون جميع الساجدين للصليب على حدّ سواء. لا يماحكونهم في المسائل الدينية كما يماحكهم أساقفة الروم".
وقد كتب البطريرك السرياني أغناطيوس بطرس السادس (1678 ـ 1702م) رسالة إلى ملك فرنسا لويس الرابع عشر (1643 ـ 1715م) يقول فيها: "... ليكن معلوما لدى عظمتكم العالي ما صنع السريان القدماء مع الأمراء الفرنساوية في محروسة القدس الشريف والمحبة والاتفاق بغاية المودة التي أبدوها أمام السلاطين العظام الذين حكموا عليها"([5]).
 
إنتشارهم وأعدادهم
لا تتوافر إحصائيات دقيقة لأعداد السريان، لكن ثمة تقديرات تجعل عددهم في الدول العربية التي سبق الإشارة إليها، بحدود 250 ألفاً: 60% منهم من الأرثوذكس، و 40% منهم من الكاثوليك، إضافة إلى عدد آخر في دول الاغتراب مثل: الولايات المتحدة وكندا وأوروبا وتركيا.
ومنذ عام 1959م، أصبح مقر الكنيسة السريانية الأرثوذكسية، في العاصمة السورية دمشق، بعد أن مرّ بعدة مدن كالموصل وحمص. ويرأس هذه البطريركية حالياً: البطريرك أغناطيوس زكّا الأول عيواص، وهو من مواليد الموصل سنة 1933، وانتخب لمنصبة هذا سنة 1980م.
أما كنيسة السريان الكاثوليك، فهي حديثة التأسيس قياساً بالكنيسة الأرثوذكسية، وقد تنقل مقرها في عدة بلدان إلى أن استقر في لبنان.
ويرأس هذه الكنيسة منذ عام 2001: إغناطيوس بطرس الثامن عبدالأحد، الذي قدم استقالته ابتداء من الثاني من شباط/ فبراير 2008، وقبلها بابا روما.
وينتظر أن يجتمع سينودس الطائفة خلال 40 يوماً لانتخاب بطريرك جديد، علماً أنالسينودس مؤلف من 14 مطراناً (توفي منهم إثنان)، وهم موزّعون كالآتي: لبنان(مطرانان)، سوريا (5 مطارنة)، العراق (2)، مصر (1)، روما (1)، فلسطين (1)، الولايات المتحدة (1).
وقد شكل البابا لجنة لتصريف الأعمال ريثما يصار إلى انتخاب بطريرك جديد من: المطران تيوفيل جورج كساب رئيس أساقفة حمصوحماه والنبك؛ والمطران غريغوريوس الياس طابه رئيس أساقفة دمشق؛ والمطران أثناسيوس متي شابامتوكا رئيس أساقفة بغداد.
 
للاستزادة:
1_ موسوعة المجموعات العرقية والمذهبية في العالم العربي ـ إشراف ناجي نعمان.
2 _ موسوعة الأديان (الميسّرة) ـ إصدار دار النفائس.
3- موسوعة عالم الأديان (الجزء الثالث عشر) ـ إشراف ط. مفرج.
4- الأديان والمذاهب بالعراق ـ رشيد الخيون.
5 _ المسيحيون العرب: الدور والحضور (عدد خاص من مجلة معلومات التي يصدرها المركز العربي للمعلومات في بيروت ـ العدد 45 ـ أغسطس 2007).
6 _ موسوعة ويكيبيديا على شبكة الانترنت.
7 _ مواقع الهيئات والمنظمات السريانية على الانترنت.
 
 

[1]) ) ـ الآراميون: مجموعة قبائل سكنت خلال القرن السادس عشر قبل الميلاد في آرام في شمال بلاد الشام، فنسبت إليها، ثم توسعت حتى احتلت، في القرنين التاسع والثامن قبل الميلاد، بلاد ما بين النهرين، وانتشرت لغة الشعب الآرامي في بلاد الشام وفارس والهند والجزيرة العربية، وأصبحت لغة الشرق كله في عهد الأمبراطوريتين: اليونانية والرومانية. ويقول المسيحيون إن الآرامية كانت لغة المسيح عليه السلام، وبها كتبت أسفار العهد القديم (التوراة)، وبعض العهد الجديد (الإنجيل).
[2])) ـ موسوعة عالم الأديان ص 11ـ 12، والمجموعات العرقية ص 175.
[3])) ـ المونوفيزية تعني: عقيدة الطبيعة الواحدة. وقد نشر أوتيخا هذه الفكرة في منتصف القرن الخامس الميلادي، وهي تقول بوجود طبيعة واحدة للمسيح عليه السلام، وأن إنسانية المسيح قد ذابت في ألوهيته.
وقد أدان المجمع الخلقيدوني، المنعقد سنة 451م، هذه العقيدة، مؤكداً على طبيعتين في المسيح (إلهية وبشرية)، تعالى الله عن كل ذلك علوّا كبيرا. وقد تبنى المونوفيزية بشكل خاص: الأقباط في مصر والحبشة والسريان اليعاقبة في سوريا والعراق، والأرمن (موسوعة النفائس ص 472).
وفي مقابل عقيدة الطبيعة الواحدة التي اخترعها أوتيخا ودافع عنها يعقوب البرادعي، وعقيدة الطبيعتين في المسيح التي أقرّها المجمع الخلقيدوني، برزت بين المسيحيين أيضاً العقيدة النسطورية، نسبة إلى نسطور، بطريرك القسطنطينية (ت 451م)، والذي كان يقول إن في المسيح شخصين: شخص إلهي وشخص إنساني (موسوعة النفائس ص 474).
[4]) ) ـ المجموعات العرقية ص 177.
[5]) ) ـ موسوعة عالم الأديان ص 38 ـ 42.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: