سطور من الذاكرة\العدد الثامن والخمسون ربيع ثاني 1429 هـ
مؤامرات على الكعبة والحج (2)
الأربعاء 9 أبريل 2008
 مؤامرات على الكعبة والحج (2)
 
في العدد الماضي من هذه الزاوية، تحدثنا عن بعض المؤامرات الشيعية التي استهدفت الكعبة المشرفة ومناسك الحج قديماً وحديثاً. والحج كما هو معلوم أحد أركان الإسلام الخمسة، والعبادة التي تتجلى فيها وحدة المسلمين واجتماعهم وتضحياتهم، أما الكعبة فهي قبلة المسلمين الموجودة في مكة المكرمة، أحبِ البلاد إلى الله، ولذلك توجهت إلى مكة والحج سهام الحاقدين من الكافرين، ومن المحسوبين على المسلمين، من المنافقين والعلمانيين، وأتباع الفرق المنحرفة.
وإذا كان الشيعة (أو بعض جماعاتهم) أظهروا عداءهم وبغضهم لمكة المكرمة، ومناسك الحج وفضلوا عليهما مقامات وأضرحة أئمتهم، كما بيّنا في المقال السابق، فإن فرقة الإسماعيلية، هي الأخرى وجّهت سهامها نحو الكعبة والحج ومكة، وصرفت الناس عن هذه العبادة العظيمة بأساليب وأشكال مختلفة.
أولاً: التأويل الباطني
معروف أن فرقة الإسماعيلية هي فرقة باطنية تدّعى أن للإسلام ظاهراً وباطناً، والتأويل (الذي هو التفسير المجازي أو الرمزي دون قرينة) هو أحد الوسائل الرئيسية التي اتخذتها الحركات الباطنية ـ ومنهما الإسماعيلية ـ لجعل عقائدها شرعية وصحيحة، من خلال القول أن الشريعة مشتملة على ظاهر وباطن لاختلاف فطر الناس وتباين قرائحهم في التصديق، فكان لا بد من إخراج النص القرآني من دلالته الظاهرة إلى دلالته الباطنية بطريقة التأويل([1]).
إذاً، ادّعت الفرق الباطنية أن النص القرآني له مدلول ظاهري وآخر باطني، وهم بذلك صرفوا العبادات عن مدلولها الحقيقي، فادّعوا أن الصلاة تعني شيئاً آخر غير العبادة المعروفة، وكذلك الزكاة والصيام والحج، وسائر العبادات والعقائد.
وإذا كنا نتحدث في هذه المقالة عن فريضة الحج والكعبة المشرفة، ومؤامرات الإسماعيليين عليهما، فإننا نقول إن الحج وسائر العبادات، خضع للتأويل عند الإسماعيلية، بل إن كل شيء عند الإسماعيليين يمكن أن يخضع "لقانون" التأويل فقد أوّلوا مثلاً الصلاة بأنها صلة الداعي إلى دار السلام بصلة الأبوة في الأديان إلى الأمام، والزكاة إيصال الحكمة إلى المستحق، الصوم الإمساك عن كشف الحقائق لغير أهلها، والحج القصد إلى صحبة الأئمة، والإحرام الخروج من مذهب الأضداد...([2]).
يقول د. محمد الخطيب: "وهكذا ينتهي بهم التأويل إلى طرح كل أركان الدين وإباحة محرماته، وهو الغاية القصوى التي تسعى إليها الباطنية"([3]).
ولا نرغب هنا بالدخول في تفاصيل فيما يتعلق بالباطنية والتأويل، فقد تناولنا ذلك في مواضع عديدة من الراصد ([4])، لكننا نريد القول أن التأويل الباطني أكبر مؤامرة على الحج لأنه يهدف إلى إلغائه من خلال الاعتقاد بأن الحج يعني التوجه إلى لقاء الإمام الإسماعيلي، وليس الحج المعروف لدينا.
هذا التأويل الفاسد يؤدي بالنهاية إلى إلغاء الشريعة بالكلية، وهو الأمر الذي جعل الإمام عبد القاهر البغدادي يقول: "اعلموا ـ أسعدكم الله ـ أن ضرر الباطنية على فرق المسلمين أعظم من ضرر اليهود والنصارى والمجوس عليهم، بل أعظم من مضرّة الدهرية، وسائر أصناف الكفرة عليهم، بل أعظم من ضرر الدجال الذي يظهر في آخر الزمان: لأن الذين ضلّوا عن الدين بدعوة الباطنية من وقت ظهور دعوتهم إلى يومنا أكثر من الذين يضلون بالدجال في وقت ظهوره، لأن فتنة الدجال لا تزيد مدتها على أربعين يوماً، وفضائح الباطنية أكثر من عدد الرمل والقطر"([5]).
وعلى منوال الإسماعيلية سارت فرقة الدروز، التي انبثقت منها، فعند الدروز (وتحديداً عند أكبر دعاتهم حمزة بن علي الزوزني) يعتبر الحج من ضروب الجنون، فكشف الرؤوس، وتعرية الأبدان، ورمي الجمار، والتلبية، كل هذا من الجنون في زعم حمزة.
وقد تجاوز حمزة الزوزني التأويل الباطني إلى إسقاط فرائض الإسلام وتبديلها بجملة من العقائد الدرزية، كما يظهر ذلك في قوله:
"فصدق اللسان عوض الصلاة،
وحفظ الإخوان عوض الزكاة،
وترك عبادة العدم والبهتان عوض الصوم،
والبراءة من الأبالسة والطغيان عوض الحج،
والتوحيد لمولانا (يقصد الحاكم بأمر الله العبيدي) عوض الشهادتين،
والرضا بفعله كيفما كان عوض الجهاد،
والتسليم لأمره في السر والحدثان عوض الولاية([6]).
ثانياً: القرامطة
القرامطة فرع من فروع الإسماعيلية، شكلوا في أواخر القرن الثالث الهجري حركة عسكرية عاثت في الأرض فساداً، واعتدت على الأفراد والممتلكات، وأعلنت التمرد والعصيان([7]).
ولم يكن الحج ومكة المكرمة وحجاج بيت الله الحرام بعيدين عن إفساد القرامطة واعتداءاتهم، بل إن عدوانهم على الحجاج لم يسبقهم فيه أحد، حتى وصل الأمر إلى سرقة الحجر الأسود، وفي أحد مواسم الحج لم يقف بعرفة أحد!
ففي سنة 312 هـ هاجم زعيم القرامطة أبو طاهر سليمان بن الحسن الجنابي الحجاج، ونهبهم، وأخذ أمتعتهم وأموالهم ونساءهم، وترك الحجاج في مواضعهم، فمات أكثرهم جوعاً وعطشاً ومن حر الشمس. وفي نفس العام دخل الكوفة فقتل الناس وانتهب الأموال، وجعل مسجد الكوفة اصطبلاً لخيوله([8]).
وعاود أبو طاهر عدوانه على مكة والحجيج في سنة 317هـ، وكانت هذه المرة أشد من سابقتها، وأكثر إيلاماً وإفساداً، ففي ذلك العام زحف أبو طاهر القرمطي على مكة، يريد قتل الحجاج وهدم الكعبة، فدخل مكة هو وأصحابه، وأخذوا يقتلون أهاليها، ومن كان فيها من الحجاج من رجال ونساء، وهم متعلقون بأستار الكعبة، وردم بهم زمزم، وفرش بهم المسجد وما يليه، وقتل في سكك مكة وشعابها من أهل خراسان والمغاربة وغيرهم زهاء ثلاثين ألفاً، وسبى من النساء والصبيان مثل ذلك.
وأقام أبو طاهر بمكة ستة أيام، ولم يقف أحد تلك السنة بعرفة، ولا وفّى نسكاً، وكان ينتقل من مكان إلى آخر وهو يدعو أصحابه: أن أجهزوا على الكفار وعبدة الأحجار (لأن القرامطة يعتبرون الحج من شعائر الجاهلية ومن قبيل عبادة الأصنام).
وطلب أبو طاهر من أتباعه أن يدكوا أركان الكعبة، ويقتلعوا الحجر الأسود، حتى لا يبقى منه أثر، وطلع أبو طاهر إلى باب الكعبة، وقلع بابها الشريف، وصار ينشد:
أنا بالله وبالله أنا      يخلق الخلق وأفنيهم أنا
وبعد أن عاث القرامطة في بيت الله الحرام فساداً، خرجوا من مكة وهم ينشدون:
فلو كان هذا البيت لله ربنا     لصبّ علينا النار من فوقنا صبّا
              لأنا حججنا حجـة جاهلية     محللة لم تبــق شرقاً ولا غربا
              وإنا تركنا بين زمزم والصفا   جنائز لا تبغي سوى ربّـها ربا
واستمر أبو طاهر في اعتداءاته على مواكب الحجاج بعد ذلك، وفرض الأتاوات عليهم، وظل على ذلك حتى هلك ـ عليه من الله ما يستحق ـ في سنة 332 هـ([9]) .
ثالثاً: الحاكم بأمر الله الفاطمي
الحاكم بأمر الله رابع حكام الدولة العبيدية، وهي دولة اعتنقت المذهب الإسماعيلي، وتسمت بـ "الفاطمية" ونسبت نفسها إلى آل النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تولى الحاكمُ الملكَ سنة 386هـ، وقد اتسم حكمه بالظلم والقسوة والتقلب وعداوة أهل السنة، وله من المخازي ما لا يحصى، وأكبرها ادّعاؤه الألوهية، وعلى هذا قام مذهب الدروز، وقد امتدت مخازيه لتطال مناسك الحج، وقبر النبي صلى الله عليه وسلم.
ففي سنة 390هـ، حاول الحاكم نقل الحج إلى مصر، وشيّد ثلاثة مشاهد في المنطقة الواقعة بين الفسطاط والقاهرة، لينقل إليها رفات النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، من المدينة المنورة.
كان الحاكم يهدف من فعلته هذه، تحويل أنظار المسلمين إلى القاهرة، عاصمة العبيديين، وجعلها في درجة قداسة مكة والمدينة، لكنّ الله خيّب مسعاه، وحفظ قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبري صاحبيه([10]).
رابعاً: الأغاخانية
الأغاخانية إحدى جماعات الإسماعيلية المعاصرة، ويسمى زعيمهم "أغاخان" ولا يختلف موقف الأغاخانية من الحج عن موقف أسلافهم، فهم يتوجهون بقبلتهم إلى حيث يقيم إمامهم، فهم يعتبرون أن الكعبة ليست سوى حجارة، وأن الحج إليها في بداية الإسلام كان مناسباً لمستوى الناس العقلي في ذلك الوقت، وبدلاً من ذلك يفضلون الذهاب للأغاخان وزيارته، وتقديم الولاء والإجلال له، وبهذا يكون قد أدّى الأغاخاني الحج بزعمهم، ويقولون مستنكرين حج المسلمين بيت الله الحرام: ما الأفضل تحج إلى حجارة لا تعقل أم تزور إنساناً حيّاً متعلماً([11]). 
خاتمة
وفي مقابل إفساد الشيعة والإسماعيلية لمناسك الحج، والاعتداء على الحجاج وممتلكاتهم، وصرف الناس عن هذا الركن من أركان الإسلام، يقف أهل السنة موقف التعظيم والتوقير لبيت الله الحرام، من خلال اعماره، والتوجه إليه ونختم مقالنا بكلام موجز قيم لعبد القاهر البغدادي عن جهود أهل السنة في هذا المجال، فيقول: "ومؤلفاتهم في الدين والدنيا فخر خالد مدى الدهر للأمة المحمدية، وأما آثارهم العمرانية في بلاد الإسلام فمشهورة ماثلة أمام الباحثين، خالدة في بطون التواريخ، بحيث لا يلحقهم في ذلك لاحق، كالمساجد والمدارس والقصور والرباطات والمصانع والمستشفيات، وسائر المباني المؤسسة في بلاد السنة، وليس لسوى أهل السنة عمل يذكر في ذلك.
وقد بنى الوليد بن عبد الملك المسجد النبوي، ومسجد دمشق على أبدع نظام، وكان سنيّاً، وبنى أخوه مسلمة المسجد بقسطنطينية، وكان سنيّاً وكل ما في الحرمين وسائر الحواضر من شواهق الآثار فمن عمل أهل السنة"([12]).
للاستزادة:
1 ـ الفرق بين الفرق ـ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي.
2 ـ الحركات الباطنية في العالم الإسلامي ـ د. محمد أحمد الخطيب.
3 ـ الراصد نت.
 
 
 
 

[1]) ) ـ الحركات الباطنية للخطيب ص 30.
[2]) ) ـ المصدر السابق ص 133، نقلاً عن "أربع رسائل إسماعيلية" لعارف تامر.
[3]) ) ـ المصدر السابق ص 133.
[4]) ) ـ أنظر الروابط التالية: http://www.alrased.net/show_topic.php?topic_id=78
                             http://www.alrased.net/show_topic.php?topic_id=321
[5]) ) ـ الفرق بين الفرق ص 282.
[6]) ) ـ الحركات الباطنية ص 278.
[7]) ) ـ لمعرفة المزيد عن القرامطة، انظر العدد 12 من الراصد (باب /فرق) على الرابط: http://www.alrased.net/show_topic.php?topic_id=328
[8]) ) ـ الفرق بين الفرق ص 290، والحركات الباطنية ص 152.
[9]) ) ـ الحركات الباطنية ص 152 ـ 153، والفرق بين الفرق ص 290 ـ 295.
[10]) ) ـ يمكن الرجوع إلى زاوية سطور من الذاكرة (العدد 49) لمعرفة المزيد عن هذه الجريمة، على الرابط: http://www.alrased.net/show_topic.php?topic_id=720
[11]) ) ـ انظر الأغاخانية ونظرتهم إلى العبادات، ومنها الحج، على الرابط:..http://www.alrased.net/show_topic.php?topic_id=113
[12]) ) ـ الفرق بين الفرق ص 366.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: