سطور من الذاكرة\العدد الواحد الستون رجب 1429هـ
الجواد يتزوج ابنة المأمون
الخميس 3 يوليو 2008
الجواد يتزوج ابنة المأمون
ترسّخ الأحداث التاريخية القناعةَ يوماً بعد يوم بأن آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، لم يكونوا كيانا معزولاً عن المجتمع الإسلامي كما يدّعي الشيعة. فأهل البيت رضوان الله عليهم كانوا على الدوام جزءاً من النسيج الإسلامي، يتأثرون ويؤثرون به، ويشاركون المسلمين أفراحهم وأحزانهم، ويزوجونهم ويتزوجون منهم، على خلاف ما يشيعة الشيعة من أن المسلمين وأهل البيت كانوا في حالة شبه دائمة من العداء والخلاف.
والحدث الذي نحن بصدده في هذا العدد هو تزويج الخليفة العباسي المأمون ابنته إلى محمد بن علي الجواد، أحد أعلام أهل البيت في زمانه، والذي تعتبره الشيعة الاثنى عشرية تاسع أئمتها، وقد سبق زواج الجواد بأم الفضل بنت المأمون، تزويج المأمون ابنته الأخرى أم حبيب، لوالد الجواد، علي بن موسى الرضا، بل وتنصيب الرضا وليّاً للعهد في سنة 201هـ، حتى وفاته بعد عامين من تبوئه ولاية العهد([1]).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إن محمد بن علي الجواد كان من أعيان بني هاشم، وهو معروف بالسخاء والسؤدد، ولهذا سمي بالجواد، ومات وهو شاب ابن خمس وعشرين سنة، ولد سنة خمس وتسعين (195هـ) ومات سنة عشرين (220هـ) أو سنة تسع عشرة، وكان المأمون زوجه بابنته، وكان يرسل إليه في السنة ألف ألف درهم، واستقدمه المعتصم إلى بغداد، ومات بها"([2]).
ويذكر الإمام ابن الجوزي في حوادث سنة 220هـ وفاة الجواد، ويقول: "... قدم من المدينة إلى بغداد وافداً على المعتصم، ومعه امرأته أم الفضل بنت المأمون، وكان المأمون قد زوّجه إياها وأعطاه مالاً عظيماً، وذلك أن الرشيد (والد المأمون) كان يجري على علي بن موسى بن جعفر (والد الجواد) في كل سنة ثلثمائة ألف درهم، ولنزله عشرين ألف درهم في كل شهر، فقال المأمون لمحمد بن علي بن موسى: لأزيدنك على مرتبة أبيك وجدّك، فأجرى له ذلك ووصله بألف ألف درهم.
وقدم (الجواد) بغداد فتوفي بها يوم الثلاثاء لخمس خلون من ذي الحجة في هذه السنة، وركب هارون بن المعتصم، وصلى عليه ثم حمل ودفن في مقابر قريش عند جدّه موسى بن جعفر (الكاظم)، وهو ابن خمس وعشرين سنة وثلاثة أشهر واثني عشر يوماً، وحملت امرأته إلى قصر المعتصم، فجعلت في جملة الحرم"([3]).
ومصاهرة الخليفة العباسي المأمون للجواد، ولأبيه الرضا من قبله، هي واحدة من بين مصاهرات كثيرة جداً بين أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وعموم المسلمين، وقد شملت هذه المصاهرات مختلف البيوت والأسر، فقد صاهر أهلُ البيت الخلفاءَ الراشدين وأقاربهم، وسمّوا أولادهم على أسمائهم، وصاهروا كذلك الصحابة والأسرتين الأموية والعباسية، وعموم المسلمين، كما بيّنا ذلك في مقالات وزوايا الراصد المختلفة(([4].
وأورد الباحث أبو معاذ السيد بن أحمد([5]) زواج محمد الجواد من ابنة المأمون من ضمن المصاهرات العديدة بين أهل البيت من العلويين، وأبناء عمومتهم من أهل البيت العباسيين، كما أورد عدداً من المصادر الشيعية التي أكدّت هذه المصاهرة، بل وذكر الزفاف الفاخر الذي أقامه المأمون لابنته والجواد، إذ ينقل أبو معاذ عن التستري في (تواريخ النبي والآل ص    111): "... أن المأمون أمر بعد التزويج أن يقعد الناس على مراتبهم من الخاصة والعامة، ولم نلبث أن سمعنا أصواتاً تشبه أصوات الملاحين في محاوراتهم، فإذا الخدم يجرّون سفينة مصنوعة من فضة مشدودة بالحبال من الإبريسم (الحرير) على عجلة مملوءة من الغالية (خليط من الطيب).
ثم أمر المأمون أن يخضب بحناء الخاصة من تلك الغالية، ثم مدت إلى دار العامة، فطيبوا منها، ووضعت الموائد فأكل الناس... ثم أمر المأمون فنثر إلى أبي جعفر([6]) عليه السلام رقاعاً فيها ضياع وطعم وعملات"([7]).
وتكتسب هذه المصاهرة أهمية إضافية، كون الجواد يعتبره الشيعة تاسع أئمتهم الاثنى عشر([8]) المعصومين، والشيعة دائماً ما يصورون المسلمين من أهل السنة ظالمين مغتصبين لحقوق أهل البيت، ولو كان الحال هكذا لَمَا قبل الجواد هذه المصاهرة، ولما قبل قبله أبوه الرضا، وأجداده، الذين كانوا جزءاً فاعلاً في المجتمع الإسلامي يبادرونه بكرم أخلاقهم وطيب أصلهم.
 
للاستزادة:
1 ـ منهاج السنة النبوية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ومختصره للشيخ عبد الله الغنيمان.
2ـ المنتظم في التاريخ لابن الجوزي (النسخة الالكترونية).
3ـ الأسماء والمصاهرات بين أهل البيت والصحابة، لأبي معاذ السيد بن أحمد بن إبراهيم.
 

[1] ـ انظر الرابط: http://www.alrased.net/show_topic.php?topic_id=379
[2] ـ مختصر منهاج السنة النبوية ص 148.
[3] ـ المنتظم في التاريخ، ج 11 ، حوادث سنة 220هـ.
[4] ـ انظر على سبيل المثال الرابط: http://www.alrased.net/show_topic.php?topic_id=363&query=الأسماء%20والمصاهرات
[5] ـ في كتابه: الأسماء والمصاهرات بين أهل البيت والصحابة ص 144.
[6] ـ يطلق الشيعة على الجواد اسم "أبي جعفر الثاني"، وعلى محمد الباقر، إمامهم الخامس، "أبي جعفر".
[7] ـ الأسماء والمصاهرات ص 145ـ 146.
[8] ـ الأئمة الاثنى عشر عند الشيعة: 1ـ علي بن أبي طالب 2ـ الحسن بن علي 3ـ الحسين بن علي 4ـ زين العابدين بن علي الحسين 5ـ محمد بن علي (الباقر) 6ـ جعفر بن محمد (الصادق) 7ـ موسى بن جعفر (الكاظم) 8ـ علي بن موسى (الرضا) 9ـ محمد بن علي (الجواد) 10ـ علي (الهادي) 11ـ الحسن العسكري 12ـ المهدي المزعوم.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: