سطور من الذاكرة\العدد الستون جمادى الآخرة 1429هـ
دور اليهود في مساندة الحركات الهدامة القرامطة نموذجاً
السبت 7 يونيو 2008
دور اليهود في مساندة الحركات الهدامة
القرامطة نموذجاً
 
        كان اسم "القرامطة" يثير الرعب في أنحاء كثيرة من العالم الإسلامي زمن الدولة العباسية، لا سيما في القرنين الثالث والرابع الهجريين، فهذه الجماعة المسلحة المنحرفة التي تنتمي إلى المذهب الشيعي الإسماعيلي، أعلنت العصيان المسلح على الدولة الإسلامية، وروّعت الآمنين، وقطعت الطريق، وقتلت من المسلمين آلافاً عديدة، ووصل فسادهم إلى بيت الله الحرام ومهاجمة الحجاج في يوم التروية وقتلهم، وسرقة الحجر الأسود، وغير ذلك من المنكرات والجرائم التي اعتاد القرامطة على ارتكابها ودونتها كتب التاريخ([1] ).
 
ولا بأس في البداية، أن نورد ما ذكره الإمام ابن كثير في تاريخه (البداية والنهاية، ج 11) عن القرامطة وبداية ظهورهم سنة 278 هـ ، إذ يقول رحمه الله:
ثم دخلت سنة ثمان وسبعين ومائتين‏:
"وفيها تحركت القرامطة وهم فرقة من الزنادقة الملاحدة أتباع الفلاسفة من الفرس، الذين يعتقدون نبوة زرادشت ومزدك، وكانا يبيحان المحرمات‏.‏ثم هم بعد ذلك أتباع كل ناعق إلى باطل، وأكثر ما يفسدون من جهة الرافضة ويدخلون إلى الباطل من جهتهم، لأنهم أقل الناس عقولاً.
ويقال لهم‏:‏الإسماعيلية، لانتسابهم إلى إسماعيل الأعرج بن جعفر الصادق‏.‏ويقال لهم‏:‏ القرامطة، قيل‏:‏ نسبة إلى قرمط بن الأشعث البقار،وقيل‏:‏ إن رئيسهم كان في أول دعوته يأمر من اتبعه بخمسين صلاة في كل يوم وليلة ليشغلهم بذلك عما يريد تدبيره من المكيدة‏.‏
ثم اتخذ نقباء اثنى عشر، وأسس لأتباعه دعوة ومسلكاً يسلكونه ودعاإلى إمام أهل البيت، ويقال لهم‏:‏ الباطنية لأنهم يظهرون الرفض ويبطنون الكفر المحض...إلى أن يقول ابن كثير:
والمقصود أن هذه الطائفة تحركت في هذه السنة، ثم استفحل أمرهم وتفاقم الحال بهم كما سنذكره حتى آل بهم الحال إلى أن دخلوا المسجد الحرام فسفكوا دم الحجيج في وسط المسجد حول الكعبة وكسروا الحجر الأسود واقتلعوه من موضعه، وذهبوا به إلى بلادهم في سنة سبع عشرة وثلاثمائة، ثم لم يزل عندهم إلى سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، فمكث غائباً عن موضعه من البيت ثنتين وعشرين سنة فإنا لله وإنا إليه راجعون‏".
       
وما دام جهد القرامطة كان منصبا على إفساد عقائد المسلمين وإيذائهم وإضعافهم، فمن الطبيعي أن يتلقف هذا الجهد ويدعمه فئات من الكارهين للإسلام، أمثال اليهود، بغضا في الإسلام وأهله، ورغبة في إضعافهما، وهو الدور الذي لا يزالون يحرصون على القيام به الآن، من دعم الفرق الضالة في الدول الإسلامية، ومطالبة الحكومات بالسماح لها بنشر مذاهبها وأفكارها.
ففي أواخر القرن الثالث الهجري، زمن الخليفة العباسي المعتضد، الذي كانت دولته قد أنهت للتوّ فتنة الزنج([2]أنهكت الدولة العباسية، قبض حرس القصر على رجل في زي النساء، يحمل تحت ثيابه سلاحاً، وكان قد تسلل إلى القصر من باب الحريم يريد اغتيال الخليفة المعتضد، فلما سيق إلى دار العذاب حاول أن يحتسي سماً كان معه، فحالوا بينه وبين ذاك... وعذّبوه ليقر، فأقر بأنه من القرامطة، وأنه كان يتصل بداعيتهم عبدان في دار أبي هاشم بن صدقة الكاتب ـ أي سكرتير الوالي ـ، وأن عبدان قد رحل بأهله من بغداد منذ نصف شهر بعدما أوعز إليه باغتيال المعتضد.) التي
وقبض على أبي هاشم، وفتشت داره فلم يعثر فيها على شي، وأنكر التهمة، وأقسم أنه لا يعرف عبدان ولا أحداً من القرامطة، وأن المجرمَ المقبوضَ عليه إنما الصق به التهمة نكاية به، لِما عرف عنه من بغض القرامطة وعداوتهم، فأمر المعتضد بحبسه حتى يتبين أمره.
ثم قُبض على جماعة من زعماء القرامطة في الكوفة، فوجههم واليها في السلاسل إلى المعتضد ليرى رأيه فيهم، فوردوا إلى بغداد بعد يومين من حبس أبي هاشم، فأمر المعتضد بهم فعذبوا حتى أقروا بأسرار كثيرة منها أن أبا هاشم كان من دعاتهم القدماء، وأنه كان يكاتب حمدان قرمط (زعيم القرامطة)، وكان أحدهم يحمل الرسائل بينهما، فأسقط في يد أبي هاشم، لكنه أصر على الإنكار، ورمى هؤلاء الشهود بمثل ما رمى الشاهد الأول، فعذبوه فاحتمل العذاب دون أن يعترف.
 وجيء بزوجة أبي هاشم، فلما رأت ما يلقاه من العذاب، أقرت عنه واعترفت بأن عبدان القرمطي كان نازلاً مع أهله في دارهم، فكذب قول زوجته وقال: إنما قالت ذلك شفقة عليه، فصرفوها إلى منزلها وأستأنفوا تعذيبه حتى خشوا أن يموت دون أن يبوح بسره، فقيل لهم: اسقوه مخدراً، فلما سقوه المخدر طفق يهذي بكلام كثير مختلط بعضه ببعض، ويذكر أسماء جماعة من كتاب بغداد ورؤسائها.
وأمر المعتضد بتدوين ذلك كله، فدونوه ثم أمر بأولئك الذين هذى أبو هاشم بأسمائهم، فقبض عليهم وفتشت دورهم فكان مما وجد فيها، كتاب الرحى والدولاب، وكتاب الحدود والإسناد، وكتاب النيران، وكتاب الملاحم، وكتاب المقصد، وكلها من تأليف عبدان القرمطي.
وكان من الأسماء التي ذكرها أبو هشام اسم "عزرا بن صمويل" كبير تجار اليهود في العاصمة بغداد، فحار المعتضد في أمره، وعجب كيف يتواطأ مثل هذا (اليهودي) الجمّاع للمال مع هؤلاء (القرامطة) الذين يرون المال مشاعاً بين الناس، لا حق لأحد أن يجمع منه شيئاً، وأمر الجند بأن يحضروه ويترفقوا به رعايةً لما بينه وبين أبيه الموفق من قديم الصلة وطويل المعاملة.
فأقبلوا به شيخاً في نحو الثمانين من عمره، أصلع، مجعد الوجه، متقوس الظهر، فأحسن المعتضد استقباله، وأجلسه قريباً منه، ثم قال له: ماذا خلطك يا عزرا بهؤلاء القوم؟
فقال عزرا: لولا مقام أمير المؤمنين، لكنت أحق بسؤاله: فيم قبضوا علي، فروّعوا أهلي وساقوني كأنني مجرم، وأنا صنيعة أبيك ولي عهد المسلمين، وصنعيتك من بعده؟
- قال المعتضد: إنك متهم بموالاة القرامطة، فإن استطعت أن تبيّن لنا حقيقة اتصالك بأبي هاشم بن صدقة بما يبرئ ساحتك أطلقنا سراحك.
- ليس بيني وبينه إلا ما كان بيني وبين الناس من المعاملة.
- أما كنت تعلم أنه من دعاة القرامطة؟
- أنّى لي علم ذلك يا أمير المؤمنين؟
- قد أقر لنا أنه كان يجيئك مع الكرماني (داعية قرمطي) ويبعثه الكرماني إليك.
- ما عرفت حقيقة الكرماني وخيانته للدولة في عهد أبيك إلا بعد ما انكشف أمره للناس جميعاً فهرب. وما أنا إلا تاجر أعامل الناس جميعاً، ولا أسألهم عن مذاهبهم.
- ففيم عاملت أبا هاشم بعد ذلك وتسترت عليه؟
- كنت أحسب أن ما بينه وبين الكرماني لا يعدو حد التجارة والمعاملة.
- فقد كنت تعطيه المال لينفقه على دعوته الخبيثة، وكان يحيلك على القداحين "بسلمية"([3])، كما كان يفعل الكرماني معك من قبل، وقد علمت أن هؤلاء أعداؤنا.
- ليس عليّ أن اسأل من يأخذ المال؟ وفيم ينفقه؟ ولا أن أسأل عن القداحين المحال عليهم ما مذهبهم؟ ما أدّوا المال لوكلائي هناك، وما أنا ـ يا أمير المؤمنين ـ إلا يهودي من أهل الذمة قد شمله عدل الإٍسلام، فعاش واغتنى في ظله، فما ينبغي لمثلي أن يدخل نفسه فيما بين طوائف المسلمين من خلافات وعصبيات.
- ليس هذا من ذاك ويلك، فهؤلاء جماعة يأتمرون بالدولة التي شملك عدلها، فاغتنيت في ظلها، فمن والاهم أو تستر عليهم فقد خان الدولة.
- ما كنت أعلم أنهم يأتمرون بالدولة (أي يتآمرون).
- فنظر إليه المعتضد ملياً ثم قال: اعلم يا عزرا أن عندنا جميع أوراقك ودفاترك، وسنكلف رجالاً ينظرون فيها ويدرسونها، فإن شئت أن يشملك عفونا، فاسبقهم وأفض إلينا بسرك.
فاضطرب اليهودي اضطراباً شديداً، ثم قال وهو يبكي: لا تدعهم يفعلون ذلك يا أمير المؤمنين فإن فيها أسرار الناس، وسأعترف بذنبي لأمير المؤمنين، فهل يعدني أمير المؤمنين بعفوه؟
- نعم إن قلت الصدق.
- فإني كنت أعرف الكرماني وخيانته للدولة وأعرف عمل أبي هاشم معه ومع القرامطة من بعده، وصلة القرامطة بالقداحين، وأنهم جميعاً أعداء للدولة، وأعلم أن لا حق لي في معاملتهم والتستر عليهم، ولكن دفعني إلى ذلك ما ورثته عن آبائي من حب المال والحرص عليه، فذلك ذنبي قد اعترفت به، وهذا سِرّي قد كشفته بين يديك، وإني ـ بعدُ ـ عبد أمير المؤمنين وصنيعة أبيه، فهب لي ذنبي وارحم شيخوختي.
- أليس عندك غير هذا؟
- كفى بهذا ذنباً يا أمير المؤمنين ليس أعظم منه إلا عفوك.
غير أن ما قاله عزرا لم يقنع المعتضد، فأمر به فأعادوه إلى حبسه وأوصاهم بإحسان معاملته، وقد رابه من الشيخ اليهودي فزعته من الإطلاع على دفاتره وأوراقه، فقدحت في ذهنه فكرة عزم على تنفيذها، وكتم أمرها عن الناس جميعاً، وهي أن يرسل إلى عماله بالآفاق بأن يفاجئوا وكلاء عزرا في نواحيهم، فيفتشوا دورهم وحوانيتهم ويجمعوا كل ما لديهم من الدفاتر والأوراق فيرسلوها إليه. وأضاف إلى ذلك أمره للعمال بأخذ أموال أولئك الوكلاء وحبسها عندهم.
ولما رفع العمال إلى المعتضد ما وجدوه في دفاتر عزرا وأوراقه من الوثائق الهامة انكشفت له أسرار خطيرة تتصل بسلامة الدولة، بعضها حديث وبعضها قديم من عهد المعتصم، فأمر بترتيبها وحفظها، وفحصت فوجدت مؤيدة لما في دفاتر عزرا وأوراقه.
 وعثر بين الأوراق على رسالة صغيرة في حجم الوصية مكتوبة بالعبرية، فجئ بمن يفك رموزها فتبين أنها سجل شركة خطيرة أسسها جماعة من كبار تجار اليهود بمدينة الموصل في أواخر عهد الخليفة المأمون، على أن تبقى قائمة طوال العصور يديرها أبناؤهم، وإذا لها دستورعجيب ينص على وجوب تشجيع الفتن في الدولة، وإمداد القائمين بها، والسعي لإثارة الحروب بين أمراء المسلمين، وبينهم وبين الروم، وتأريث نار الخلاف بين الطوائفوالمذاهب والنحل، والإفادة من كل ذلك في تجميع الأموال وتكثير الأرباح لشركتهم.
وظهر من الأوراق الملحقة بالسجل الأصلي أن والد عزرا كان رئيس الشركة في عهده، وأن رئيسها الآن هو يوشع بن موسى في (الطالقان)([4، وأثر في حركة الساميين والطاهريين وغيرهم، وأنهم ) وهو الذي وجد السجل عنده، وأن هذه الجماعة كان لها يد في حركة بابك الخرمي([5]اتصلوا بعبد الله بن ميمون القداح (الإسماعيلي) وشجعوه.)
فهال المعتضد ما رأى. وما قضى العجب منه بعد ولا قطع فيه بأمر إذ جاء نبأ عظيم فشغله عن ذلك كله: أن حمدان قرمط قد أعلنالعصيان، وأن القرامطة بالسواد قد قاموا قومة رجل واحد، وأن معهم من القوة والأسلحة ما لا يحصى كثرة، وأنهم هزموا جنود السلطان وقتلوا منهم مقتلة عظيمة([6]).
وهكذا ينكشف الدور اليهودي الخبيث الممتد عبر التاريخ لحرب دولة الإسلام وزرع الجماعات المفسدة والحركات الهدامة في جسد أمة الإسلام ورعايتها ودعمها بالمال، ولا يزال اليهود لليوم يقومون بهذا الدور الخبيث عبر دعم مؤتمرات الملاحدة والباطنيين وتشجيع الفرق والطوائف الضالة من البهائية والقاديانية.
 
 
للاستزادة:
1.     البداية والنهاية (الجزء الحادي عشر) ـ الإمام ابن كثير.
2.     القرامطة واليهود: الاتجاه الواحد ـ د. جمال البدري.
3.     الراصد نت.
 
 

( [1] ) تناولنا في الراصد أمر القرامطة في عدة مقالات ودراسات، يمكن قراءة بعضها على الروابط التالية:
 
([2] ) ثورة قام بها آلاف الزنوج الأفريقيين الذين كانوا أرقاء أو أجراء لدى كبار الملاّك في منطقة البصرة وواسط بين عامي 255 ـ 270 هـ . انظر المزيد على الرابط التالي:
([3] ) سلمية، بلدة تقع على بعد ثلاثين كليلومتراً إلى الشرق من مدينة حماة في وسط سوريا. وكانت مقراً للأئمة الإسماعيلين. ولا يزال إلى اليوم يقطنها أفراد من الطائفة الإسماعيلية.
([4] ) المنطقة الواقعة في سلسلة جبال آلبرز، على بعد نحو مئة كلم شمال غرب العاصمة الإيرانية طهران.
 
([5] ) إحدى الحركات التي قامت ضد الدولة العباسية، وتحديداً في زمن المأمون، واستمرت مدة 20 عاماً، وظهرت من إيران، وكان لها دور سلبي في إضعاف الدولة، وفتح الباب لتدخل الروم بسبب التعاون الذي قام بين بابك الخرمي والإمبراطور الروماني للقضاء على الدولة العباسية. انظر المزيد على الرابط التالي:
 
([6] ) ضمّن الأديب علي أحمد باكثير قصة اليهودي عزرا في روايته "الثائر الأحمر"، التي تناول فيها الصراع بين القرامطة وأهل السنة، وصاغها بأسلوب أدبي رشيق، أسقطه على الواقع المعاصر.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: