سطور من الذاكرة\العدد الثاني والستون شعبان 1429هـ
امرأة انضم ابنها إلى القرامطة
السبت 2 أغسطس 2008
امرأة انضم ابنها إلى القرامطة
في أواخر القرن الثالث الهجري، ابتلي العالم الإسلامي بالقرامطة، تلك الجماعة الإسماعيلية المسلحة التي حاربت المسلمين ودولتهم، وأنهكتهم، وأهانت مقدساتهم، ولم يسلم بيت الله الحرام نفسه من شرورهم وإفسادهم([1]).
لم يكن إفساد القرامطة في المجتمع الإسلامي محصورا بالجانب العسكري، بل تعدى ذلك إلى الجوانب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والفكرية، ونحن في هذا العدد من الراصد نشير إلى أحد الآثار المدمرة لحركة القرامطة، المتمثل بالفوضى الاجتماعية التي أحدثتها، وانعدام الثقة بين أفراد المجتمع، بل وبين أفراد الأسرة الواحدة، بسبب الغزو الفكري الباطني لعقول الناس، وخاصة الشباب منهم، الأمر الذي ترك آثاره على تعامل الناس مع بعضهم البعض، وعلى تعامل أفراد الأسرة الواحدة أيضا([2]).
وقد أورد ابن الاثير([3]) قصة معبرة لأحد الشباب الذين انخرطوا في صفوف حركة القرامطة، فتحول إلى جاحد عاق بأمه، مشكك بدينها، وتبين القصة كيف هتك القرامطة الأعراض، حتى قالت إحدى المسلمات الهاشميات وهي تشير إلى ابنها الذي ولدته بعد أن اعتدى عليها مجموعة من القرامطة: "فوالله ما أدري ممّن هذا الولد منهم!".
يقول ابن الاثير: "ذُكرعن متطبببباب المحول يدعى أبا الحسين قال‏:‏ جاءتني امرأة بعدما أدخل القرمطي صاحب الشامة([4]بغداد، وقالت‏:‏ أريد أن تعالج جرحًا في كتفي فقلت‏:‏ ها هنا امرأة تعالج النساء،فانتظرتها، فقعدت وهي باكية مكروبة، فسألتها عن قصتها قالت‏:‏ كان لي ولد طالت غيبته عني، فخرجت أطوف عليه البلاد فلم أره، فخرجت من الرقة([5]) في طلبه، فوقعت في عسكر القرمطي أطلبه، فرأيته، فشكوت إليه حالي وحال أخواته فقال‏:‏ دعيني من هذا، أخبريني ما دينك؟)
 فقلت‏:‏ أما تعرف ما ديني؟! فقال‏:‏ ما كنّا فيه باطل، والدين ما نحن فيه اليوم. فعجبتمن ذلك، وخرج وتركني، ووجه بخبز ولحم، فلم أمسه حتى عاد فأصلحه‏.‏ 
وأتاه رجل من أصحابه فسأله عني هل أحسن من أمر النساء شيئا؟ فقلت‏:‏نعم.
فأدخلني دارا، فإذا امرأة تطلق، فقعدت بين يديها، وجعلت أكلمها ولا تكلمني، حتىولدت غلاما، فأصلحت من شأنه، وتلطفت بها حتى كلمتني، فسألتها عن حالها فقالت‏:‏ أناامرأة هاشمية أخذنا هؤلاء الأقوام فذبحوا أبي وأهلي جميعا، وأخذني صاحبهم فأقمت عندهخمسة أيام، ثم أمر بقتلي، فطلبني منه أربعة أنفس من قواده، فوهبني لهم وكنت معهم،فوالله ما أدري ممّن هذا الولد منهم‏([6]).‏
قالت‏:‏ فجاء رجل فقالت لي‏:‏ هنيه، فهنيته، فأعطاني سبيكة فضة، وجاءآخر، وآخر، أهني كل واحد منهم، ويعطيني سبيكة فضة، ثم جاء الرابع ومعه جماعة، فهنيتهفأعطاني ألف درهم، وبتنا، فلما أصبحنا قلت للمرأة‏:‏ قد وجب حقي عليك فالله اللهخلصيني‏!‏
قالت‏:‏ ممن أخلصك؟ فأخبرتها خبر ابني، فقالت‏:‏ عليك بالرجل الذي جاء آخرالقوم، فأقمت يومي، فلما أمسيت وجاء الرجل قمت له، وقبلت يده ورجله، ووعدته أنني أعودبعد أن أوصل ما معي إلى بناتي، فدعا قومًا من غلمانه وأمرهم بحملي إلى مكان ذكره، وقال‏:‏ اتركوها فيه وارجعوا، فساروا بي عشرة فراسخ، فلحقنا ابني، فضربني بالسيف فجرحني، ومنعه القوم، وساروا بي إلى المكان الذي سماه لهم صاحبهم وتركوني وجئت إلى هاهنا‏.‏
قالت‏:‏ ولما قدم الأمير بالقرامطة وبالأسارى رأيت ابني فيهم على([7]جمل عليه برنس وهو يبكي، فقلت‏:‏ لا خفف الله عنك ولا خلصك‏"!
 
وهذا يبين خطورة الفكر الباطني الذي يراد تسويقه اليوم وأنه فكر هدام ومدمر، لا يقيم للقربى والدم أي اعتبار، بل هو يقوم على تكفير الأخر وإفنائه.
للاستزادة
1- الكامل في التاريخ ـابن الأثير.
‏2-‏البداية والنهاية ـ ابن كثير.
3ـ الحركات الباطنية في العالم الإسلامي ـ د. محمد أحمد الخطيب.
 
 

[1]-  تناولنا في الراصد أمر القرامطة في عدة مقالات ودراسات، يمكن قراءة بعضها على الروابط التالية:
[2]  - الحركات الباطنية للخطيب ص 441.
[3] - الكامل في التاريخ (7/524 ـ 526) النسخة الالكترونية/ الجزء الرابع .
[4] - صاحب الشامة ويسمى أيضا صاحب الخال، وهو الحسين بن زكرويه بن مهرويه، تسمى بأحمد، وتكنىبأبي العباس، وتلقب بأمير المؤمنين وادّعى أنه من أهل البيت. زعيم القرامطة في بلاد الشام بعد هلاك أخيه أبي القاسم يحيى بن زكرويه المعروفبالشيخ.
حاول صاحب الخال إقامة دولة قرمطية في بلاد الشام، فحارب السلطات العباسية، والطولونيين الذين استقلوا بمصر وأجزاء من بلاد الشام عنالدولة العباسية، ومن أجل ذلك حاصر دمشق فصالحه أهلها على مال، ثم سار إلى حمص فافتتحها وخطب له على منابرها، وبث ولاته فيها، وزحف من هناك إلى السلمية فدمرها وأباد كل من كان فيها، وحاول الاستيلاء على حلب ، واحتل معرة النعمان، وضربالدنانير والدراهم.
وكتب أهل الشام إلى الخليفة العباسي المكتفي ما يلقون من صاحب الخال، ولمّا شعر الخليفة بجسيم ما وقع، وبعجز الطولونيين عن ردع القرامطة، قرر حشد قوات دولته، والتوجه على رأسها نحو بلاد الشام لتأديبالقرامطة، وبحلول سنة 291هـ، التقت جيوش العباسيين بالقرامطة شمال مدينة حماة،وأوقعت بهم ضربة ماحقة فقتل منهم وأسر أكثر من عشرة آلاف رجل، وشرد الباقون فيالبوادي.ثم قبض على صاحب الخال عند هربه، وأعدم مع عدد من أصحابه. (انظر:البداية والنهاية لابن كثير 11/109 وأخبارالقرامطة للدكتور سهيل زكار، فصل:قرامطة الشام).
 
[5]  الرقة: مدينة في شمال وسط سوريا، على بعد 160 كم شرق مدينة حلب.
[6] - يردد الإسماعيليون وكذلك الشيعة باستمرار القول بحبهم لأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، لكن القرامطة الإسماعيلية لم يدخروا جهدا في قتل الهاشميين والاعتداء عليهم، بخلاف ما يدعونه. يقول الإمام ابن كثير عن صاحب الخال: "كان القرمطي هذا يكتب إلىأصحابه‏:‏ ‏من عبد الله المهدي أحمد بن عبد الله المهدي المنصور، الناصر لدينالله ، القائم بأمر الله، الحاكم بحكم الله ، الداعي إلى كتاب الله، الذاب عن حريم الله، المختار من ولد رسول الله‏‏ . وكان يدّعي أنه من سلالةعلي بن أبي طالب من فاطمة، وهو كاذب أفاك أثيم قبحه الله ، فإنه كان من أشد الناسعداوة لقريش، ثم لبني هاشم، دخل سلمية فلم يدع بها أحداً من بني هاشم حتى قتلهموقتل أولادهم واستباح حريمهم‏"‏البداية والنهاية ‏11/109.
[7] - لعلّ المرأة تشير هنا إلى اقتياد أسرى القرامطة، ومنهم زعيمهم صاحب الخال، إلى بغداد بعد انتصار قوات العباسيين عليهم في سنة 291 هـ ، حيث تم إعدامهم بعد ذلك.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: